المحتوى الرئيسى

تداعيات التدخل الغربي في ليبيا على مستقبل البلاد والمنطقة

04/16 11:31

كتب- عبد الباقي خليفة: إلى جانب العقود التي يمني الغرب نفسه بها في ليبيا، بعد إقصاء الصين وروسيا في أوروبا الشرقية، هناك قضية مهمة جدًّا وهي التاريخ؛ وذلك ما قصده الرئيس الفرنسي "نيكولا ساركوزي" عندما أشار إلى هذا البعد بعد أن دشنت بلاده الحملة الغربية على قوات القذافي فالذين تحوم طائراتهم في الأجواء الليبية وتمخر سفنهم الحربية عباب البحر الأبيض المتوسط يسجلون نقاطًا في التاريخ حتى يقول أحفادهم "عمر المختار": نحن أنقذناكم من القذافي.   وهؤلاء الغربيون ينظرون إلى المستقبل، وبالتأكيد لم يفعلوا ما فعلوه من أجل الليبيين ولا دفاعًا عن حقوق الإنسان ولا بحسن نية، فإن تدخلهم يأتي في إطار السعي لتغيير ما في المنطقة يمكن أن يخفف من تكاليف الإجراءات الأمنية في الغرب.   ويقال: إن القائد القرطاجني "حنبعل" كان يتمتع بحنكة استثنائية وذكاء خارق، واستطاع تحقيق انتصارات مذهلة، وكان من أسباب هزيمته في النهاية لجوؤه للمرتزقة فلم يكن لديه جيش وطني يحمل هم الوطن وتطلعاته وآلامه وآماله ومستعد للتضحية من أجل مجده وعليائه، بينما المرتزق يريد أن يعيش من أجل أن يتمتع بثمن ارتزاقه.. وهنا لا مجال للظروف كما يقول "برنارد شو" يلوم الناس ظروفهم على ما هم عليه، ولكني لا أؤمن بالظروف فالناجحون في هذه الدنيا أناس بحثوا عن الظروف التي يريدونها فإذا لم يجدوها وضعوها بأنفسهم.   ودون شك فإن تدخل قوات غربية في مسار الثورة الليبية فرضه القذافي من خلال استخدامه الأسلحة الثقيلة ضد شعبه وقتل المئات من خيرة شبابه، مستخدمًا في ذلك القوات المسلحة والمرتزقة الأفارقة العاملين مع شركات أمنية صهيونية، ولكن هذا التدخل في حال نجاحه في إسقاط القذافي سيكون دينًا ثقيلاً على الثوار، وعلى أجيال ليبيا الصاعدة.   ديون التاريخ لقد تعلمنا من رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان معنى الدين التاريخي عندما قدم إلى ساركوزي الذي يتزعم الحملة الدولية على قوات القذافي هدية تذكارية عندما زار إسطنبول منذ أسابيع كان الغرض منها إحراجه وتذكيره بفضل تركيا على بلاده فرنسا ولقنه بذلك درسًا في كيفية التعامل مع الأمم الكبيرة بعد أن رفض زيارة تركيا كرئيس لفرنسا، وإنما كرئيس لمجموعة الدول الثماني الكبرى.   إلى جانب رفض باريس انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوربي!   والهدية التي كانت رسالة من السلطان العثماني سليمان القانوني إلى ملك فرنسا "فرانسيس الأول" عام 1525م يلبي فيها استنجاده بدولة الخلافة لإنقاذ من الأسر الإسباني، وهو ما حدث بالفعل.. ترى كيف ستستقبل أجيالنا القادمة وهي في وضع العزة والتمكين هذه الأخبار التي ورثوها من أيامنا هذه؟   هل مهد الصهاينة لما يجري؟؟ كشفت حقيقة وجود المرتزقة الأفارقة في ليبيا عن العلاقة المريبة بين الكيان الصهيوني والعقيد معمر القذافي ففي 28 فبراير الماضي تم الكشف عن دور مؤسسة الاستشارات الأمنية الصهيونية "جلوبال سي إس تي" في الفظائع التي تشهدها ليبيا، وأنها وراء إرسال مجموعات من المرتزقة الأفارقة إلى ليبيا للقضاء على الثوار المطالبين بإسقاط نظام القذافي وأن الإستراتيجية الصهيونية ترى أن سقوط نظام القذافي سيمهد لقيام نظام إسلامي في ليبيا وأن رئيس الوزراء الصهيوني "بنيامين نتنياهو" ووزير الحرب "إيهود باراك" ووزير الخارجية أفيجدور ليبرمان اتخذوا قرارًا في اجتماع لهم بتاريخ 18 فبراير 2011م، بتجنيد مرتزقة أفارقة يحاربون إلى جانب القذافي لمنع إيجاد عمق إستراتيجي لمصر والسودان والأردن ولم تذكر تونس!   وذكرت بعض المصادر أن نحو 50 ألف مرتزق عملوا في ليبيا وبدؤوا الانسحاب مع طلائع الضربات الجوية الغربية بعد أن مهد وجود أولئك المرتزقة للتدخل الدولي في ليبيا حيث إن الاعتماد الكلي على الجيش ثبت فشله في تونس، ومصر إذا أنحاز الجيش إلى الشعب.   وبغض النظر عن حقيقة يهودية القذافي الذي أعلن أنه ليس ضد الكيان الصهيوني قائلاً: أنا لست ضد اليهود، ولا بني إسرائيل بل العكس فإن بني إسرائيل، أو بني يعقوب هم ساميون وأبناء عمومة العرب وكان حربًا على الملتزمين بالإسلام إخوان وسلفيين تمامًا مثل الصهاينة وأضرابهم.   لذلك نجد الكيان الصهيوني ليس مرتاحًا للثورات التي تجتاح المنطقة بما فيها الثورات التونسية والمصرية واليمنية والليبية، وغيرها ويفضل الأنظمة السابقة على أجواء الحرية التي أحدثتها الثورتان في تونس ومصر.   كما لا ينبغي النظر للتدخل الغربي في ليبيا على أنه لا يتجاوزها إلى غيرها فالتدخل العسكري هناك يحمل- فيما يحمل- رسائل للجارتين تونس ومصر بأن سقف الحرية والتغيير محدود ويمكن التدخل في البلدين إذا استدعى الأمر ذلك، ويعلم الغرب أن تدخله في المنطقة لن يجني منه سوى الخسران المبين، ولكنه يفعل ذلك من أجل وقف مسيرة التنمية ومنع أي نهضة صناعية تقود إلى الاستغناء عن الغرب وبناء قوة ذاتية تغير وجه المنطقة إلى الأبد.   والواقع أن طبيعة الوضع في ليبيا مختلفة تمامًا عن تونس ومصر حيث وقف الجيش إلى جانب الشعب بينما حصل انقسام في ليبيا داخل المؤسسة العسكرية وظلت الكتلة الصماء إلى جانب القذافي مما أدى إلى سقوط عدد كبير من الضحايا في صفوف المدنيين، وإصرار القذافي على البقاء، مستشهدًا بما حدث في مجلس الدوما الروسي، وربيع بكين ومدرسة أوسيتيا وغيرها كما لو كان يتوعد وقد توعد بالفعل بالدخول إلى المدن وتفتيشها بيتًا بيتًا، ودارًا دارًا وزنقة زنقة!   ومع تصريحات عدد من الدول الغربية بوقوفها إلى جانب الثوار خشية أن يفاجئوا كما فوجئوا في تونس ومصر وإدراكها بأن انتصار القذافي سيهدد مصالحها ويفسخ عقودها البالغة مليارات الدولارات حيث أكد أن الشركات التي ستعمل في ليبيا مستقبلاً هي الهندية والصينية والروسية بادروا بالسعي للحفاظ على تلك المصالح من خلال التدخل العسكري، وكذلك خشية أن تتحول ليبيا إلى معقل جيد لتنظيم "القاعدة"، أو صوملة ليبيا مما يضيع مصالح كثيرة.   وقد قالها المندوب الأمريكي في الأمم المتحدة سابقًا ريتشارد هولبروك مبررًا التدخل في البوسنة لو لم نتدخل في البوسنة عام 1995م لكانت تفجيرات الحادي عشر من سبتمبر 2001م، قد انطلقت من سراييفو كما كان التدخل الغربي سريعًا في كوسوفا حتى لا تتحول إلى ميدان جذب للمجاهدين كما حدث في البوسنة.   زمام المبادرة ولذلك سارع الغرب بالتدخل في ليبيا وقد شجعه القذافي على ذلك من خلال تكرار الحديث عن خطر القاعدة وعن الهجرة غير الشرعية فأخذ الغرب بزمام الأمور مستغلاً قرار مجلس الأمن، وتحت لافتة الحفاظ على أمن المدنيين بينما كانت الحقيقة هي منع تحول ليبيا إلى إحدى الساحات التي تعمل فيها القاعدة بعد نزع قرار التدخل الجوي والبحري وتسجيل موقف تاريخي له فوائد مادية على المدى القصير من خلال الهيمنة على عقود النفط المستقبلية.   وكان لتأخر الأمم المتحدة في اتخاذ قرار التدخل والتباطؤ في الاعتراف بمجلس الثورة الليبي دور في تأزم الأوضاع التي كانت غاية في حد ذاتها لفرض سيناريوهات معينة على الثوار.. ومن ذلك: التدخل في اختيار أسلوب الحكم القادم في ليبيا وفرض شخصيات بعينها وتوسيد الأمور لأشخاصٍ موثوق في ولائهم، والحيلولة دون وصول وطنيين أحرار إلى الحكم، أو على الأقل عدم هيمنتهم على السلطة سواء بالأغلبية أو القيادة بصفة منفردة.

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل