المحتوى الرئيسى

الحوار والطريق الثالث للنهضة‏!‏

04/17 00:37

يعلمنا التاريخ القديم والمعاصر أن مصر وطن استثنائي‏,‏ في سباته وصحوته وفي هدوئه وثورته‏,‏ وكذلك في انفتاحه علي الحضارات الإنسانية التي شارك في فجرها‏,‏ دون أن يفقد تميزه وهويته‏.‏ وأظن أن ثورة يناير‏1102,‏  التي أطلق شرارتها الشباب, وأعطتها الملايين صك نجاحها وشعبيتها, وقرر الجيش دعمها وحمايتها, كفيلة بأن تفتح الباب واسعا أمام بناء مصرالجديدة, المدنية الديمقراطية, ودون تزيد أو عبارات إنشائية, أؤكد أن ذلك لايمكن أن يتم بأسلوب نمطي, لا يأخذ السياق الاستثنائي لوطننا في الاعتبار. إن الدراسات المستقبلية, التي شبت عن الطوق عند الكثير من الدول المتقدمة والنامية بثقة وثبات, والتي مازالت تحبو عندنا, توضح أن البشر لايواجهون في أي مرحلة من مراحل الانتقال مستقبلا واحدا, هنالك دائما مستقبلات بديلة, يكون من بينها الممكن والمحتمل والمفضل, وبفكرهم وفعلهم يتوقف نجاحهم أو فشلهم في من دعم سيناريوهات المستقبل المفضل الذي يصنعونه بأنفسهم, دون أن يقعدوا في انتظاره, أو ينظروا إلي الكرة البللورية لمعرفة ملامحه. وباجتهاد شخصي, مطروح للحوار, أعتقد أننا أمام طرق ثلاثة لبناء مستقبل مصرالجديدة: طريق المحاكاة, وطريق الاستنساخ, وطريق الاجتهاد والإبداع, دون أن ألقي شرف التحيز للطريق الأخير! يكفينا لرفض طريق المحاكاةSimulation أننا عانينا منه عقودا طويلة, امتلأت بوهم الإنجازات التي لايستشعرها الناس, والإحصائيات الكاذبة التي تنشر في مطبوعات فاخرة. معدلات نمو دون تنمية, ووعود صفيقة بأن ينعم الشعب كله بالثمار المتساقطة من غابات الفساد والإفساد/ أنشطة شكلية بلا مضمون أو عائد حقيقي, تشمل كل أمور الحياة, في التعليم والصحة والإسكان والانتخابات.. الخ, بعد ذلك كله, هل هنالك من يرضي الاستمرار في وهم المحاكاة؟! لا أظن. أما الطريق الثاني, طريق الاستنساخ, فلا ينقصه الاخلاص والصدق, ولكن يعيبه عدم أخذ السياق الخاص في الاعتبار بالقدر الكافي. إنه يقوم علي ذكر بعض التجارب الناجحة في الغرب أو الشرق, ويطالب باستنساخها, أو في أحسن الأحوال بتمصيرها, كما كنا نفعل في بعض الأفلام والمسرحيات القديمة, التي مازلنا نسعد بمشاهدتها. وهنا يجب ألا نخلط بين أمرين: ضرورة استيعاب الدروس المستفادة من تجارب النجاح المختلفة, لأن الحكمة ضالة المؤمن, واستحالة النقل الكمي لها بحذافيرها, من سياق معين إلي سياق مختلف. علينا أن ندرك الفارق بين إدراك توجهات التقدم, كالاهتمام بالتعليم والبحث العلمي والإعلام, ونقل تجارب التقدم. وعلينا أن ندرك أيضا اختلاف السياق, الذي يسمح في تجربة معينة بالتركيز علي عنصر معين كالتعليم مثلا, ولايسمح بذلك في سياق آخر, لما في ذلك من اختزالية لاتناسب هذا السياق. إن توجهات التقدم البشري متشابهة تشابه البشر أنفسهم, لكن منظومة التقدم تختلف من مجتمع لآخر, وفقا لظروفه السياسية والاقتصادية والثقافية.. إلخ, والتحديات التي تواجهة محليا وإقليميا وعالميا. ولايمكن أن نترك هذه النقطة دون أن نذكر رغبة البعض في استنساخ الماضي, بلحظاته المضيئة التي نعتز بها, ومرجعيته الدينية التي نحترمها, دون أن نعبر عن خشية الكثيرين من الخلط بين أوراق الدين والسياسة, بما يضر الاثنين معا, ولايفيد المستقبل. وأن السلف الصالح كان مستقبليا في زمانه, وافضل أسلوب للاقتداء به أن نكون مستقبليين مثله, لا أن نكون ماضويين, بالدعوة إلي الاستنساخ المستحيل لتجربته. لذلك, لا أعتقد أن طريق الاستنساخ هو الطريق الأمثل لنهضة مصر, وهذا يقودنا إلي الحديث عن الطريق الثالث. لاأشك لحظة في أن الطريق الملائم لمصر الجديدة, بثورتها التي اعترف الجميع بتميزها واستثنائيتها, هو طريق الإبداع والابتكار, هذان العنصران اللذان غيبا كثيرا في الفترة الماضية, يجب أن يحضرا بشدة في الحوار الوطني, الذي يحدد معالم هذا الطريق. هذه الملامح لايمكن أن يحددها فرد أو جماعة لكنها تتحدد بالشراكة في حوار ناجح, يسهم فيه المفكرون ونشطاء المجتمع المدني والشباب والمراكز البحثية ومختلف الجهات المعنية. وكواحد ممن يتمنون نجاحه, اسمحوا لي باقتراح بعض المحاور, التي أرجو أن يتطرق إليها: ـ لأن نقطة الانطلاق في بناء مصر الجديدة تتمثل, بلا مراء, في الحفاظ علي مكاسب ثورة يناير, وتلافي احتمالات الانفلات والاحتواء, سيكون من المهم أن ينشغل شركاء الحوار, من مفكري الثورة عموما, وجيل الوسط والشباب بالذات, في مناقشة كيفية الانتقال من عقلية الثورة بانفعالاتها المبررة, إلي الثورة العقلية التي يحتاجها المجتمع. لقد دعوتهم, ومازلت, إلي ممارسة النقد الذاتي, وتأصيل الحدث الكبير في فلسفة تليق به, نعم, نحن في حاجة إلي فلسفة الثورة الجديدة, التي تستقر في ضمائرنا ومستقبلنا, كما فعلت فلسفة الثورة السابقة في زمان غير هذا الزمان, بكل مالها وماعليها. ـ من المهم أيضا, ونحن نختار طريق الإبداع والابتكار لبناء المستقبل, أن نتحاور حول الرؤية الاستراتيجية لمصر, التي غابت طويلا, أفقدتنا الدور والضرورة في كثير من الملفات الحيوية, التي تتعلق بأمننا القومي, ولا أظن أن أي مشروع للنهضة يمكن أن تتضح ملامحه في غياب هذه الرؤية التي تعد فرض كفاية, نرجو أن يلزم المتخصصون أنفسهم بإنجازه, وطرح ملامحه للحوار. لأنها تقدم الصورة الذهنية لمصر التي نريدها, ونعمل علي تحقيقها. ـ وانطلاقا من السياق الخاص للوطن, الذي يرفض المحاكاة الكاذبة ولايتسق مع الاستنساخ الحرفي لتجارب أخري, سيكون من أهم محكات نجاح الحوار اقتراح أفضل السبل التي تؤدي إلي إحداث نقلة نوعية, تعالج الواقع المتردي في أحوال غالبية أبناء الوطن, شريطة أن يتم ذلك في فترة لاتتجاوز3 ـ5 سنوات!!! إن هذا المطلب, الذي يحتاج إلي أكبر قدر من الإبداع والابتكار في إدارة شئون الوطن, يستلزم العمل بفكر منظومي علي جبهة عريضة من القضايا والمشكلات, ووضع استراتيجيات وسياسات وخطط قطاعية, يدعم بعضها بعضا, لقد أغرقتنا المحاكاة الوهمية, في سياسات جزئية تقدم إنجازات ورقية فارغة المضمون. وبعد أن جاءت لحظة الحقيقة, علينا أن ندرك أن الطفرة التعليمية لن تحدث مع تردي الرعاية الصحية والفقر المدقع والاسكان غير الآدمي, علي سبيل المثال لا الحصر. وعلينا أن ندرك أيضا أن المناداة ببحث علمي متطور ومراكز تميز متقدمة, يجب أن تصاحبها المناداة بعلاج التخلف الثقافي والإعلام الغبي, والعمل علي نشر العقلانية والمنهج العلمي والتفكير الناقد, والاستنارة بشكل عام. إن العمل علي جبهة عريضة ليس سهلا, لكنه غير مستحيل, وفي هذا فليتحاور المتحاورون!!! المزيد من مقالات د.أحمد شوقى

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل