المحتوى الرئيسى

قراءة في أدب الثورة وتجلياته في ميدان التحرير

04/17 11:55

بقلم: د. خالد فهمي (1) مدخل كانت أمارات الميلاد الجديد لمصر بادية الملامح، ظاهرة العلامات في غير ما مجال من المجالات الحيوية التي تحيط بواقع المصريين اجتماعيًّا وسياسيًّا.   وربما أمكن، اليوم، الوقوف على أمارات هذا الميلاد الجديد الذي كان يتخلق في رحم التاريخ، في عدد غير قليل من العلامات الفنية والأدبية والجمالية.   صحيح أن هذا العدد من العلامات الجمالية كان يلوذ بتقنيات تعصمه من المطاردة، أو المنع؛ ما أفسح المجال واسعًا لانتعاش تقنيات التخفي والاستتار، وانتعاش بلاغة الأقنعة والإسقاط، وازدهار سوق مجازية الصمت والمراوغات!.   لقد حوصرت الأصوات الإبداعية الجادة، على الرغم من لياذها بما كان مما أنبئت به مما سميته سلفًا باسم "بلاغة الأقنعة"، و"مجاز التلميح"؛ ذلك أن اقتران الجد ببعض هذه الأصوات الأدبية كان قرينةً كافيةً في عصر الاستبداد على أن هذا الأدب يحمل شيئًا ضارًّا ببنية ذلك الاستبداد الذي كان.   لم تكن رحلة اللجوء إلى بلاغة الأقنعة، وتقنيات التخفي شاقةً ولا وعرةً؛ ذلك أن تاريخ التقاليد الأدبية العربية وغير العربية تملك رصيدًا هائلاً من مفردات هذه البلاغة، وتحوز رصيدًا هائلاً من تقنيات هذا الاستتار.   لقد كان اللجوء إلى هذا الذي سميته لك من جانب المبدعين، مصحوبًا بذائقة متعالية من جانب جمهور المتلقين، تقنع باللمحة، وتذوب في عمق التخفي مبحرة، عائدة بالمغزى، وتكشف عن قسمات الوجوه خلف الأقنعة؛ مما كان يسهل الأمر، كذلك وصول الرسالة الأدبية والجمالية لعمل المبدعين.   كانت هذه الملامح المتناثرة أشبه شيء بالطاقة الكامنة في النفوس المبدعة، تتراكم وتحوِّم حول الفعل الإبداعي، حتى إذا صادفت مناخ الثورة انطلقت، وأنتجت، وأينعت، وأنبتت من كل جنس أدبي إبداعًا.   (2) استحياء الماضي الإبداعي القريب وفعل التخصيب لأدب الثورة كان حدث الثورة جبارًا، ومفاجئًا، ومتلاحقًا، وسريع الخطى والوقع، وهو الأمر الذي كان يستوجب التعاطي معه بالخصائص نفسها قوةً وسرعةً وتلاحقًا.   في هذه الأثناء لجأ العقل الجمعي للثوار إلى تقنية استحياء الماضي القريب، وإعادة استحضاره لمواءمة الحدث الجليل، من خلال مسارين ظاهرين جدًّا، هما:   1- مسار أرض الميدان في التحرير. 2- مسار الفضائيات المعالجة لشأن الثورة. لجأت المنصَّات التي نصبها الثوار في ميدان التحرير إلى استحياء الأغنيات القديمة من دون النظر إلى السياق القديم الذي أحاط بها؛ اعتمادًا على الإطار المرجعي لموضوع الوطن الذي يمثل العنصر المحوري في هذه الأغنيات قديمًا، فتجاورت أغنيات من زمن مقاومة الاحتلال الإنجليزي، ومن زمن مؤازرة ثورة يوليو 1952م، ومن نتاج الانتصار على الكيان الصهيوني، من مثل: "إحنا الشعب" لصلاح چاهين وعبد الحليم حافظ، و"حكاية شعب" لأحمد شفيق كامل، "وَاحْلِفْ بسماها" للأبنودي وغيرها.   ثم سار في الاتجاه نفسه فعل الفضائيات العربية التي بدت متعاطفةً مع الثورة، وهو ما أعاد أعمالاً أدبيةً وفنيةً رائعةً إلى الوجود الحي من مثل:   أ- نشيد الجهاد، لمأمون الشناوي، وغناء محمد عبد الوهاب.   ب- مصر تتحدث عن نفسها، لحافظ إبراهيم، وغناء أم كلثوم.   ج- دعاء الشرق، لمحمود حسن إسماعيل، وغناء محمد عبد الوهاب.   د- أنا الشعب أنا الشعب لطلال قديم، وغناء أم كلثوم.   كان هذا الاستدعاء والاستحياء فعلاً أوليًّا كان الغرض من ورائه ملاحقة الفعل الثوري، ودعم وجدان الثوار نفسيًّا، واستبقاء شعلة الثورة مشتعلةً في النفوس؛ بما للكلمة المبدعة والملحَّنة من أثر ظاهر لا يُجادل أحد في قيمته.   (3) تجليات الميدان الإبداعية مقال في حدود المنجز كان استحضار عدد من القصائد الوطنية التي تسكن الذاكرة القومية نقطة البداية التي مهدت للفعل الإبداعي على أرض الميدان، بما حققته من مساحة زمنية ريثما تشحذ قرائح المبدعين لملاحقة الثورة والتعاطي مع أحداثها.   وهو الأمر الذي لم يستغرق وقتًا طويلاً حتى انفجرت قنوات الإبداع على أرض الميدان في اتجاهات متعددة.   وقد أنتج ميدان التحرير بما حان من حالة عبقرية فريدة، ومن حالة إنسانية متميزة، مجموعةً من التجليات، يمكن إجمالها فيما يلي:   - أولاً: تجليات الميدان شعريًّا (على مستوى الفصحى والعامية).   - ثانيًا: تجليات الميدان شعاريًّا (أي على مستوى ما طُرح من شعارات).   وهما المجالان اللذان ستقف هذه الورقة أمامهما، محاولةً فحص أمرهما، وتأمل خزائنهما.   والعلامة المركزية التي تتبدَّى من خلف تأمل التجليات الشعرية لميدان التحرير؛ قلب الثورة النابض، تكاد تنحصر في الأصوات الشعرية المنتمية؛ بمعنى التي يحفظ لها الوعي الجمعي موقفًا نزيهًا وشريفًا في مواجهة النظام الذي كان قبل أن يزول؛ وهو ما أكسب هذه الأصوات قبولاً وتأثيرًا في الملتقى، من اتجاهات جمالية، وفكرية معًا.   لقد كان ثمة ظهور لبعض الأصوات التي استقر في العقل الجمعي المصري قربها من دوائر النظام، يوم كان في سدَّة الحكم، وقد كان هذا الذي استقرَّ ذا تأثير ظاهر الضرر على ما بدا وكأنه محاولةٌ للحاق بركب الثوار، واقتناص اللحظة شعريًّا في محاولةٍ للإيهام، والمثال الحاضر بقوة هو قصيدة (الميدان) لعبد الرحمن الأبنودي، التي يمكن الحكم عليها نقديًّا، بأنها ولدت في ثلاجة الموتى، صحيح أن هذا الحكم النقدي انطباعي بامتياز؛ لكنه عند الذين أطلقوه ناتج خبرة مستندة إلى ذوق لا يُخطئ، والذوق نقطة فارقة لا يمكن محاصرتها في أي منهجية نقدية.   وصحيح أن في القصيدة بعضًا مما يسمى في دستور النقد دلائل صنعة أدبية، لكنها صنعة المحترف للشعر، المحترق بالشعور والوجدان.   ولعلَّ بعضًا مما يدعم ذلك الحكم كامن في السطور التالية: - الثورة فيضان قديم. الثورة متبانش في كلام أو قول. آدي الميدان اللي حضن الذكرى وسهرها. آدي الميدان اللي فتن الخلق وسحرها. ما بين عباد عاشقة وعباد كارهة. شباب كان الميدان أهله وعنوانه. وعلى الرغم مما يصبغ هذه الثورة من استثمار للمفردة المركزية، وهي الميدان، ومما سكن بنية هذه السطور من عناصر إيقاعية ظاهرة المكان، فإن روحًا غامرةً تعود بها بعنف إلى صفوف النثرية المفرطة! ولا سيما في هذا الأخير هنا.   (4) وطن يعود.. وفجر يحلق مشرقًا ملامح شعرية الفصحى في الميدان وبعيدًا عن هذا الصوت الذي أشرت إليه، وبعيدًا كذلك عن صوت بدا محترفًا ومحترقًا بقضايا الوطن والمجتمع؛ هو صوت الشاعر فاروق جويدة في قصيدة: (ارحل وعارك في يديك) بدت الملامح الشعرية التي أبدعها ميدان التحرير شبابيةً بامتياز، تعكس وجوهًا عديدةً لعلامات التهميش والقهر التي مُورست ضد أبناء هذه الأجيال الناهضة.   ولعلَّ أول صوت كان واضح الظهور بما هو من تجليات الميدان حقيقةً وواقعًا هو الشاعر/ خالد الطبلاوي في قصيدته: (تبت يدان) التي نشرها يوم 27/ يناير/ 2011م.   وقد كان ظاهرًا جدًّا استجماع القصيدة مسوغات الثورة، وحيثيات الانتفاضة، وهو ما بدا في تكثيف القول الشعري حول رأس النظام بما يمثله من امتياز لفعل الاستبداد؛ يقول الشاعر: تبت يدان يدك التي سرقت وأخرى صادرت منا الأمان وقد يكون هذا المقطع كافيًا في منح الثورة وجهًا شرعيًّا، وقد نزل الذكر الحكيم ليقول: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ (1)﴾ (المسد)، ويأخذ الشاعر في حشد ملامح النار التي أشعلت فعل الثورة، عندما يقول:   مت يا جبان مت في متاهات القلق يا أيها الوغد الذي لم يبك يومًا في وداع من احترق يا من عصرت الناس عصرًا كي يجف رحيقهم وترحب الأجسام بالنيران أو تهوي لتنجو بالغرق مت في متاهات القلق فالكل ينتظر الخلاص لا فرق بين الموت محترقين أو نهشًا بأسنان الرصاص الناس ماتت في القطار وفي البحار وفي الهواء الكل في وطني سواء حتى الذي ما مات بعدُ يلوكه فكُ الشقاء ويتبدَّى من استثمار تقنية النكوص، أو الارتداد نحو مشاهد من الذكريات المؤلمة القاتلة التي طحنت الشعب المصري نوع من اقتناص الشرعية، ومواجهة كل الذين أرادوا عودة الجماهير إلى الهدوء، كانت الذكريات تعيد مشاهد الليالي الرهيبة، والأوقات العصيبة وهي تحرق أو تخنق أو تغرق الأحلام البسيطة، وتلفها في أكفان الحزن العميق.   ولذلك كانت نبوءة الشعر نفاذةً قويةً، تملك مقومات قوتها وهي تعلن عبر صوت القصيدة: وغدًا تحاصرك الحناجر صارخات بالرحيل كل المساكين الذين حصرتهم وحصدت جيلاً بعد جيل وأنا خرجت بكل أبنائي لأدفع حصتي في كبرياء فارحل بعيدًا فلن يبكي عليك ترابُ أرضي لا ولن تبكي السماء كانت تجليات ميدان التحرير تعكس وجهًا مشرقًا لوطن طالما خمش ملامحه الاستبداد الذي ان، والفساد الذي عشش في كثير من الأجيال.   ومن أجل ذلك تعالت الدعوات الشعرية والجمالية إلى تمزيق الدفاتر التي جمعت ملامح الوجه في عهود الاستبداد، وإلى الكشف عن ملامح النور في وجه الوطن، بما هي ملامح أصيلة طمرتها يد الاستبداد لزمن طويل.   وفي هذا السياق يقول هشام الجخ في قصيدته (مشهد رأسي من ميدان التحرير): مزِّق دفاترك القديمة كلها    واكتب لمصر اليوم شعرًا مثلها لا صمت بعد اليوم يفرض خوفه   فاكتب سلام النيل مصر وأهلها عيناك أجمل طفلتين تقرران    بأن هذا الخوف ماض وانتهى كانت تداعبنا الشوارع بالبرودة    والصقيع ولم نفسر وقتها كنا ندفئ بعضنا في بعضنا    ونراك تبتسمين ننسى بردها وإذا غضبنا كشفت عن وجهها    وحياؤنا يأبى يدنس وجهها لا تتركيهم يخبروك بأنني    متمرد خان الأمانة أو سها إني أعيذك أن تكوني كالتي    نقضت على عمد وجهل غزلها لا تتركيهم يخبروك بأنني    أصبحت شيئًا تافهًا وموجهًا فأنا ابن بطنك وابن بطنك من    أراد ومن أقال ومن أقر ومن نهى صمتت فلول الخائفين بجبنهم    وجموع من عشقوك قالت قولها والقصيدة ناطقة بتجليات الميدان على مستوى المعجم الشعري ابتداءً بما سكن معمارها من مفردات كانت شديدة الدوران على ألسنة الثوار، وهو ما يظهر في القائمة التي تضمُّ المفردات التالية: (مزّق/ مصر/ الخوف/ غضب/ متمرد/ أقال/ فلول/ جبن/ عشق)   وتأمل هذه المفردات يلمح إلى تجاور ألفاظ الثورة لألفاظ ما أدى إليها، وهما معًا يتجاوران مع الثوار العاشقين المنتمين إلى الوطن في مواجهة الفلول الجبناء المذعورين من الميدان.   في هذين النموذجين ترتفع نبرة تثوير اللغة عبر مسارات المعجم، والتراكيب، في استثمار واضح للأصوات ذات القمم الإسماعيلية العالية، متمثلة في تنامي ثلاثة أنواع متجاورة (مجموعة الأصوات المجهورة/ ومجموعة الأصوات الصغيرة/ وجموعة أصوات المد).   وفي هذين النموذجين مرة أخرى غياب ظاهر للمجازية الكثيفة؛ بمعنى أن حالة الميدان التي تفرض الالتحام بالجماهير أوعزت لشاعرين صاحبي النموذجين أن يخفضا بمعدل المجازية العالية المحفوفة بمستوى من الغموض الظاهر، ولذلك شاع في القصيدتين عددٌ من التقنيات التي تهدف إلى تحقيق أعلى عائد من وراء بلاغة الرفض والتحريض والتثوير، من مثل: أ- التناص، أو استعمال نصوص في النموذجين يفرضان استدعاء لسياقاتها المنقولة منها، على ما يظهر من التناص مع آيات سورة المسد، ومع الرويبضة (وهي لفظة حديثية).   ب- اللجوء إلى تقنية التشبيه، بما هو صانع للمجازية غير الكثيفة.   ج- استثمار بعض العناصر اللغوية المنضوية تحت الوعي (الرومانسي) الوجداني بامتياز؛ مما يعيد التذكير بإنسانية التجربة الإبداعية الشعرية، طلبًا لاستجماع صورة البراءة والحسن الفطري، والخير المتدفق، والأمل الشفيف.   د- توظيف عدد من المفردات التي كانت متداولةً على أرض الميدان، في بنية القصائد المختلفة، ولا سيما ألفاظ معجم الرحيل.   صحيح أن هذا النمط من الشعرية التحريضية، والتثويرية كان هو الشائع على ما ظهر من المثالين اللذين وقفت أمامهما الورقة هنا، لكنه- ومن جهة أخرى- لم يكن النمط الوحيد من الشعرية التي ظهرت تجلياتها في ميدان التحرير، وبتأثير من الحالة التي سكنت جغرافيته، ذلك أنه ظهر نمط آخر أخلص لمفهوم الشعر الذي يفرض قدرًا من التأمل، ومعاودة القراءة،   تخف فيه ملامح بلاغة التثوير، لحساب تعالي علامات بلاغة الأقنعة، وتنامي محددات المجازية الكثيفة المتعالية، وفي هذا السياق تقفز قصيدة تميم البرغوثي عن ثورة 25 يناير؛ لتمثل شاهدًا على هذا النمط من الشعرية الوفية لتقاليد القصيدة التي تقدر دستور الشعر وقوانينه، فظهرت الرمزية عبر مسارات المعجم الشعري، وتنامت الأقنعة عبر توظيف الرمز الحيواني المختار بعناية، وتكاثفت التراكيب المجازية المسكونة بقدر ظاهر من الغموض مقارنةً بالنمط السابق، على الأقل في سطور مفتتح القصيدة.   وقد كانت المزاوجة بين مصر وتونس واحدةً من مفاتيح فك شفرة القصيدة؛ لأن تتابع الحدثين على أرض الواقع، هو الذي فرض على المتلقى أن يستقبل القصيدة من بوابة الثورة.   يقول البرغثي: ضبعٌ تهاجمُ سِرْبَ غُزلانٍ فَتَهْرُبُ كُلُّها رَسَمَتْ حوافرهُنَّ عَشْرَةَ أفرعٍ في الأرضِ عشوائيةً والضبعُ تعرفُ أنه لا وقتَ كي تحتارَ فيما بينَها تختارُ واحدةً لتقتلًها حياةُ غزالةٍ ومماتُها أمرٌ يُبَتُّ بِسُرْعَةٍ لا تعرف الضبعُ الغزالةَ، لا عداوةَ، لا تنافُسَ ربما لو كان يومًا غيرَ هذا اختارتِ الأُخرى وحتى بعد مقتلِها، سَتَعْجَزُ أن تقولَ الضبعُ إن سُئِلَتْ لِمَ اختارَت غَزَالَتَها التي قَتلَتْ وهذه الثنائية القائمة على استحضار الضبع في مواجهة الغزالة أمر دال في سياق قراءة مفاتيح النص، ولا سيما إذ ما عرفنا أن الضبع، في تقاليد الحيوان في الثقافة العربية رمز ظاهر الدلالة على القبح والدمامة، في مواجهة الغزالة بما هي رمز ظاهر الدلالة على الحسن والجمال.   وتصميم معمار الجزء الأول من القصيدة وفق قيمة القصة بما يسكنها من فتنة الحكي، وسحر السرد، أمر مهم في تأمل حكاية الوطن الجميل الذي يتعرض لعدوان القبح! يجلب التعاطف معه بما أن الإنسان مفطور على الانجذاب للحكي.   وفي مقطع أخير يقف تميم البرغوثي أمام الحكمة والحقيقة التي يمكن أن تستخلص من الحكاية التي تقدمت في مفتتح القصيدة، يقول الشاعر: ولكنِّي أظنُ الضبعَ تَعلَمُ جَيِّدًا، بِتَوازُناتِ الخَوفِ أنَّ السِّربَ، كَلَّ السِّربِ تجاهَ الرَّكْضِ عَاشَ جَمِيعُهُ وَأَظُنُّ أَنَّ السِّرْبَ يَدري بِاحتِمالِ نَجَاتِهِ وأن كلَّ غَزَالةٍ تَخْشَى تَخَاذُلَ أُخْتِها لو أَنَّها فَعَلَتْ فَتَخْذِلُ أُخْتَها والأختُ خَائِفَةٌ هِيَ الأُخْرَى فَتُسْلِمُ للرَّدَى تِلكَ التِي خَذَلَتْ فَتَحيا كُلُّ وَاحِدَةٍ بِمُفْرَدِها وَتُقْتَلُ كُلُّ وَاحِدَةٍ بِمُفْرَدِها وخضوعًا لتوجسات الموقف، وما يفجره من الاحتمالات، وما ينسرب بتأثير من ذلك إلى نفوس الثائرين، يركن الشاعر إلى تراكيب الاستدراك، فيقول: وَلَكن، رُبَّما، وَلِرَحْمَةِ الله الكريمِ عِبَادَهُ، هَجَمَتْ غُزَيِّلَةٌ عَلى ضَبْعٍ بِلا تَفْكِيرْ وَتَتَابَعَتْ مِنْ بَعدِها الغُزْلانُ، مِثْلَ تَتَابُعِ الأَمْطارِ فِى وِدْيَانِها في هذه اللحظاتِ تَعْلَمُ أن حُسْنا ما عَظِيمًا سَوفَ يَأتي ربما وَلَدٌ يُكَلِّمُ أَهْلَهُ في المَهْدِ أو يَتَنَفَّسُ الصُبْحُ الذي في سُورَةِ التَّكْويرْ لا أقصدُ التشبيهَ أو سَبْكَ المَجَازِ، ولا أُشِيرُ لِثَورَةٍ عَبْرَ البلادِ، فَقَطْ أريدُ القَوْلَ والتَّذْكِيرْ هذا الكلامُ حَقِيقَةٌ عِلْمِيَّةٌ يا أَهْلَنَا الضبعُ أَضْعَفُ من فَرَائِسِها، وَأخْوَفُ مِنْهُمو بِكَثِيرْ... وقارئ هذا النص يلمح اعتماده تقنية التنوير في نهاية القصيدة، ويلمح ميل النص مع ختامه نحو شفافية التصريح، ويرى ظاهرًا استثمار تقنية التناص، أو استحضار بنية من النصوص أخرى حاكمة على السياق الثقافي المصري، يغازل بها عنصري الوطن (النصارى/ والمسلمين) في:   ربما وَلَدٌ يُكَلِّمُ أَهْلَهُ في المَهْدِ (في رمزية إشارية إلى عيسى عليه السلام)   أو يَتَنَفَّسُ الصُبْحُ الذي في سُورَةِ التَّكْويرْ (في رمزية إشارية إلى القدرة الربانية في التصوير القرآني)   وهي التقنية التي اتفق الثلاثة الشعراء على توظيفها في القصائد الثلاث هنا، بما سكن الوعي المصري العام لتأثير النص الحكيم، في توجيه الرأي العام.   ثمَّة روح من التوجس والتوتر والقلق، وهواجس المخاوف من اجتياح الضبع وتفشي المقابح في مطلع القصيدة.   ولكنه سرعان ما يتبدل ليحل محله روح من اليقين الجارف في قدرة المحاسن على الانتصار، وتطهير الأرض والوطن، عندما تعترف القصيدة مقررة:   هَجَمَتْ غُزَيِّلَةٌ عَلى ضَبْعٍ بِلا تَفْكِيرْ وَتَتَابَعَتْ مِنْ بَعدِها الغُزْلانُ، مِثْلَ تَتَابُعِ الأَمْطارِ فِي وِدْيَانِها إن صوتًا جليًّا يقرر أن الثورة مسكونة بروح خضرة باعثة على الحياة، مطهرة للوجود، وهو ما ينطق به تتابع الأمطار، في الوديان، تمسكه وتنميه!.   (5) دفء الميدان وحميمية الوجدان ملامح شعرية العامية في الميدان لم يكن من الممكن أن يكون صوت الفصحى بما عُهِد عنه من وقار هو صاحب الحضور المنفرد، أو حتى المتقدم على ساحة إبداعات الميدان، ذلك أن مطالب الجماهيرية، وتتابع الأنفاس الثائرة يلائمها نمط من النصوص تتشكل من معجم وتراكيب عامية.   واعتقادي أن ذلك الحضور مبعثه المجموعة، وربما يجملها طبيعة اللحظة الثورية، وطبيعة جغرافية الموقف، وطبيعة التنوع الجماهيري الذي يشكل خريطة الثوار، وإرادة تحقيق الانسجام بين فئات الثوار جميعًا، فضلاً عن طبيعة المجهود الأدنى المصاحب لتلقي إبداعات اللغة العامية، ولطبيعة الإلف المصاحب لها بحكم توافر استعمالها، وبما يجعلها خالقة للواقعية.   وفي هذا السياق تقدر الورقة صعوبات متكاثرة تتعلق بحجم ما أبدعته قرائح شعراء العامية في الميدان، ومن هنا فإن الاختيار، في هذه اللحظة يُعدُّ مطلبًا لا اختيار فيه.   ومما كان مكتوبًا على بعض اللافتات أجزاء من قصيدة شاعر العامية محمد جودة: (هتتحرر)، يقول في بعض مقاطعها:   وتقف الكلمة في الميدان وتضرب وسط ضرب النار هتتحرر! وادينا كلنا جينا وحبينا وصلينا وناجينا ولسة الحلم في قلوبنا نحررها وبإيدينا هتتحرر وأتمنى تكون بالكلمة مش بالسيف صحيح اليأس أحيانًا بيندهنا يا ناس العتمة مجنونة لكن بالصدق هنكمل ما دام الكلمة مسنونة هتقطع في ظلام الليل وتحرق قلبه جيل ورا جيل في هذا المقطع تتبدى المشاركة الفعالة المحركة لثورة الميدان قبل أن تؤتي ثمرتها، بالتنحي، وهو نص أو مقطع مكتنز بالتفاؤل واليقين، مفعم بالتحدي، مؤمن بحتمية النصر، مسكون بالاعتقاد الجازم في قدرة الكلمة على صناعة التغيير، فضلاً عما يسعى إليه من تثبيت الأقدام في الميدان:   ونملا الدنيا بالأشعار وتقف الكلمه في الميدان وتضرب وسط ضرب النار هيفضـل صبـرنا يكبر ونشوف مين اللي هيسلِّم هــنــتــكـلــم هــنــتــكــلـم في هذا الصوت الذي التحم، وأسهم في تشكيل عاطفة الميدان، تبدو الأفكار الحضارية التي سكنت وعي الميدان حاضرة جدًّا، وهي أفكار السلمية، والأمل، والتفاؤل، والإيمان بقيمة الكلمة، وقدرتها على تحقيق آمال الثوار.   ومن جانب ثانٍ فإن عشق الوطن كان متغلغلاً في وجدان الثوار، يرون فيه قدرًا واجب التسليم له.   ولعل قصيدة نصر الدين ناجي (إزاي) التي غدت واحدةً من أشهر أغاريد ثورة 25 يناير، ربما بسبب من غنائها في المقام الأول، مثال ظاهر على ما نقرره.   في القصيدة صوت مسكون بحب نبيل، يخلق ألمًا مبرّحًا لصاحبه، لكنه لا يسعه إلا أن يواصله بسبب من نبل المحبوب، وحُسنه، ومنزلته، ورمزيته.   والعاشق في تجربة عشقه طامح نحو استعادة رقي محبوبته التي هي أهل له بامتياز.   والنص ناطق بعذابات العاشق، ولذاته معًا، يقول نصر الدين ناجي في (إزاي): إزاي ترضيلي حبيبتي أتمعشق في إسمك وانتي عماله تزيدي في حيرتي  ومنتيش حاسة بطيبتي إزاي ولا صدقي في حبك شافع إزاي أنا رافع راسك وانتي بتحني في راسي إزاي ويسوق النص في لغة شاعرية معتمدة ما يشبه تقنية النكوص والارتداد، واسترجاع التاريخ المطعم بمجموعة من التراكيب المرسومة بريشة من كلمات وجدانية (رومانسية) تشير إلى الآلام والعذابات المتولدة من المفارقة بين الحب، والجزاء الذي يجنيه بسبب من هذا الحب، يقول الشاعر:   أنا أقدم شارع فيك أنا طفل اتعلق بيك ويقول: أنا لو عاشقك متخير كان قلبي زمانه اتغير وحياتك لفضل أغير فيك لحد ما ترضى عليَّ ويقدم الشاعر في النص ملامح عشقه، ودلائل حبه؛ فيقول: وأنا عشت حياتي بحالها علشان ملمحش في عينك خوف وفي بحرك ولا في برك إزاي أحميلك ضهرك وأنا ضهرى في آخر الليل دايمًا بيبات محني ومكشوف في هذا النص قائمة بتهم الاستبداد الذي خمش وجه المحبوبة الجميل، وترك ندوبًا أحالته نموذجًا قبيحًا.   وفي هذا النص رفض صارخ للخوف الذي سكن قلب المحبوبة، وفيه مطاردة لحرقة ظهرها، وتوق جارف لصيانتها، لأنها أنبل ما تكون، وأعرق ما تكون، وأجمل ما تكون، وأعف ما تكون.   (6) شعارات ميدان التحرير نحو جنس أدبي لم يُكتشف ربما تكون مغامرة نقدية أن ينظر إلى ما أبدعته عقول الثوار في ميدان التحرير من شعارات على أنه (جنس أدبي)، أو على أنه مشروع جنس أدبي يتخلق في رحم نظرية الأدب.   وبعيدًا عما يمكن أن تقود إليه هذه المغامرة، فثمَّة اتفاق على السهمة التي قامت بها شعارات الميدان في تحقيق آمال الثورة، وترسيخ مفاهيمها.   وليس مبالغة إن قررت أن شعارات ميدان التحرير مثلت خزينة للحكمة والوعي، وعكست مجموعة من الدلالات، وقامت بعدد من الوظائف الثورية.   لقد استطاعت شعارات الميدان أن ترعى وظيفة حضارية تمثلت مفرداتها فيما يلي: أ‌- الوعي الجمعي بكليات الأمور، والمطالب، والمقاصد، وهو بعض ما نطقت به مثل الشعارات التالية:   - الشعب يريد إسقاط النظام. - ثورة ثورة حتى النصر.. ثورة في كل شوارع مصر. - الشعب خلاص أسقط النظام. - لا مبارك ولا سليمان.. دول عملاء الأمريكان. - تغيير.. حرية.. عدالة اجتماعية. كما قامت الشعارات لتعكس المنظومة الأخلاقية الراقية لجموع الثائرين، وهو ملمح حضاري يصدر ما سكن في الضمير الثقافي المصري من آثار الأخلاق الإسلامية، في مثل: - سلمية.. سلمية - مصر يا أم ولادك أهُم..  دول علشانك شالوا الهم. - إحنا مين إحنا مين.. إحنا كل المصريين. - الجيش والشعب إيد واحدة. - يا جمال قول لأبوك الشعب المصري بيكرهوك. هذه الملامح الحانية على أفكار الوحدة، والسلام الاجتماعي، ورفض الاستبداد، هي بعض ما سكن هذه الشعارات، وهي ما حرَّك جموع الثائرين.   وعلى طريقة التأصيل لهذا الجنس الأدبي المقترح يرجى تأمل ما استطاعه من توظيف عدد من الملامح اللسانية والبلاغية من مثل: أ‌- استثمار تقنية السجع في تثوير اللغة، ودعم بلاغة الرفض، وبلاغة التحريض، وبلاغة العصيان.   ب- كثافة استعمال أصوات المد واللين، بما هي مخزن للقمم الإسماعية المرتفعة، المواءمة لطبيعة الميدان.   جـ- كثافة استعمال الأصوات المجهورة والانفجارية والتكرارية والصفيرية للغرض نفسه.   د‌- ظهور مجموعة من التقنيات الطريفة من مثل استثمار الفكاهة في مثل: - ارحل يعني إمشي، ولاَّ مبتفهمشي! لقد كان ميدان التحرير أنموذجًا مسكونًا بالإبداع، فجَّر طاقة إبداعية ظلت حبيسة وكامنة في العقل المصري، تتهيأ، وتستجمع خيوطها لتنطلق خادمة هذه الثورة النبيلة الفارقة في تاريخ مصر اليوم.   خاتمة وبعد فلقد أمكن من خلال تأمل حالة ميدان التحرير على المستوى الإبداعي أن نقف أمام مجموعة من العلامات المائزة لما أنتجته الثورة على أرض الميدان، وهو ما يمكن إجماله فيما يلي: أولاً: التعاطي الأولي مع أحداث الثورة؛ باستحضار النصوص التي أنتجت في مراحل تاريخية سابقة، لتكون أغنيات الميدان.   ثانيًا: تنوع مخرجات الحالة الإبداعية للميدان، لتغطي مساحةً واسعةً تطول النصوص الشعرية الفصيحة والعامية معًا، والنصوص النثرية فيما سمته الورقة بالشعارات.   ثالثًا: اتفقت النصوص الشعرية جميعًا (في مستوييها اللغويين) على استثمار عددٍ من التقنيات الفنية، ولا سيما التناص مع نصوص من المرجعية الدينية، لأغراض منح الشرعية لفعل الثورة، ولأغراض خادمة للمتلقين.   رابعًا: اتفقت النصوص الشعرية جميعًا على استعمال معجم شعري مائز ذي ملامح معينة خادمة للفكرة الثورية، ولا سيما في بعدها الإنساني (الوجداني) ذي الخصائص الرومانسية الجزئية.   خامسًا: الإلماع إلى حاجة الشعار إلى التأصيل النظري بما يجعل منه جنسًا أدبيًّا مكتنزًا. -------------كلية الآداب- جامعة المنوفية  

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل