المحتوى الرئيسى

الصراع العربي الإسرائيلي

04/16 20:18

وحتى لا يطول البحث أكثر مما يحتاجه عرض الصراع السياسي بين الجانبين والصراع العسكري بطبيعة الحال فإننا سنبدأ العرض التاريخي له منذ بداية التاريخ العسكري بطبيعة الحال فإننا سنبدأ العرض التاريخي له منذ بداية التاريخ المسيحي في القرن الأول الميلادي عند ميلاد السيد المسيح عليه السلام ونمر في عجالة شديدة لا تخل بأسس الصراع على هذا الجانب التاريخي.فعند بداية القرن الأول الميلادي كان المجتمع اليهودي في فلسطين مستعمرة رومانية مثل مصر وباقي بلاد الشام وكان المجتمع اليهودي سليل الدولة التي اقامها الملك داود نبي الله حوالي 1000 سنة قبل الميلاد وحكمها ولده النبي سليمان من بعده. ثم مرت خلال فترات انحطاط وانقسامات طوال الألفية الأولى قبل الميلاد حتى وصل المجتمع اليهودي عند مطلع القرن الأول الميلادي إلى مستعمرة رومانية يحكمها ملك يهودي تحت السيادة الرومانية. وطوال القرن الأول الميلادي تعرض هذا المجتمع لقلاقل عديدة نتيجة حركات سياسية تهدف إلى تحرر اليهود من السيادة الرومانية. وكانت أهم وأشهر ثورات اليهود في هذا القرن هي ما عرف بثورة المكابين التي اندلعت سنة 66 ميلادية واستمرت واستمرت أربع سنوات قبل أن يسحقها الرومان وتنسحب فلول الثوار سنة 70 ميلادية إلى قلعة الماسادات الشهيرة التي تحصنوا بها ثلاث سنوات حتى سحقها الرومان بعد أن انتحر كل من فيها من اليهود تقريباً بدل الوقوع في أسر الرومان. ثم قامت ثورة ثانية 115 م استمرت سنتين قبل أن يسحقها الرومان وأخيراً قامت ثورة ثالثة وأخيرة 132م في عهد الأمبراطور الروماني هادريان استمرت حتى 135م عندما أمر الإمبراطور الجيش الروماني استئصال شأفة المجتمع اليهودي من فلسطين تماماً. فقام الرومان بقتل مئات الألوف من اليهود رجالاً ونساء وأطفالاً بهدف إبادة المجتمع اليهودي من فلسطين تماماً. فقاما آلاف من اليهود الذين استطاعوا الهرب من فلسطين بالهرب إلى القبائل المتبربرة التي كانت تسكن مناطق بحر قزوين وجنوب روسيا والتي كانت خارج حدود الإمبراطورية الرومانية للإحتماء بهم والعيش وسطهم.ومن المعروف أن اليهود يعتبرون الديانة اليهودية ديانة خاصة بهم كبني إسرائيل وليست ديانة العالم كله كالمسيحي والإسلام مثلها. ولذلك لم يكن اليهود يبشرون باليهودية وسط الأغيار في فلسطين. ولكن الآلاف الذين استطاعوا الهرب من الإبادة الرومانية والاجتماع بقبائل بحر قزوين او بحر الخزر خشوا أن تنقرض الديانة اليهودية نظراً لقلة عددهم وضعفهم العسكري، فبدؤوا يبشرون بالديانة اليهودية وسط هذه القبائل التي تحول الكثير جداً من أفرادها إلى الدين اليهودي حتى أصبحوا الأغلبية العددية الكبيرة كيهود العالم، واستطاع نسلهم إقامة مملكة يهودية في تلك المنطقة تسمى مملكة "خزرية" استمرت قرنين من الزمان بين القرن السابع والقرن التاسع الميلاديين، وكما ذكرنا أصبحت أغلبية يهود العالم من هذه القبائل الخزرية، ومن سخرية القدر أن السمة المميزة لهذه القبائل هي الآنف المعقوقة التي أصبحت علامة مميزة للإنسان اليهودي. رغم أن اليهود الأصليين من بني إسرائيل لا يختلفون في ملامحهم إطلاقاً عن جيرانهم في فلسطين. فكلهم ساميين لهم نفس الملامح.بعد سقوط مملكة "خزرية" في القرن التاسع تفرق اليهود في شتى الأنحاء في العالم مكونين تجمعات مغلقة عليهم تسمى الجيتو ويعيشون في عزل عن جيرانهم حيث كانوا ويمارسون شعائر ديانتهم اليهودية دون أي تبشر بها وسط جيرانهم.وظلت ذكرى التاريخ اليهودي في فلسطين ومملكة داود وهيكل سليمان وغيرها من التراث اليهودي مجرد أحلام رسومانية في مخيلتهم بالعودة يوماً ما لأرض الميعاد في فلسطين دون القيام بأي جهد او نشاط سياسي لمحاولة العودة إلى أرض الميعاد.وكان من عادة يهود هذا الزمن من سكان الجيتو أن يتركوا أحد حوائط منزلهم الداخلية دون طلاء كرمز على أن الإقامة في هذا المنزل مؤقتة حتى يعود اليهودي لمنزلها لدائم في أرض الميعاد. وكانت التحية التقليدية بين اليهود راس السنة العبرية هي: "السنة القادمة في القدس" كما يقول المسلمون: "السنة القادمة على عرفات". وظل الحال كذلك بين اليهود المتفرقين بين دول العالم معزولين في معظمهم داخل الجيتو قروناً عديدة حتى نهاية القرن الثامن عشر الميلادي دون قيام التجمعات اليهودية املتفرقة بأي عمل سياسي للعودة لأرض الميعاد.وعند نهاية القرن الثامن عشر 1798 وصل عبقري الاستعمار الحديث نابليون بونابرات على رأس الحملة الفرنسية التي احتلت مصر. وكانت انجلترا وفرنسا عندئذ أعتى قوتين استعماريتين في العالم وتتصارعان حتى الموت للسيطرة عليه. كانتا ألد عدوين لدودين. وكان مشروع نابليون من حملته على مصر إقامة مستعمرة بالمنطقة تسد طريق بريطانيا إلى الهند التي كانت عندئذ أغنى مستعمرات بريطانيا ودرة التاج البريطاني. وبعد إتمام احتلال مصر سار نابليون بجيشه لفتح الشام.وكما درسنا في كتب التاريخ فشل نابليون في حملة الشام نتيجة فشله في فتح عكا التي كان الأسطول البريطاني يساعد حاميتها على مقاومة نابليون. ولكن ما أهملته كتب التاريخ التي درسناها هو أن نابليون في طريقه لعكا وقف عند حائط المبكي بالقدس وأعلن: "هذه هي اللحظة التاريخية لليهود للعودة إلى أرض الميعاد. وتتعهد الإمبراطورية الفرنسية بمساعدة وحماية الدولة اليهودية التي دعى اليهود لإنشائها بفلسطين".وهكذا كان عبقري الاستعمار الحديث نابليون هو أول من فكر في إنشاء دولة يهودية في فلسطين، وشرح فيما بعد ان مثل هذه الدولة ستكون أخلص حلفاء فرنسا لأنها ستكون محاطة بأعداءهم العرب وستكون معتمدة تماماً على حماية فرنسا لها. وبذلك تضمن فرنسا ولاء هذه الدولة وتستعملها في سد طريق عدوته اللدودة بريطانيا للهند. ولكن فشل الحملة الفرنسية على مصر وانسحابها منها سنة 1801 أسقط مشروع الدولة اليهودية تماماً مؤقتاً على الأقل.ووصل محمد علي للحكم في مصر سنة 1805 وبوأ في إنشاء دولة عظمى إقليمية مركزها مصر تماماً كما يحاول ملالي إيران حالياً إنشاء دولة عظمى إقليمية مركزها طهران بصرف النظر عن الشعارات المدنية في دولة محمد علي والشعارات الدينية في دولة ملالي إيران. ولكن دول أوروبا الإستعمارية المتنافسة فيما بينها تحالفت مؤقتاً ضد محمد علي لسحق مشروعه. ودمرت أسطوله في معركة نوارين البحرية 1827 خلال حرب استقلال اليونان. ثم دمرت جيشه في سوريا 1839 وفرضت عليه معاهدة لندن 1840 التي أعادت مصر ولاية عثمانية تحت سيادة الخليفة في اسطمبول وفرضت حجماً لا يزيد عن ثمانية عشر ألف جندي على حجم الجيش المصري. بحيث لا يمكن لمصر إقامة قوة عظمى إقليمية.وعندما حفرت مصر قناة السويس وافتتحت الملاحة فيها 1869 أدركت إنجلترا حتمية السيطرة العسكرية على مصر واحتلالها لتأمين شريان مواصلاتها الحيوي للهند. وأخذت تتربص بمصر على النحو المعروف تاريخياً وتخرج من ثنايا مشروعات الاستعمار كل ما يحقق أهدافه في السيطرة على المنطقة ومنها إحياء مشروع إقامة دولة يهودية في فلسطين تكون في خدمة الاستعمار البريطاني هذه المرة. ولم يتبين أحد في دول المنطقة أو دولة الخلافة في اسطمبول لمشروع بريطانياً لإقامة دولة يهودية في فلسطين، وتم لإنجلترا احتلال مصر 1882 إثر فشل الثورة العرابية كما هو معروف. ولكن في العام السابق للإحتلال 1881 كان البارون اليهودي البريطاني غيرسيه والبارون روتشيلر قد تبرعا لمجموعة من يهود الشتات في العالم بأقوال أقيمت بها أول مستعمرة يهودية في فلسطين خارج مدينة يافا العربية تحت اسم "بتاح لكفا" أي "الأمل" باللغة العبرية. وبدأ النشاط المحموم وسط يهود الشتات في أوروبا لإحياء أمل إقامة دولة يهودية في فلسطين ولعبت المخابرات البريطانية دورها عملاً في إحياء روح وطنية بين تجمعات يهود الشتات للعودة إلى أرض الميعاد وإقامة دولة يهودية في فلسطين. ولكانت الحركة الصهيونية هي الذراع السياسي لهذا المشروع.ويتحتم أن نذكر هنا عملاً حاسماً قامت به بريطانيا لمساعدة قيام هذه الدولة اليهودية ففي سنة 1890 أمرت الملكة فكتوريا بتشكيل لجنة ملكية لدراسة أسباب إنهياء الإمبراطوريات القديمة. وتقديم مقترحاتها بشأن كيفية تجنيب الإمبراطورية البريطانية هذا المصير وقدمت اللجنة تقريرها للملكة سنة 1895 وجاء به أن ما يهدد الإمبراطورية البريطانية هو:1- قيام قوى أوروبية شابة مثل الوحدة الألمانية والوحدة الإيطالية في سبعينات القرن التاسع عشر. فقد قامت في الحالتين دولة قوية موحدة بعد أن كانت أراضيها مفتتة في إقطاعيات ودوقيات يحكمها عشرات الأمراء.2- إن أكثر ما تتعرض له أي امبراطورية من خطر هو قيام تجمع قبلى حولها يصل للمرحلة العليا للبربرية ويشكل تحالفاً بين القبائل المتماثلة عرقياً فهذه - التحالفات القبلية في مرحلتها العليا للبربرية تكون في قمة قوتها وخطرها العسكري على الإمبراطوريات المحيطة بها. وضرب التقرير مثلاً بقبائل الهون التي أسقطت إمبراطورية روما 476م والتجمع القبلي العربي حول النبي محمد (صلى الله عليه وسلم) والذي استطاع خلال قرن بعد وفاة الرسول (صلى الله عليه وسلم) إقامة إمبراطورية تمتلئ من الأندلس غرباً إلى حدود الصين شرقاً. وقبائل المغول تحت قيادة جنكيز خان التي اجتاحت كل الدول أمامها من أقصى شرق آسيا حتى أبواب فيينا خلال القرن الثالث عشر. وأضاف التقرير أن أكثر تجمع قبلي يمثل خطراً على الإمبراطورية البريطانية عندئذ هو الأربعين مليون عربي (عددهم عندئذ) المنتشرون في ولايات بين المحيط الأطلسي والخليج الفارسي فلديهم عمق جغرافي وموارد هائلة ووحدة دين ولغة تمكنهم من الإتحاد في دولة عظمى لو قام بينهم زعيم قوي مثل محمد علي – وأن أفضل الطرق لإجهاض خطرهم في المهد هو الفصل الثقافي بين عرب المشرق وعرب المغرب. وزرع جسم غريب وسطهم بجانب قناة السويس يمتص نشاطهم ويعرقل نموهم ويمتصمون نشاطه.وبعد أقل من عامين من تقديم هذا التقرير للملكة فكتوريا. والنشاط السري المحموم للمخابرات البريطانية وسط التجمعات اليهودية في أوروبا عقد في مدينة بازل السويسرية 1897 أول مؤتمر صهيوني في التاريخ ينادي بإقامة دولة يهودية في فلسطين بزعامة ثيودور هرتزل مؤسس الحركة الصهيونية العالمية. والعزل الثقافي بين عرب المشرق والمغرب تصالح العدوان اللدودان بريطانيا وفرنسا ووصلا إلى وفاق ودي سنة 1904 تطلق بموجبه يد فرنسا في دول المغرب مراكش والجزائر وتونس وتطلق يد بريطانيا في مصر والسودان والمشرق العربي عموماً عملت فرنسا المستحيل لطمس الهوية العربية في المغرب العربي واستبدالها بالثقافة الفرنسية وأقتربت جداً من النجاح حتى هبت حركة القومية العربية في وجهها في منتصف القرن العشرين وأعادت للمغرب هويته العربية.وفي الشرق التابع لبريطانيا فقد عملت على تشكيل مصر كمستعمرة بريطانية خالصة فرعونية الحضارة. بينما كانت دول الشام والجزيرة العربية تحت سيادة السلطان العثماني في اسطنبول. وعندما اندلعت الحرب العالمية الأولى سنة 1914 انضمت تركيا وألمانيا ضد بريطانيا. فانتهزت بريطانيا الفرصة كما هو معروف لإشعال ثورة عربية ضد تركيا بقيادة الشريف حسين حاكم مكة الذي وعدته بريطانيا بمساعدته في قيام دولة عربية موحدة تحت سلطته تضم كل عرب الشرق والجزيرة العربية. وفي نفس الوقت وعدت بريطانيا سراً الحركة الصهيونية بمساعدتها على إقامة دولة يهودية في فلسطين وصدر وعد بلفور في 2 نوفمبر 1917 من وزير خارجية بريطانيا إلى اللورد روتشيلد زعيم يهودم بريطانيا. وفي نفس الوقت أيضاً وعدت ريطانية فرنسا سراً بالتنازل لها عن سوريا ولبنان بعد الحرب. وعندما انتهت الحرب بانتصار بريطانيا وفرنسا في ونوفمبر 1918 أقام المنتصرون عصبة الأمم التي تحولت بعد الحرب العالمية الثانية إلى هيئة الأمم المتحدة. وكان الهدف من إنشائها أن تكون بمثابة برلمان عالمي يكون أداة في يد الدول الكبرى ليضفي الشرعية على ما تريده من قرارات. وحصلت بريطانيا من عصبة الأمم هذه على قرار انتداب لها الحكم فلسطين بهدف إقامة وأسمى بوطن قومي لليهود بها دون المساس بحقوق سكان فلسطين من غير اليهود!!! وعينت بريطانيا السير هربرت صمويل اليهودي الديانة كأول حاكم لها فلسطين. ووضع صمول كل أركان الدولة اليهودية في فلسطين خلال حكمه لها. وبطبيعة الحال قامت العديد من الثورات العربية في وجه الاستيطان اليهودي الزاحف على فلسطين كانت أشدها الثورة العربية الكبرى من 1936 إلى 1939 التي توقفت باندلاع الحرب العالمية الثانية 1935 ونتيجة الوعود البريطانية الكاذبة للعرب بتحقيق أمالهم بعد انتهاء الحرب وخلال سنوات الحرب بين 1939 و1945 قامت الصيهونية العالمية بنشاط محموم في العالم كله خصوصاً دول الغرب وعلى رأسها أمريكا التي بدأت تطل كالنجم الصاعد على الساحة العالمية. وكان من أهم ما فعلته الصهيونية لحشد التأييد العالمي لإقامة دولة يهودية في فلسطين بعد الحرب الدعاية الصارخة التي استغلت ما فعلته ألمانيا النازية باليهود خلال الحرب وسمى بالمحرقة التي إدعى اليهود كذباً أن ألمانيا أبادتفيها ستة ملايين يهودي. وكانت الخطوة اليهودية الحاسمة في سبيل إقامة الدول اليهودية بعد الحرب هي إنشاء ما عرف بالفيلق اليهودي الذي كان كتائب عسكرية من اليهود تكونت بحجة الاشتراك في الحرب مع الحلفاء ضد ألمانيا. وبعد أن انتهت الحرب سنة 1945م كان هذا الفيلق اليهودي هو نواة الجيش النظامي الذي حارب العرب لإنشاء دولة إسرائيل فيما بعد تحت اسم "جيش الدفاع اليهودي" أو "الهاجاناه" باللغة العبرية.بعد انتهاء الحرب سنة 1945 وقيام الأمم المتحدة عرضت المشكلة الفلسطينية اليهودية عليها. وتلاعبت القوى العظمى من بريطانيا وأمريكا والإتحاد السوفيتي وباقي دول الغرب عموماً بها حتى أصدرت الجمعية العمومية للأمم المتحدة في 29 نوفمبر سنة 1947 قرارها بتقسيم فلسطين إلى دولتين عربية ويهودية وبقاء مدينة القدس منفصلة ومفتوحة لكل الأطراف تحت إدارة دولية.ورفضت الدول العربية قرار التقسيم فإندلعت الحرب العربية اليهودية الأولى فور إعلان قيام دولة إسرائيل في 15 مايو 1948 عند انتداب الجيش البريطاني وإدارة الإنسحاب من فلسطين. وتدفقت الأسلحة والمتطوعون اليهود على فلسطين من مختلف الدول الأوروبية وغيرها. وانتهت هذه الحرب العربية اليهودية الأولى بهزيمة العرب وقيام دولة إسرائيل على مساحة من أرض فلسطين تفوق كثيراً المساحة التي خصصها قرار التقسيم للدولة اليهودية. ووقعت الضفة الغربية من نهر الأردن بفلسطين تحت إدارة الأردن بينما استطاعت مصر الاحتفاظ بقطاع غزة الواقع على حدودها الشرقية للعرب والبالغ مساحته 360 كم2.وخلال السنوات منذ قيام إسرائيل حتى تأميم مصر لقناة السويس سنة 1956 تعددت الغارات الإسرائيلية داخل الحدود المصرية وقتل العديد من الجنود والمدنيين المصريين بحجة إيقاف الأعمال الفدائية التي يقوم بها الفلسطينيون ضد إسرائيل. وعندما أممت مصر قناة السويس في 26 يوليو سنة 1956 قررت بريطانيا وفرنسا الهجوم على مصر وإسقاط حكم عبد الناصر.واستخدمتا إسرائيل في الهجوم البري الأول حسب تفاصيل المؤامرة الشهيرة. ووجدت أمريكا فرصة العمر في إخراج بريطانيا وفرنسا من المنطقة والحلول محلها. فوقفت في الأمم المتحدة ضد العدوان ووقف معها الإتحاد السوفيتي ووقف معها الإتحاد السوفيتي والكتلة الشيوعية كلها ومعظم دول العالم، كلاً لأسبابه الخاصة، وفعلاً أوقف الهجوم وانسحبت قوات لدولتين من مصر. واضطرت إسرائيل بدورها للانسحاب من سيناء ولكن بعد الحصول على تنازل مصري هام هو السماح بمرور السفن والبضائع الإسرائيلية في مضيق ميران من وإلى البحر الاحمر والذي كانت مصر قد أغلقته في وجه الملاحة الإسرائيية منذ نشأة إسرائيل باعتبارها في حالة حرب معها ووضعت قوات دولية على الحدود بين مصر وإسرائيل لمراقبة التزام الطرفين بوقف إطلاق النار.وعندما قامت الوحدة العربية الأولى بين سوريا ومصر في أول فبراير سنة 1958 أيدت أمريكا هذا لا حباً فيها وإنما لإنقاذ سوريا من قبضة السقوط في يد الشيوعية على يدي خالد بكداس زعيم الحزب الشيوعي السوري الذي كان على وشك الفوز في الانتخابات السورية.ووقع الانقلاب العسكري في العراق في يوليو من نفس العام. وكان قادته يميلون بوضوح للمعسكر الشيوعي بعكس عبد الناصر الذي كان يحاول الحياد بين المسعكرين الشيوعي والغربي. ووقعت الجفوة بين العراق ودولة الوحدة العربية مصر/سوريا وبذلك لم تنضم العراق للوحدة العربية كما كان مأمولاً. مما كان سبب راحة شديدة في إسرائيل. وفي سبتمبر 1961 وقع انقلاب عسكري في سوريا نتيجة حكم عبد الناصر الشمولي المخالف لطبيعة الأوضاع في سوريا وانفصلت سوريا عن مصر وفشلت تجربة أول وحدة عربية في العصر الحديث.وفي 4 سبتمبر من العام التالي 1962 وقع انقلاب عسكري في اليمن أطاح بحكم الآئمة البدائي. وقامت الحرب الأهلية في اليمن بين قوات الإمام تساعدها السعودية وقوات الإنقلاب تساعدها مصر. وأقدم عبد الناصر على خطوة غاية في الخطورة لم يحسب نتائجها بدقة. فقد أرسل قواته المسلحة من جيش وطيران وبحرية لليمن وأضعف نفسه في مواجهة محتومة مع الغرب وأمريكا بالذات حيث أن وجود جيش مصري معادي بجوار منابع البترول المقدسة في الخليج هو أمر يستحيل على الغرب قبوله أو السماح به. واستدرج الغرب عبد العناصر إلى مزيد من السقوط في مستنع اليمن. ووجدت إسرائيل فرصة العمر في هذا العداء بين عبد الناصر والغرب للتخلص من حكم عبد الناصر ومن كل القوى المعادية لها في المنطقة واكتساح مزيد من الأرض العربية تداخلت وقائع المؤامرة المحبوكة حول عبد الناصر. صرخ السوريون بأن إسرائيل تحشد قواتها على حدود سوريا لمهاجمتها. ولم يكن عبد الناصر زعيم العرب مستطيعاً أن يترك سوريا تسقط في يد إسرائيل ويتحمل هذه المهانة أمام كل العرب. فسارع بحشد جيشه في سيناء لتهديد إسرائيل بالهجوم عليها إن هي هاجمت سوريا. وفي لحظة رعونة سياسية كاملة لم تكن كاملة لم تكن ضرورية إطلاقاً طلب عبد الناصر من سكرتير عام الأمم المتحدة سحب القوات الدولية من حدود مصر وإسرائيل وأعلن إغلاق خليج العقبة فيو جه الملاحة الإسرائيلية وخنق ميناء إيلات الإسرائيلي الوحيد على البحر الأحمر. وبذلك أصبحت الحرب محتومة. وكانت إسرائيل مستعدة لها تماماً بعكس عبد الناصر الذي كانت اهم قواته المحاربة مازالت في اليمن.وبعد ثلاثة أسابيع فقط من إغلاق عبد الناصر لخليج العقبة في منتصف مايو 1967 اندلعت حرب الأيام الستة بين إسرائيل ودول المواجهة العربية يوم 5 يونيو. وخرجت إسرائيل من هذه الحرب بنصر جنوني فاق أكثر أحلامها شططاً. فقد دمرت جيوش مصر وسوريا والأردن وحطمت أسلحة طيرانها ومعظم الطائرات على الأرض احتلت كل سيناء وكل الضفة الغربية وقطاع غزة وهضبة الجولان السورية. واحتلت مساحة من الأرض تزيد عن ثلاثة أمثال مساحة إسرائيل التي دخلت بها الحرب وتجرع العرب مرارة هذه الهزيمة الساحقة التي قتلت عبد الناصر من الداخل قبل ان تقتله الأزمة القلبية في 28 سبتمبر 1970 وكان أكبر نصر تحصل عليه أمريكا وإسرائيل ضد عبد الناصر هو قبول عبد الناصر لمبادرة روجرز وزير الخارجية الأمريكي بالتفاوض لإنسحاب إسرائيل من سيناء. أي أن عبد الناصر طرح الحل العسكري للصراع جانباً وقبل الحل التفاوضي الذي لم يؤدي لنتيجة. رغم أنه ظل حتى يوم وافته يردد شعاره الشهير "ما أخذ بالقوة لا يسترد إلا بالقوة".وكانت حرب الأيام الستة هذه هي أقصى تمدد للعسكرية الإسرائيلية الذي كان الإنحسار بعده محتوماً كما سنرى فإسرائيل التي كانت أمريكا تضمن تفوقها العسكري على العرب مجتمعين وسلحتها حتى الثمالة أدى انتصارها إلى استيعاب ثلاثة أمثال العرب المعادين في الأرض التي احتلتها مقارنة بعدد عرب إسرائيل قبل هذه الحرب. وبدأت مشاكل الاحتلال في الظهور كما بدأ العامل الديمجرافي نتيجة الزيادة الهائلة في عدد العرب المحيطين بإسرائيل عن عدد اليهود يبدو واضحاً ويرعب إسرائيل من المستقبل رغم تفوقها العسكري على العرب مجتمعين.وجاء السادات لحكم مصر بعد عبد الناصر وأخذ يستعد للحرب لطرد الاحتلال الإسرائيلي وبتكتيك سري محكم ليس معهوداً في العرب فاجأ السادات إسرائيل مع صديقه السوري حافظ الأسد بالحرب التي عرفت بحرب يوم الغفران في 6 أكتوبر 1973.وأخذ الجيش الإسرائيلي على غرة. وأدى العرب أداءً ممتازاً في هذه الحرب مكنهم من نصر جزئي أوصل الحرب بعد ثلاثة أسابيع إلى نقطة التعادل تقريباً. فجيش مصر سيطر على الضفة الشرقية لقناة السويس التي كانت تحت الإحتلال الإسرائيلي. وجيش إسرائيل عبر قناة السويس إلى الضفة الغربية وأصبح على بعد مائة كيلو متر من القاهرة وحاصر الجيش المصري الثالث حول مدينة السويس وجنوبها. ووجدت أمريكا فرصة العمر لدخول الحلبة بصلح أمريكي يضمن انصياع كلا الدولتين للنفوذ الأمريكي. وكان يجاهر بأن 99% من أوراق اللعبة في يد أمريكا. وقام الثعلب الأمريكي العجوز كيسنجر وزير خارجية أمريكا بترتيب معاهدة صلح بين مصر وإسرائيل تنقذ ماء وجه السادات بسحب قوات الإحتلال الإسرائيلي من سيناء. وتضمن أمن إسرائيل تماماً بتحديد نوع وحجم السلاح المسموح لمصر بوضعه في سيناء ووضع قوات دولية بقيادة أمريكية داخل سيناء بصفة دائمة لضمان مراقبة تنفيذ المعاهدة التي عرفت بمعاهدة كامب ديفيد بين الجانبين في مطلع 1979 في عهد الرئيس الأمريكي كارتر وبعد خروج كيسنجر من الخارجية الأمريكية ودخلت مصر بهذا الصلح المنفرد منطقة النفوذ الأمريكي سياسياً واقتصادياً بل وعسكرياً.أما باقي العرب وضمنهم الفلسطينين فقد رفضوا هذا الصلح وقطعوا علاقاتهم بمصر لعدة سنين ونقلوا مقر الجامعة العربية من القاهرة إلى تونس. وبدأ الفلسطينيون عمليات المقاومة المسلحة من داخل الأرض المحتلة ومن أرض لبنان التي يسكنها عدد ضخم من اللاجئين الفلسطينيين. وكانت أكثر عمليات المقاومة إيلاماً لإسرائيل هي العمليات الاستشهادية التي فجر فيها الفضائيون الفلسطينيون أنفسهم وسط اليهود وقتلوا منهم عدد كبير رغم أن هذه العمليات لم يكن ممكناً أن تؤدي إلى حسم عسكري على الأرض. وطبعاً انتقم اليهود بكل وسائل الانتقام من قتل وهدم منازل ومصانع وتدمير الاقتصاد الفلسطيني بل واحتلال جزء كبير من أرض لبنان ومصانع وتدمير الاقتصاد الفلسطيني. بل واحتلال جزء كبير من أرض لبنان كان ضمنه في البداية العاصمة بيروت نفسها. ولكن كل هذا لقتل والتدمير الإسرائيلي لم ينهي المقاومة فلجأت إسرائيل للتفاوض مع الفلسطينين من الباب الخلفي كما سنرى.وفي 6 أكتوبر 1981 اغتيل السادات على يد متطرفين إسلاميين وسط جيشه وخلفه حسني مبارك. ومن اليوم الأول لحكم مبارك كان هدفه الوحيد إرضاء أمريكا وإسرائيل لضمان استمراره في الحكم المطلق تحت رعايتهما باعتباره الحليف الاستراتيجي الذي يضمن أمن إسرائيل. فتح مبارك باب التعاون العسكري مع أمريكا وتقديم التسهيلات العسكرية والبحرية لقواتها والدخول سنوياً في مناورات عسكرية معها. وفتح أبواب الاقتصاد المصري على مصراعيه لما عرف بسياسة الانفتاح التي أدت في الواقع على نهب الموارد المصرية تحت راية الاستثمار الأجنبي. وشجع الزعيم الفلسطيني عرفات على الاستمرار في مفاوضة إسرائيل التي انتهت 1994 بتوقيع إتفاقية أوسلو لإقامة حكم ذاتي فلسطيني فوق مساحات معينة من أرض فلسطين المحتلة دون ان يتطور أبداً إلى استقلال وطني رغم الدعايات المكذوبة التي ردها العرب بأن اتفاقية أوسلو تقود في النهاية إلى دولة فلسطينية مستقلة عاصمتها القدس الشرقية. ووصل التعاون بين مبارك وأمريكا إلى أقصى مدى عنما غزا صدام حسين الكويت في 2 أغسطس 1990 وضمها للعراق. فقد كان الجيش املصري الذي أرسله مبارك "لتحرير" الكويت تحت القيادة الأمريكية هو ثاني أكبر جيش عدد بعد الجيش الأمريكي.وعندما ولدت فكرة توريث الحكم من مبارك لابنه الأصغر في أواخر تسعينات القرن الماضي استسلم مبارك تماماً لمطالب السياسات الأمريكية الإسرائيلية وأصبح رجلهم وسلاحهم الاستراتيجي في المنطقة يحتضنه عملاء أمريكا من الفلسطنين ويحاصر أعداءها مثل حركة حماس في قطاع غزة حتى الموت. ويقطع علاقته بإيران أنها قردة على أمريكا ويصرح أن إيران أكثر خطراً على العرب من إسرائيل التي أصبحت حليفة الأمين اذي يبيع الغاز المصري بجزء بسيط من ثمنه العالمي وينسق مع مخابراتياً إلى أقصى المدى. بل ويعطيه الضوء الأخضر سراً لضرب أهل غزة براً وبحراً وجواً سنة 2008 كما أوضحت وثائق ويكيليكس الشهيرة كل ذلك من أجل تمكين ولده الأصغر من وراثه حكم مصر من بعده.ولكن مبارك يريد وإسرائيل تريد والله يفعل ما يريد. تندلع ثورة الشباب الأطهار في مصر يوم 25 يناير سنة 2011م فتطيح بمبارك من فوق عرشه ملوث يعوم على مستنع من الفساد والطغيان وحكم العصابات الإجرامية. ويتبخر تماماً حلم صغيره في حكم مصر. وتنقلب رأساً على عقب كل حسابات الأمريكيين والإسرائيليين وعملائهم المحليين كما ستوضح في نهاية هذا البحث.والآن نأتي إلى مراحل انحسار القوة الإسرائيلية الجبارة تدريجياً ونعرض ما نتوقع أن يكون مصير مشروع الاستيطان الإسرائيلي الذي يحمل في طياته جرثومة فنائه. ونكتفي هنا بالمراحل الرئيسية لهذا الإنحسار. فهذا البحث كما ذكرنا في مقدمته ليس تاريخاً مفصلاً للصراع العربي الإسرائيل بل مجرد إطار يوضح للقارئ مراحل هذا الصراع.1) عندما اندلعت الانتفاضة الفلسطينية الأولى سنة 1987 التي عرفت بانتفاضة الحجارة لم تكن إسرائيل تتوقع أن يكون الشعب الفلسطيني مازال قادراً على الثورة بهذا العنف. فلجأت إلى أقصي أنواع القمع من جهة والمفاوضة سراً مع ياسر عرفات من الجهة الأخرى. وبعد سنوات من المفاوضات السرية وصل الجانبات إلى إتفاقية أوسلو التي منحت الفلسطينيين حكماً ذاتياً لا يتطور أبداً إلى استقلال وطني 1993 ولكن عرفات وباقي الزعماء العرب عموماً زعموا أن الإتفاق مقدمة لقيام دولة فلسطينية فوق جزء من أرض فلسطين التاريخية تكون عاصمتها القدس الشرقية. وأنكر رابين رئيس وزراء إسرائيل عندئذ هذا الزعم تماماً. وأعلن أن عرفات يرفع تطلعات شعبه إلى درجة خطيرة تعرض السلام للخطر مستقبلاً. وتعثر تنفيذ الاتفاقية إذا لم تنسحب إسرائيل من المدن والمناطق المحدد بها في المواعيد المحددة. ثم اغتيال رابين على يد متطرف يميني يهودي. وخلفه شيمون بيريز الذي سقط في اول انتخابات أجراها. وخلفته حكومة نتنياهو اليمنيين المتطرفة التي عملت على إلغاء كل خطوات إتفاق أوسلو. فاشتعلت المقاومة الفلسطينية مجدداً. ثم سقطت حكومة نتنياهو وجاء باراك إلى الحكم واستأنف المفاوضات مع عرفات إلى أن وصلا قرب نهاية سنة 2000 إلى اتفاق كامب ديفيد الذي أشرف الرئيس الأمريكي كلينتون على ترتيبه قبيل نهاية مغادرته للحكم.وكاد الاتفاق أن يتم لولا تعثره في أخر لحظة على صخرة القدس. فقد أصرت إسرائيل على أن ينص الاتفاق على حق الفلسطينيين في إدارة المناطق العربية من القدس ومنها المسجد الأقصى ولكن مع التوقيع على أن المسجد الأقصى مقام فوق أرض إسرائيلة هي ما يسمونه جبل الهيكل . ولم يجرؤ عرفات على توقيع مثل هذا الإتفاق طبعاً. فرتبت إسرائيل زيارة استفزازية للمسجد الأقصى من زعيم اليمن الإسرائيلي المتطرف شارون في حراسة ثلاثة آلاف جندي إسرائيلي. وثار الفلسطينيون ثورة جامحة واندلعت على الفور الانتفاضة الأولى. ورغم العنف الشديد والقمع الوحشي الذي لجأت إليه إسرائيل تصاعدت الانتفاضة. فلجأت إسرائيل إلى حصار عرفات في مقر حكومته برام الله وضيقت عليه الخناق. ثم قتله جواسيسها بالسم سنة 2004 وحل محله محمود عباس الذي كان ينتقد تسليح الانتفاضة الثانية ويصرح علناً أن "عسكرة" الانتفاضة كما سماها أضرت الشعب الفلسطيني.2) ترتب على اندلاع الانتفاضة المسلحة سنة 2000 أنه لأول مرة في تاريخ إسرائيل منذ قيامها حدثت هجرة عكسية لليهود من إسرائيل إلى الخارج بدلاً من تدفق المهاجرين على إسرائيل من يهود العالم. ووصلت الهجرة العسكية إلى قرابة تسعمائة ألف يهودي من أغنى يهود إسرائيل وأكثرهم علماً لم يستطع هؤلاء المهاجرون أن يستمروا في العيشة في معسكر وسط مقاومة شعب يلفظهم. فعادوا إلى الدول التي هاجروا منها أو إلى دول أوروبا وأمريكا المتفرقة. ومكنتهم ثرواتهم ومستوى تعليمهم من هذه الهجرة العكسية من إسرائيل للخارج. وكانت هذه الهجرة أول نذير شؤم حقيقي لإسرائيل بالنسبة لمستقبل بقائها.3) في نفس سنة 2000 اضطرت إسرائيل إلى الانسحاب التام من كافة الأرض اللبنانية نتيجة مباشرة للمقاومة اللبنانية العنيفة التي واجهت إسرائيل منذ احتلالها لبنان 1982 على يد القوات الوطنية اللبنانية وعلى رأسها كتائب حزب الله التي كلفت إسرائيل نزيفاً هائلاً من الدماء اضطرها للانسحاب بعد ثمانية عشر عاماً من احتلالها لأراضي لبنانية.4) استمرت عمليات المقاومة اللبنانية لتحرير مزارع شبعا، كما استمرت عمليات المقاومة الفلسطينية داخل أرض فلسطين المحتلة. وفي سنة 2006 وعلى أثر قيام رجال حزب الله باختطاف بضعة جنود إسرائيلين شنت إسرائيل حرباً شاملة على لبنان بهدف تدمير بنيته التحتية وتدمير تنظيم حزب الله تماماً. وعلى مدى ثلاثة وثلاثين يوماً من القتال الضاري عجز الجيش الإسرائيلي بكل آلته العسكرية الجبارة التي سبق لها تدمير ثلاثة جيوش عربية في ستة أيام سنة 1967، عجز عن تدمير النتظيم العسكري لحزب الله الذي لم يكن رجاله يتجاوزون عشرين ألف مقاتل. ورغم الدمار الكبير الذي أصاب لبنان بقى التنظيم العسكري لحزب الله قوة عسكرية يسحب لها ألف حساب واضطرت إسرائيل إلى قبول قرار الأمم المتحدة بإيقاف القتال. ونص القرار على نزع سلاح حزب الله وهو نص لم ينفذ أبداً واستعاض حزب الله كل خسائره في الحرب وعاد أقوى كثيراً مما كان. كان هناك سلاح استراتيجي جدير لصالح العرب دخل حلبة الصراع العربي الإسرائيلي وهو سلاح الصواريخ. فخلال الثلاثة والثلاثين يوماً من الحرب أطلق حزب الله آلاف الصواريخ على مدن إسرائيل. وبقى سكان مدينة حيفا الإسرائيلية البالغ عددهم حوالي مليون يعيشون في مخابئ تحت الأرض طوال أيام الحرب.5) في نهاية سنة 2008 وبداية 2009 شنت إسرائيل حرباً مماثلة على قطاع غزة الفلسطيني بغية تدميره والقضاء التام على المقاومة الفلسطينية التي قادتها حركة حماس الحاكم لقطاع غزة والتي كانت تطلق مئات الصواريخ على مدن إسرائيل القريبة من قطاع غزة. ورغم تواطؤ حكومة مبارك في مصر واشتراكها في حصار أهل غزة. ورغم تواطؤ حكومة محمود عباس التي تدير الضفة الغربية مع إسرائيل سراً استمرت الحرب شهراً سقط فيه آلاف الضحايا من الفلسطينين بين قتيل وجريح. وتدمرت بنية قطاع غزة والآلاف من مبانيها. ورغم ذلك عجزت إسرائيل عن تدمير التنظيم العسكري لحماس أو القضاء على حكومتها التي مازالت تحكم غزة وتتمتع بشعبية وأسعد وسط أهلها.من كل ذلك نرى كيف وصل التمدد العسكري الإسرائيلي إلى أقصى مداه ولم يعد أمامه سوى الانحسار. وهذا هو الرعب الحقيقي الذي يجتاح إسرائيل رغم قوتها العسكرية الجبارة. فالعاقل الديمجرافي يصب في صالح العرب واستمرار احتلال الأرض الفلسطينين سيعني أن عدد سيكان إسرائيل والأرض التي تحتلها سيفوق فيه عدد السكان العرب عدد اليهود خلال عقد أو عقدين. وبذلك تتحول إسرائيل إما لدولة عنصرية مثل جنوب أفريقيا سابقاً تقمع فيها أقلية يهودمية شعباً عربياً تحتله وإما أن تنضم الأرض المحتلة إلى إسرائيل في دولة واحدة يتمتع كل مواطنيها بحق المواطن والتصويت الديمقراطي فيتحول اليهود إلى أقلية ويسقط الحلم الصهيوني تماماً.يحدث هذا في الوقت الذي تتراجع فيه قوة وهيبة أمريكا كدولة عظمى وقطب دولي أوحد يضمن أمن إسرائيل. وينتقل مركز القوة العالمي من الغرب إلى الشرق تدريجياً حيث يتوقع أن تصبح الصين أكبر دولة انتاجاً في العالم وتتفوق على أمريكا خلال عقدين من الزمان كما هو متوقع ورغم القوة الأمريكية العسكرية الهائلة فإن الحروب الأمريكية في العراق وأفغانستان التي لا يتوقع أن تنتصر فيها أمريكا تمثل نزيفاً بشرياً واقتصادياً هائلاً لأمريكا. في الوقت الذي تحتفظ فيه الصين بمواردها العسكرية دون نزيف من الخسائر وتنمي اقتصادها بما لا يمكن لأمريكا اللحاق به. وترى إسرائيل أن القطب الأمريكي الذي يحمي وجودها يزداد ضعفاً تدريجياً فتزداد إسرائيل رعباً من المستقبل.وعندما تندلع الثورات في مصر وغيرها من الدول العربية وترى إسرائيل أن الشعوب العربية بدأت تأخذ مصائرها في أيديها وتتتخلص من طغاتها الذين كانوا عملاء يشتركون في ضمان أمن إسرائيل تزداد إسرائيل رعباً من المستقبل. وقد عبر الرئيس الإسرائيلي بيريز عن هذا الرعب عندما قال أن إسرائيل لا يمكنها العيش دون الحماية الأمريكية لها "مع الأسف".فما هو الحل بالنسبة لمستقبل إسرائيل على مدى نصف قرن أو قرن من الآن؟ ليس أمام إسرائيل سوى حلين:إما ما يسمى "طيار شمشون" الذي نادى وينادي به مجانين اليمين المتطرف الإسرائيلي. ويعني أن تستعمل إسرائيل ترسانتها النووية في حرب أخيرة يائسة ضد جيرانها العرب. تفنيهم وتفنى معهم في عملية انتحار متبادل كما فعل شمشون عندما هدم المعبد فوق رأسه ورؤوس الجميع.وإما أن يقبل اليهود تدريجياً العيش في دولة ديمقراطية مزدوجة الجنسية من عرب ويهود. وتتفكك آلة القمع الصهيونية بكل أجهزتها تدريجياً بينما يتحول اليهود إلى أقلية مميزة وسط بحر عربي كما حدث مع الأقلية البيضاء في جنوب أفريقيا عندما انهار الحكم العنصري ووصل بطل أفريقيا الأسطوري نلسون مانديلا للسلطة، ويذكر هنا لمانديلا العظيم قولعه عندما سئل: ألا تريد الانتقام من البيض بعد سنوات سجنك الطويلة؟ فأجاب: أنا أكرهم ولكنجنوب أفريقيا محتاجة لهم ولخبراتهم. وقد اكتشفت أنني أحب جنوب أفريقيا أكثر مما أكره البيض. ولذلك لن أطردهم من بلادنا.أحمد عز العربرئيس لجنة الشئون الخارجية بالوفد 

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل