المحتوى الرئيسى

فى ذكرى أب (من ذكريات قارئة طلبت حجب اسمها)

04/17 08:02

صباح العيد: رائحة الهواء المختلطة بدخان، طعم الندى المُقطّر من أزمنة البراءة، ودفقة الضياء المتوثب تزيح الظلام عن عرشه الليلى، وأصوات الديكة تؤذن للصباح الجديد. ومن بعيد، تتسرب إلى أذنها أصداء التكبيرات من الساحات البعيدة والمساجد القريبة، مُحمّلة بالبهجة وذكريات الأيام السعيدة، حينما كانت طفلة تدرج فى ملاعب الطفولة، تفرقع البمب وتذهب للملاهى وتزور الأقارب فى الأعياد. آه من يأخذ الدنيا كلها ويعيد لنا أيامنا القديمة!                                          ■ ■ ■ أول أيام عيد الفطر. كالعادة، ومثلما يحدث كل عام، تعود الفروع إلى أصولها، والطيور إلى أوكارها. تتجمع هى وأخواتها فى بيت العائلة، مصطحبة الأفراخ الجديدة. يلتقى الأطفال الجدد. ينطلقون فى غفلة الطفولة. يراكمون ذكرياتهم الخاصة بهم، ليستعيدوها فيما بعد بطعم الشجن. بمذاق دمعة غادرت العين وتأبى أن تنهمر. نفس الأشياء التى كدستها من قبل فى خزانة الذكريات: صباح العيد، رائحة الهواء البكر، طعم الندى، صياح الديكة، أصداء التكبيرات. كل شىء باستثناء شىء واحد. أين والدها العزيز؟ أين المتربع على عرش القلب بلا منازع، والمعنى العملاق لقيمة الضمير؟ ذهب! أحقا قد ذهب ولن يعود!                                          ■ ■ ■ مازالت تذكر ذلك اليوم من أيام العيد، حين تجمعت العائلة فلم يجدوه فى استقبالهم كالمعتاد! قال إنه متوعك قليلا، يشعر بألم فى البطن. عندما قامت بالكشف عليه- كونها طبيبة- استشعرت تحت يديها كتلة فى الكبد أثارت شكوكها، يومها أنشب الخوف مخالبه فى قلبها.  تمنت أن تأتى الفحوص خلاف ظنها، تمنت أن تكون طبيبة رديئة، لكن تبين أن الكبد مصاب بأورام خبيثة.  سقط قلبها فى هوة سحيقة ورسمت ابتسامة مشرقة على وجهها وهى تخبره أن كل شىء تمام!. لأول مرة تأتى ابتسامتها تشنجا فى عضلات الوجه لا انبساطا فى صميم الفؤاد.                                          ■ ■ ■ رغم ذكائه الشديد  صدقها، أو ربما تظاهر بهذا ولم يشأ أن يحزنها. كان عملاقا فى صبره مثلما كان عملاقا فى كل شىء آخر. قامة شامخة بين رجال القضاء، شديدا فى الحق، يخاف الله ويلزم حدوده، صابرا محتسبا بعد أن ابتلاه مولاه بفقد إحدى عينيه وضعف عينه الأخرى. راحت الحياة تنسحب منه وهو صابر وشاكر!. وعندما اشتدت عليه وطأة المرض كانت تسمعه يقول: «اللهم لك الحمد حتى ترضى». وكان آخر ما نطقه: «لا إله إلا الله. محمد رسول الله». ذهب! وبقيت نظارته وكتبه! وأوراقه وعدسة مكبرة كان يستعين بها على قراءة قضاياه! ذهب الذى كان يتفقدهم فى الليل أطفالا صغارا ليُحكم الغطاء. ذهب الذى كان يشير بإصبعه إلى السماء ويقول لها: «الله موجود».  ذهب الصوّام القوام الرحّال إلى المساجد لصلاة الفجر والناس نيام، ذهب وترك بيتا يعمره الحزن وتملؤه الآلام، ذهب دون أن تهمس فى أذنيه أنها تحبه وأنه أغلى من الحياة ذاتها، وأنها تشعر باليتم حتى لو كانت امرأة فى الأربعين. aymanguindy@yahoo.com  

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل