المحتوى الرئيسى

العمائم البيض في ميدان التحرير

04/16 16:55

بقلم: أ.د. حلمي محمد القاعود كان من المشاهد التي أسعدتني في مظاهرات الثورة بميدان التحرير، وجود العمائم البيض التي تمثِّل الأزهريين الذين حضروا بزيِّهم التقليدي بين المتظاهرين والمعتصمين؛ للمشاركة مع جموع الشعب المصري في المطالبة بإسقاط النظام الفاسد، وتخليص البلاد من حكم الطغيان والإجرام، فقد أعادوا سيرة الأزهر المعمور يوم كان يقود الثورة ضد الطغاة والغزاة، وظل كذلك حتى جرَّده الفراعنة المحدَثون من دوره، وحرموه من طبيعته، وحوَّلوه إلى مجرد أداة فارغة لا وجود لها، كل مهمتها إصدار الفتاوى التي تُرضي الفرعون، وتؤيد تنازلاته المشينة للعدو، وتفتح أبواب الأزهر الطاهر للغزاة الأنجاس، وتحلِّل الربا، وتناصر الغرب الصليبي في استئصاله للإسلام على أرض أوربا، شكلاً ومضمونًا.   العمائم البيض في ميدان التحرير كانت عودةً طيبةً لعقل الإسلام كي يقود الأمة الإسلامية مرةً أخرى، ويبعث نهضتها العلمية والفكرية والثقافية من جديد، ويعالج الأمراض التي لحقت بالفكر الإسلامي، والشوائب التي لحقت به، على أيدي المفْرطين والمفرِّطين.   ونزل كثيرٌ من رعايا الكنيسة إلى الميدان مع شركاء الوطن، ورأوا أن التحالف الأثيم بين النظام والكنيسة جريمةٌ كبرى لا يمكن قبولها، فهتفوا مع الهاتفين بسقوط النظام، وضحَّوا ببعض أفرادهم في مواجهة الرصاصِ الحيِّ، والغاز المسيل للدموع وسيارات الدهس الأمريكية، وأثبتوا أنهم جزءٌ لا يتجزَّأ من نسيج المجتمع المصري!.   عودة العمائم البيض لممارسة دورها التاريخي يبشِّر بعصر جديد للأزهر في حياة الأمة، تمسك فيه هذه المؤسسة العلمية بناصية العلم الشرعي، وعلوم اللغة وموقف النخوة الإسلامية مرةً أخرى؛ حيث تصير جزءًا من حياة المجتمع، ومرشدًا له نحو صحيح الدين، وموجِّهًا نحو المواقف السليمة في أمور الدنيا والآخرة، ثم إن المجتمع سوف يصغي لها ويستمع لأقوالها وإرشاداتها؛ لأنه يجد فيها حاضنًا للهويَّة، ودرعًا يحمي روح الأمة، ويدفع بها إلى الوثوب والانطلاق الذي حُرمت منه طويلاً.   وأعتقد أن ظهور العمائم البيض رافقته ظاهرةٌ طيبةٌ، وهي مشاركة الجماعات الإسلامية الأخرى، ربما لأول مرة، فقد شاركت في الثورة الجماعات السلفية والجهاد والجماعة الإسلامية، إلى جانب الإخوان المسلمين وغيرها من الجماعات والجمعيات؛ التي أضافت إلى وحدة المجتمع، وأظهرت روح الإسلام في التوحُّد من أجل هدف أكبر يفيد الأمة، ويحرِّرها من الطغاة الذين حاربوا الدين، وفتنوا الناس عن إسلامهم، وأقصوا كل من يجاهر بالشهادتين عن مرافق الحركة والنشاط في المجتمع، وأبعدوا كلَّ من ينتسب إلى التدين عن مؤسسات العمل والتوظيف، وعاثوا في الأرض فسادًا، لا يمنعهم مانعٌ، ولا يردعهم رادع.   كان حضور ألوان الطيف المختلفة للحركة الإسلامية في ثورة يناير بشيرًا بعصر جديد تنطلق فيه الحركة الإسلامية إلى العمل والدعوة، وفقًا لصحيح الدين، والتكامل فيما بين فصائل هذه الحركة في تحقيق أهداف الإسلام العليا؛ من ترقية للمجتمع، وتوحيد للأمة، وبثٍّ لروح الجهاد الأكبر من أجل خدمة الجمهور، وخاصةً الطبقات الفقيرة، والمشاركة الفعالة في قضايا الأمة، وفق منهج ذكي يركز على الأولويات، ويرجئ الهامشيات، والخلافات حولها، ويتبنَّى مشروعات يحسها الناس، ويستشعرونها ويتأثرون بها ويفيدون منها.   إن الخلافات التي تنشب بين هذه الجماعة أو تلك، ينبغي ألا تكون حائلاً دون اتفاق على الأسس الرئيسة، والقضايا المشتركة، والهموم العامة؛ لأن خصوم الإسلام لا يفرقون بين هذه الجماعة أو تلك، وليكن شعار الإمام محمد رشيد رضا: "نلتقي حول ما اتفقنا عليه، ويعذر بعضنا بعضًا فيما اختلفنا حوله" حاضرًا في أذهان كل الجماعات، فهذا هو الشعار الذي تبنَّاه الإمام الشهيد حسن البنا فيما بعد.   إن الحركة الإسلامية يجب أن تقدِّر الطبيعة البشرية في اختلافها وتنوعها، وإن هذا الاختلاف وذلك التنوع يمكن أن يكونا عنصر إضافة وليس عنصرًا خصم من الحركة الإسلامية، فلكل جماعة أن تتبنَّى الطرق والوسائل التي تناسبها وتتفق مع ظروفها، ولكن جميع الفصائل يجب ألا تنسى أن خصوم الإسلام لا يفرِّقون بين إخواني أو سلفي أو سني أو صوفي أو جهادي أو منتمٍ إلى الجماعة الإسلامية، فخصوم الإسلام هدفهم واضح، وهو تشويه الإسلام والمنتسبين إليه، إن لم يستطيعوا القضاء عليه، وهم خصوم مدرَّبون على الكذب والتدليس واصطياد التصرفات الصغيرة هنا وهناك؛ لجعلها عنوانًا على الإسلام والمسلمين، والانطلاق منها لتسديد ضرباتهم وتوجيه سهامهم.   وينقسم خصوم الإسلام إلى فريقين: الأول لا أمل فيه؛ لأنه مأجور ومدرَّب على الكيد للعقيدة الإسلامية وأهلها، وهذا الفريق ينتعش في ظل الاستبداد والطغيان والديكتاتورية، فيسعى للهيمنة على الإعلام والتعليم والثقافة والصحافة ليخاطب من خلالها جماهير الناس بما يدلس به ويضلل، ويستخدم المصطلحات المراوغة التي تحمل أكثر من دلالة؛ أملاً في لفت الأنظار عن القضايا المهمة، وتوريط المجتمع في حوارات ونقاشات غير مثمرة حول أمور سطحية لا تفيد المجتمع، ولا تخدم الناس، ولكنها تستنزف العقل الإسلامي وتهدر جهده فيما لا يفيد.   الفريق الآخر يتحرك عن جهل بأحكام الدين وتشريعاته، وهو ما ينبغي أن تبذل جميع الفصائل الإسلامية جهودًا كبيرةً، لتقديم مفاهيم الإسلام الصحيحة، وشرحها في أسلوب ملائم، يتناسب مع العصر وتطوراته وطرائقه، ومخاطبة الجاهلين بالإسلام بالرفق واللين، والشرح والتوضيح؛ لأن هؤلاء عندما يرون المفاهيم الصحيحة للإسلام، سيقتنعون ويشاركون المجتمع الإسلامي أفكاره وقيمه.   وأرى أن ذلك الأمر يفرض على الحركة الإسلامية أن تهتم بالمشروع التربوي التعليمي؛ بحيث يكون له الأولوية على كل ما عداه؛ بمعنى أن الخطاب الإسلامي يجب أن يركز في حركته اليومية العامة داخل المساجد والمؤسسات المختلفة، على الناحية التربوية التعليمية بالحكمة والموعظة الحسنة، ثم بلورة ذلك في إنشاء المدارس والجامعات الإسلامية على امتداد الوطن وفي كل بقعة ممكنة؛ حتى يمكن الارتقاء بالمستوى التعليمي من ناحية، وترسيخ قيم الإسلام، ومفاهيمه في نفوس الأجيال الجديدة من ناحية أخرى.   ثم إن المشاركة في العمل العام والنزول إلى الشارع من جانب بعض الفصائل الإسلامية؛ بات أمرًا ضروريًّا؛ حيث لم يعد مقبولاً اعتزال المجتمع، أو الانكفاء على الذات في حدود الجماعة، فالمسلم عنصر فاعل في الحياة ومجالاتها المختلفة، لا يعتزل الناس، ولا يخاصمهم، ولا يعاديهم، وهو في كل الأحوال داعيةٌ للدين بسلوكه وتصرفاته ونشاطاته التي تجعل الآخرين يلتفتون إليه ويقدِّرونه، وخدمته للناس هي عملٌ مأجورٌ عليه من الله (إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى اللّهِ..) (يونس: من الآية 72).   أيضًا فإن المجال الإعلامي والثقافي والصحفي مجال مهمٌّ لا يمكن تجاهله؛ لأنه وسيلة الاتصال الناعمة بين الحركة الإسلامية، وجموع الناس.   لقد حرم النظام البائد الحركة الإسلامية من هذه الوسيلة، فصادر صحفهم ومكتباتهم، ومنعهم الظهور في التلفزة، والمشاركة في الإذاعات والنشاطات الثقافية؛ ما أتاح للنظام البائد وخصوم الإسلام فرصة التشويه والتشهير؛ حتى باتت بعض المصطلحات الإجرامية لصيقةً بالإسلام والمسلمين، مثل: الإرهاب، والتطرف، والتشدد، والظلام والظلامية والإظلام، والأصولية والتخلف و.. وغيرها!.   حضور العمائم البيض إلى ساحة التحرير بشارة انطلاق إسلامية لتقديم الإسلام برحابته وغناه وسخائه، وأعتقد أن الأزهر الجديد سيكون بوتقةً تجمع الحركة الإسلامية على الاعتصام بحبل الله جميعًا، والارتقاء إلى هدف أكبر؛ هو خدمة الدين، ومعالجة بعض الأمراض البشرية التي تصنعها النزعات الأنانية أو النرجسية أو تضخم الذات أو الرغبة في كسب الشهرة وحب الظهور أو بعض المنافع الدنيوية الزائلة.   إن الدعوة إلى الله ارتقاءٌ نحو مرضاة الله، وخدمة الإسلام والمسلمين، وتأليف للقلوب من أجل مجتمع أفضل.

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل