المحتوى الرئيسى

الثورات العربية والفلتر الامريكي !بقلم:جمال محمد تقي

04/16 23:19

الثورات العربية والفلتر الامريكي ! جمال محمد تقي ساحات التحرير والتغيير العربية تنحت مسارها دون استاذان من احد ، وهي بطبيعتها ترفض كل اشكال الوصاية او الابتزاز امريكيا كان او اوروبيا او اسرائيليا ، وما يهمنا هنا الجهد الامريكي المبذول بهذا الاتجاه ، فبرغم كل المساعي الامريكية الحثيثة لضبط ايقاع الثورات المتفجرة ، ومحاولات ترويضها لاستثمار قوة دفعها باتجاه انتاج مؤسسات راسخة الارتباط بها كبديل عن الحالة السائدة قبل اوباما ، حيث كان مصير الارتباط مجسدا بالحكم المطلق للفرد ذي العلامة الفارقة بالاستبداد والفساد ، والذي يؤدي وظائف فريدة لامريكا لكنها غير مستقرة ولا تتمتع بالذكاء ، الا ان تلك الثورات تكتسب يوميا افق جديد يجعلها تقفز على التوقعات النمطية . البعض اعتبر هذه الثورات محاولة لتمزيق الغطاء الامريكي الذي وفر مناخا مناسبا لتوالد وتجدد انظمة الفساد والقمع المستشري في عالمنا العربي والتي تصلب عودها عقودا طويلة حتى تيبس وصار من السهل بل من الواجب كسره واستخدامه كوقود لعملية التحديث المطلوبة ، فلولا امريكا ودعمها لحكام تلك الانظمة لكان الامر مختلفا ، اي لم يكن بحاجة اصلا لكل هذه العقود وكل هذه الدماء حتى تخترق الثورات العربية حواجز الخوف لتفرض على الحكام بأمرهم قرارات الخلع او الاستقالة والهروب . امريكا ذاتها تدرك بان الشعوب العربية تمقتها لسببين رئيسيين اولهما دعمها اللامحدود للانظمة القمعية وثانيهما تبنيها لأمن اسرائيل على حساب أمن كل العرب ، والتفنن بخدمة وجودها على حساب الوجود العربي الذي بات مهددا بالتشرذم والانكفاء نتيجة لشدة استنزافه من قبل مثلث الاستبداد الداخلي والخارجي المسلط على شعوبنا العربية والمجسد بانظمة الاستبداد والفساد والتبعية في عالمنا العربي ، وفي الاستبداد الاسرائيلي ، والاستبداد الامريكي المعولم . اقتربت امريكا من معنى الاجابة القاطعة على سؤالها الاثير، لماذا يكرهوننا ؟ فخطاب اوباما التصالحي في القاهرة محاولة بهذا الاتجاه لفتح خط تحاوري مع الرأي العام في الشارع العربي ونخبه ، بالتساوق مع دعوات خجولة للانظمة العربية باتجاه اصلاح ذاتها ، لان الذي حصل في العراق وقبله افغانستان وغزة لم يمنح الخطاب الامريكي النمطي اي مصداقية عربيا ، حتى من باب رفع العتب عنها امام الانظمة العربية المرتبطة بها . لقد انفقت امريكا ملايين الدولارات لتحسين صورتها بين المسلمين عامة والعرب خاصة ، ومازالت تسعى لتغيير الانعكاس النمطي عنها ، ولا احد ينكر حقيقة ان الامريكان كانوا يطالبون الانظمة العربية باصلاح حالها لتكون مؤهلة للعب دور مستقر وايجابي يضمن انسياب اجندتها والحفاظ على كامل مصالحها الحيوية في المنطقة ، والمجسدة بالنفط ، والاذعان لنفوذها الاقليمي عسكريا واقتصاديا ، والتطبيع مع اسرائيل بتسوية تحدد ملامحها الرعاية الامريكية المنفردة . امريكا تريد انظمة طيعة وذكية لا تسقط بمخاطر الانقلابات الحادة وذلك من خلال بناء مؤسسات حاكمة يكون الزعيم او الرئيس او الملك جزءا منها وليس العكس ، وبذلك فهي لم تخرج على السياق عندما نصحت بعض اصدقائها بالرحيل السلس وارساء قواعد التداول السلمي للسلطة بحيث لا تتمحور على شخص الزعيم او الملك او الرئيس ، ويحدث بغيابه القسري او الطبيعي فراغ مكرر يعيد الصراع على السلطة الى نقطة البداية . تلك المساعي اصطدمت بردود الافعال الشعبية والرسمية من مسائل متجددة تعيد الاعتبار لذات الصورة النمطية ، كالموقف الامريكي المنافق من الاستيطان الاسرائيلي في الاراضي الفلسطينية المحتلة ، واستمرار حصار غزة والعدوان الدائم عليها ، اضافة الى جرائم الحرب في افغانستان والعراق ، وايضا بروز العامل الايراني الذي اخذ بعدا اقليميا ودوليا مناهضا لامريكا في المنطقة بحيث تطلب من امريكا تحشيد اتباعها العرب ليكونوا عونا لها في محاصرة ايران وتقليم اظفارها ، الى جانب قضية اختراقات تنظيم القاعدة لدول عربية حليفة لامريكا ، كل تلك المجريات خففت من ضغوط امريكا على الانظمة العربية السائرة بفلكها من اجل تنفيذ اصلاحات مؤسسية ، وهذا ما اراح تلك الانظمة من الضغوط ، وبدوره اكد صحة المواقف الشعبية التي تعتبر الدعاوي الامريكية لنشر الديمقراطية واحترام حقوق الانسان غير منسجمة مع حقيقة الدور الامريكي الشاخص ، والذي لا يحترم تطلعات شعوب المنطقة ، فحقوق الانسان لا تتجزأ وكذا الممارسة الديمقراطية . ان عنصر المباغتة في الثورات العربية ليس مطلق الابعاد ، فمنذ سقوط الاتحاد السوفياتي وانهيار المعسكر الاشتراكي والجميع يشعر بان الامر لم يعد كما كان ، الانظمة العربية من جانبها استشعرت شيئا من الخوف ، خاصة تلك الانظمة التي كانت تعتبر امريكا العدو الاول للعرب ، حيث راحت تعيد حساباتها وتتحسب من اي انزعاج امريكي منها ، اما بعد احداث 11 سبتمبر فقد ازداد الخوف عند الجميع ، لكن الجميع لم يتغير من تلقاء نفسه وبقيت الانظمة ذاتها وبنفس الاساليب ، وظلت الحالة على حالها . ان المتغير الرئيسي هو التحول النوعي في تراكم صور الانحدار الشامل والرفض الحاصل لها في العقل الباطن للاجيال العربية الجديدة ، فلا امل في اصلاح سياسي حقيقي ولا امل في حصول مواجهة فعالة للغطرسة الاسرائيلية ، ولا امل في انتعاش اقتصادي لان الفساد صار سنة من سنن الانظمة القائمة ، ولا امل في تكامل عربي حقيقي يصب بمصلحة الشعوب العربية ، فالدول العربية الغنية تستهلك فوائضها الريعية بالاستثمارات النقدية في البنوك الامريكية وهي تستعين بالايدي العاملة الاسيوية بدلا من العربية لرخصها وانعدام مخاطر تسييسها ، وهي راضية بمخاطر تشويهها للبنى الثقافية في تلك البلدان ، كل هذه العوامل تؤكد فشل الانظمة القائمة في تنمية مجتمعاتها ، ونجاحها الباهر في تعويق اي مسعى تغييري ، لقد انفجر البركان المكظوم وكسر حاجز الخوف ، فخافت الانظمة ومعها امريكا وعندما عجزت الانظمة عن الصمود راحت امريكا تستخدم ثقلها للتاثير بمسار تلك الثورات المشتعلة حتى لا تنفلت ولا يستطيع احدا السيطرة عليها ، والذي شاهدناه من تناقضات في المواقف الامريكية من ثورة تونس وحاليا من ثورة اليمن دليل على ان الثورات العربية ذات منبع تلقائي وذاتي مباغت للامريكان والانظمة السائرة بفلكهم ، ومع ذلك فان لامريكا اخطبوطها واذرعها ووسائلها التي لن تيأس من محاولة فلترة تلك الثورات وترويضها او الدفع باتجاه اخماد بعضها كما حصل في حالة البحرين ، وتضخيم بعضها الاخر كما في حالة الاحتجاجات الشعبية في سوريا .

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل