المحتوى الرئيسى

أنا مسلم وضد الدولة الدينية!

04/17 09:25

حلمي الأسمر شاع في العقدين الأخيرين أو الثلاثة، نمط من الجرائم البشعة ارتُكبت باسم الإسلام، وادعاء بأنها كانت تطبيقا لشرع الله، وشرع الله منها براء، ولم تزل تلح علي مقولة للشيخ محمد أبو زهرة، أحد كبار علماء الأزهر الراحلين، كلما رأيت من هؤلاء فعلا يشبه قتل الصحفي الإيطالي في غزة! جاء في مذكرات الشيخ القرضاوي أن الشيخ أبو زهرة رحمه الله وقف في أحد المؤتمرات الإسلامية، وقال: إني كتمت رأيًا فقهيًّا في نفسي من عشرين سنة، هذا الرأي يتعلق بقضية «الرجم» للمحصن في حد الزنى، فرأى أن الرجم كان شريعة يهودية، أقرها الرسول في أول الأمر، ثم نسخت بحد الجلد في سورة النور، وموطن الاستشهاد ليس هنا، بل فيما رد به الشيخ ابو زهرة على الشيخ القرضاوي، حين لقيه بعد انفضاض الجلسة، وقال له : يا مولانا، عندي رأي قريب من رأيك، ولكنه أدنى إلى القبول منه، ولكن الشيخ لم يوافقه على رأيه هذا، وقال له: يا يوسف، هل معقول أن محمد بن عبد الله، الرحمة المهداة، يرمي الناس بالحجارة حتى الموت؟ فإن كان هذا شأن نبينا مع حكم شرعي، فما بال أقوام يرتكبون فظائع وجرائم، يحملونها للإسلام والمسلمين؟ ليفعلوا ذلك ولكن ليس باسمنا، نحن المسلمين! ولعل من جنس هذا، من ينادي بدولة دينية ثيوقراطية، يمثل فيها الحاكم أو ولي الأمر سلطة الله، فيتصرف وفق تفويض من السماء، والسماء بريئة منه، ويرتكب «باسم الله» مظالم لا قبل لمنصف عادل بها.. لقد ازددت قناعة يوما بعد يوم، أن الأصلح لهذه الأمة دولة مدنية عصرية، لا تستدعي أي شكل من أشكال الدول أو الممالك التي تزيَّت بزي الإسلام، وحكمت باسمه، فكانت نموذجا للقمع والترويع، والتسلط، ومجانبة حقوق الإنسان وأهمها حقه في الحياة، وهذا الكلام ليس بدعة من عندي، فالإسلام كما يقول الباحث الدكتور محمد محمود منصور، لم يحدِّد شكلاً مُعَيَّنًا تفصيليًّا للدولة؛ بل وضعَ قواعد عامة لكيفية إدارة الدولة ومؤسساتها، ثم ترك تفاصيلها لأهل الخبرة والتخصص والقوانين واللوائح، ولهذا فالدولة في الإسلام ليست دولة دينية – ثيوقراطية، يحكمها حاكم شرعيّ يعتبر نفسه نائبًا عن الله جلَّ وعلا، لا تجوز مراجعته أو معارضته؛ بل إن الرسول صلى الله عليه وسلم ذاته وهو مؤسس أول دولة في التاريخ الإسلامي لم يفعله، بل أكدّ ربه عكسه على لسانه بقوله تعالى: (قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ)، وزاده تأكيدًا أول خليفة أبو بكر الصديق رضي الله عنه في أول خطبة له معروفة مشهورة بعد اختياره من المسلمين: «لقد وُلّيت عليكم ولست بخيركم، فإن أحسنتُ فأعينوني، وإن أسأتُ فقوّموني..».. بل إن الحاكم أجير عند الشعب الذي يختاره، كما يُفهم ضمنًا من حديث الرسول صلى الله عليه وسلم المعروف: «كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته، فالإمام راعٍ ومسؤول عن رعيته)، فهو راعٍ وخادمٌ لهم، أجير عندهم، مسؤول منهم وعنهم.. فمن أين جاءت فكرة الدولة الدينية؟ وهي نموذج لفظته أوروبا بعد أن أمسكت الكنيسة بخناق المجتمع، وها بيننا من يريد أن يعيد عجلة التاريخ إلى الوراء فيحكمنا باسم الله! إنه كهنوت جديد، يلبس لباس الإسلام، ولنتذكر جيدا، أن الدولة في الإسلام، مدنية بكل معانيها، دائمة التطوّر والتجديد والتحديث، لكن بمرجعية دينية ربَّانيَّة، أي في إطار أخلاق الدين وشرعه سبحانه وتعالى! *نقلاً عن "الدستور" الأردنية

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل