المحتوى الرئيسى

نريد محاكمة لا انتقاما‏!‏

04/17 03:01

حازم عبد الرحمن كلنا يتذكر جيدا حكاية السيدة انتقام في رواية قصة مدينتين التي تقص حكاية الثورة الفرنسية الكبري‏. كان الجميع يتصورون انها تغزل المفارش‏,‏ فإذا بها تسجل عليها أسماء كل الظالمين دون أن يدري أحد شيئا عما تفعله‏,‏ حتي إذا حانت اللحظة الحاسمة‏,‏ كانت الأسماء الخاصة بالمستبدين جاهزة ومعها الوقائع الخاصة بكل منهم‏.‏ المطلوب هو محاكمة الرئيس السابق وأفراد عائلته, وكل معاونيه عما فعلوه, ولكن ليس المطلوب أبدا هو الانتقام منهم, والفارق كبير جدا, بين المحاكمة والانتقام كالفارق بين العدل والظلم, ففي المحاكمة تتوافر للمتهم كل سبل الدفاع عن نفسه, وتتاح له الفرصة الزمنية الكافية لكي يعثر علي كل الأدلة التي قد تعينه علي إثبات براءته, ولكي يستعين بكل من يستطيع من الشهود. أما في الانتقام فإنه يكفي الإمساك بالشخص موضع الاشتباه لكي نفتك به ونهدر حياته, دون ان تتاح لنا فرصة التأكد من إدانته, وبدون أن نوفر له فرصة لكي يثبت براءته. نقول هذا, ونحن نعلم جيدا, أن روح الانتقام قد سيطرت في عهد الرئيس السابق في حالات غير محدودة, وبالتالي فليس هناك مانع في ظن البعض من أن يشرب من نفس الكأس التي أذاقها للكثيرين, ولكن هذا خطأ. فنحن نعيش في ظروف أول ثورة شعبية حقيقية يعرفها المصريون, ولدينا ووراءنا خبرات كل القدرات السابقة, وهي جميعا تقول لنا, اننا اذا بدأنا بالانتقام والاستبداد والظلم في حق من يقع في أيدينا, فلسوف ينتهي بنا الحال بأن نقع في أيدي من يستبد بنا ويظلمنا, فهل هذا هو مانريده؟ كذلك, ليس من الصواب أبدا أن ندق طبول الفرح ونزغرد لأننا أوقعنا بالرئيس السابق ومعاونيه وهاتك يارقص فهذا خطأ فادح, فأولا هناك قطاع لايستهان به من المصريين, من تلك الأغلبية الصامتة, تشعر بتعاطف انساني نبيل معه ومع أفراد أسرته. إذن يجب احترام مشاعرهم برفض أي معاملة للرئيس السابق وأسرته فيها احتقار أو تنكيل أو تجريس.. فهذا حق هؤلاء الناس. ثانيا: ان الرئيس السابق وأسرته كان حتي أيام قليلة ملء السمع والبصر, وكان الجميع يتسابقون لإرضائه ثم انه حافظ علي أرض مصر, كما هي ولم يتركها تحت الاحتلال, ورفع العلم علي طابا, ووفر مساحة من الحريات العامة غير مسبوقة, وتميز عهده بوجود ملحوظ للمعارضة في البرلمان وأن كان البرلمان الأخير خلا من كل معارضة وشهد تزويرا فاق كل التزوير الذي شهدته مصر منذ ثورة يوليو.1952 (2) المفروض أننا بالشروع في محاكمة مبارك وأسرته ومعاونيه فاننا بذلك نؤسس لسابقة في تاريخ مصر لم تحدث من قبل أبدا, فهو سيدخل التاريخ بوصفه أول حاكم يقدم للمحاكمة بناء علي ثورة شعبية وليس نتيجة لانقلاب عسكري, أو صراع قصر, أو تدخل أجنبي. فإذا كان الوضع كذلك فإننا يجب أن نكون عند مستوي هذه اللحظة التاريخية وبدلا من تضييع الوقت والجهد في إذلاله, وتحقيره, وإهانته, وإهدار الوقت فيما لايفيد ولاطائل منه, علينا أن نبذل قصاري الجهد لتجميع الأدلة اللازمة لكشف كل أعماله, ودوافعها, ومن هم ضحايا كل عمل, وماهي جريرتهم, وليت وقت القضاة يتسع لكي تحتضن أسر وعائلات وأصدقاء هؤلاء الضحايا ليفسروا لنا من هم, وماذا كانوا يريدون, وماهي الجرائم أو الأفعال التي اعتبرها النظام السابق جرائم استحقوا عليها ماحل بهم.. علينا أن نجعلها محاكمة تاريخية بجد.. وتذاع كل جلساتها علي الهواء علنا, حتي يعرف الناس كل شئ.. والأهم أن يعرفوا كيف يفكر الرؤساء, وكيف يتصرفون؟ ولسوف يتضح لهم أن الرؤساء جميعا مجرد بشر, قادرون علي الإتيان بالأعمال النبيلة والسامية وكذلك بكل ماهو منحط وخطير. علينا أن نجعلها الخطوة الأولي علي طريق مصر لمحاسبة القادة والرؤساء جميعا بلا تفرقة, فلا سلطة بلا مسئولية, ولامسئولية بلا محاسبة.. هل نستطيع؟ أليس هذا أهم كثيرا من الانتقام؟ (3) سلسلة الإجراءات الجبارة التي اتخذتها النيابة العامة, وجهاز الكسب غير المشروع خلال الأيام الماضية تفتح الباب علي مصراعيه أمام المطالبة بتعديلات دستورية جوهرية في باب السلطة القضائية, فيجب ان يكون اختيار النائب العام هو عمل المجلس الأعلي للهيئات القضائية وليس بقرار من رئيس الجمهورية, مادام الرجل في لحظة من الزمان, يستطيع أن يصدر قرارا بحبس هذا الرئيس وألا يكون قابلا للعزل, وأن يبين الدستور والقانون كيفية تغييره, وألا يخضع هذا النائب العام لأي سلطة أبدا إلا للقانون. ونفس الشئ ينطبق علي قضاة جهاز الكسب غير المشروع, فكيف يكون رئيس الجهاز مساعدا لوزير العدل في حين أنه في لحظة يستطيع أن يحاسب هذا الوزير علي ثروته ويقرر حبسه؟ ثم هناك جهاز هيئة قضايا الدولة, فهذا الجهاز وظيفته هي مقاومة الفساد داخل أروقة الدولة, فلماذا لايصبح سلطة قضائية قائمة بذاتها؟ ولايتم تعيينه من رئيس الجمهورية أو مجلس الوزراء بل من مجلس القضاء الأعلي, علي ألا يكون قابلا للعزل.. باختصار, ان السلطة القضائية واختصاصاتها وقواعد اختيار أعضائها يجب أن يعاد النظر فيها بقوة من وجهة نظر استقلالها في السلطة التنفيذية. وقد ظهر لنا أنها في لحظة تصبح هي أملنا في العدل والحق. *نقلا عن "الأهرام" المصرية

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل