المحتوى الرئيسى

الانقلاب

04/15 08:17

فى أعقاب ثورة يناير أعلن الشعب عن عودته القوية لمملكة النكتة السياسية، فقدم لنا سلسلة «الراجل اللى واقف ورا عمر سليمان»، وبدا واضحا أن الشعب اهتم بخلفية الصورة وليس بمقدمتها، حتى إن عمر سليمان نفسه اختفى من الصورة دون أن يسأل عنه أحد، لا بأس.. فهذا ما ورد فى الكتب الأجنبية التى حدثتنا عن سمات ما يسمونه «ما بعد الحداثة»، ومنها أن الشعوب أصبحت تتجنب القضايا الكبرى، والأبطال الكبار، والعناوين الكبيرة، فهذا زمان التشظى و«الفتفتة»، زمن انتصار الهوامش على المتن، والقاعة على المنصة، والشارع على القصر، زمن اكتساح النميمة والثرثرة السرديات الكبرى والسياق المتماسك، زمن تضاؤل الجدية أمام القفشات السريعة والتهكم الحر على كل شىء حتى الأشياء التى كنا نعتبرها قبل سنوات من «المقدسات»، ومن لا يصدق فعليه أن يراجع كمية النكات المتعلقة بالأديان ذاتها. ومن القفشات الخفيفة التى لفتت نظرى «ما بعد الثورة»، وكلمة «ما بعد الثورة» هنا، ليست مجرد إشارة عابرة للزمن، لكنها علامة تاريخية تتعلق بتغير واضح فى طريقة التفكير والاستقبال نفسها، بمعنى أن هذه القفشات لم تكن موجودة أبدا فى زمن «ما قبل الثورة»، وحتى إذا افترضنا أنها وُجدت، فلم يكن أحد سيفهمها أو يحس بها، وهذا هو «الانقلاب التاريخى» الذى أتحدث عنه، والذى يشكل مدخلا لفهم مسألة «ما قبل»، و«ما بعد»، وهذا المفهوم الفلسفى «المكلكع» صاغه الشباب بخفة دم تحت عنوان «تعرف يعنى إيه كوكا زيرو؟» وهى عبارة مستوحاة من إعلان تجارى، وليس من كتاب سماوى، أو قصيدة شعرية، أو نص لشكسبير، أو حتى مثل شعبى، ومن القفشات التى أقصدها، التى تجيب عن سؤال: يعنى إيه كوكا زيرو؟.. «يعنى تبقى واقف فى اللجنة الشعبية بتحشش ولما يعدى البوكس تفتشه وتدفّع الظابط 100 جنيه لأنه مش رابط الحزام/ يعنى الإخوان يقعدوا مع الحكومة فى حوار وطنى وأمن الدولة يبقى جماعة محظورة..» يعنى حاجات كثيرة انقلبت من النقيض إلى النقيض حتى بدت لنا مضحكة ومصدرا للبسمة التى غابت عن وجوهنا طويلا، لكن هل فكر نفس هؤلاء الشباب فى الحاجات التى انقلبت من النقيض إلى النقيض أيضا، لكنها للأسف تبدو لنا مصدرا للقلق والتوتر والخوف؟ أطرح السؤال ولن أقدم إجابة، لأننى لست مؤهلا لذلك، فأنا أعترف فى كتاباتى منذ سنوات بأننى مثلى مثل النخبة العقيمة التى أنتمى إليها لا نمتلك أى إجابات صحيحة على أسئلة الواقع، وإذا توهم بعضنا أنه يمتلك إجابات، فهى إجابات منتهية الصلاحية تلائم مصلحته هو، فى حين قد تسمم الشارع إذا تعاطاها، مثل كثير من السلع الغذائية الفاسدة التى استوردها أباطرة النخبة الاقتصادية من توفيق عبدالحى وحتى الآن، أنا لدىّ اعتقاد راسخ بأن الإجابات دائما فى الشارع، لذلك عندما حدث ما حدث فى «جمعة التطهير» سألت من أعرفهم من المعتصمين، وقالوا لى بصراحة شديدة ما لديهم من معلومات أكدت لى تحليلة «الانقلاب» التى وصفتها لكم الآن، ولكنه هذه المرة من النوع الذى يدعو للخوف وليس للضحك، لذلك أيها الأحباء أنتظر منكم أن تبدأوا التفكير بجدية أكثر فى طريقة تستفيد بها بلدنا من الانقلابات المذهلة التى حدثت فيها، وأحكى لكم هذه الطرفة من أجواء سبتمبر 1980 عندما اعتقلت سلطة السادات كل قوى المعارضة وبينها الشيخ السكندرى أحمد المحلاوى، وأثناء التحقيق معه سأله المحقق: ما قولك فى التهمة الموجهة إليك بالعمل على «قلب نظام الحكم»؟ فرد الشيخ المحلاوى متعجبا: أناااا؟.. ده أنا قصدى أعدله، وبناء عليه يجب أن نفرق بين رغبتنا فى «انقلاب المقلوب» حتى نعدله، وأن نحترس من «انقلاب المعدول» حتى لا نتسبب فى تعطيل عجلة الإنتاج. نكتة الختام: بعد أن كرر مبارك موال «حاربت عشانكم»، قال واحد انقلابى خفيف الدم: «يا ريته كان ضربنا إحنا الضربة الجوية، وراح حكم إسرائيل 30 سنة.. كان خربها وأولاده خلصوا على فلوسها!». tamahi@hotmail.com  

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل