المحتوى الرئيسى

هرمنا قبل ان يتحقق الحلم ..بقلم: تميم منصور

04/15 00:23

لكل ثورة من الثورات طابعها وقالبها وادبياتها وشعاراتها ، من داخل نبض الثورة واحشائها تولد لغة جديدة تكون على مقاسها ، الثورة واحداثها تدون ذاتها وتفرض نفسها على التاريخ . من افرازات الثورة التونسية ما قاله الرجل الأشيب ودموع الفرح تقطر من عينيه ، لقد وضع يده على رأسه واخذ يخاطب نفسه وشعبه وشعوب العالم قاطبة ، قال وهو يتحسس شعره الأبيض ( هرمنا ، هرمنا ونحن ننتظر هذا اليوم) ، يقصد به اليوم الذي تحرر به الشعب التونسي من كابوس الطاغية زين العابدين بن علي ، لقد اتضح فيما بعد ان هذا التونسي يمتلك مقهى استعمله شباب الثورة قاعدة ميدانية لأجتماعاتهم وقراراتهم وانطلاقهم في مظاهرات الأحتجاج ، لقد حول التونسيون خلال ثورتهم تراثهم ومخزونهم الوطني الى واقع ملموس ، امتشقوا هذا التراث من اعماق التاريخ ومن شعر المقاومة ومحاربة الاستبداد الذي تغنى به الشاعر التونسي ابو القاسم الشابي ، لقد حول الثوار شعره الى سلاح سلمي حضاري وحولوه الى قسم ونشيد ، رددوه في شوارع المدن التونسية ، هذا ما فعله الثوار من العمال والفلاحين آبان الثورة الفرنسية عندما انشدوا (اناشيد المارسيليز) وهو النشيد الوطني الفرنسي المعروف الذي افرزته الثورة عندما قامت سنة 1789 ، جاء كي ينذر حلفاء النظام القديم وقد كتبه احد القادة العسكريين في ساحة القتال ، واسموه في البداية اغنية ( حرب الجيش ) انتشر بعد ذلك في كل انحاء فرنسا واصبح بعد ذلك نشيدها القومي سنة 1792 . لم تكن ثورة الياسمين في تونس قبلة يوجه اليها التواقون للحرية جباههم فقط، بل اضاءت هذه الثورة لغة الضاد بمصابيح جديدة من المفرادات والشعارات ، كما ايقظت وربطت الشعراء التونسيين بمواكب هذه الثورة . لم يتأخر وهج الثورة التونسية من الوصول الى مصر ، ففاضت قرائح ونفوس ومشاعر شباب وادي النيل بابداعات جديدة دونوا من خلالها عهداً جديداً وملحمة جديدة من الثروة الأدبية والفكرية رافقت ثورتهم ، من افئدة شباب الثورة واجسامهم الغضة نبتت اناشيد ما رسيليز جديدة في كافة المدن المصرية ، حتى اليوم فأن حصاد منتوج الثورة الأدبي والقومي والوطني لم يتوقف ، وكلما تكشفت عيوب النظام زادت خصوبة ارض الثورة ، حيث امتلات السنابل بالأشعار والغناء والنكات والروايات والسينما والمسرح ، لقد نبت في ارض الثورة شعراً شعبياً خاصاً نذكر من اقطاب هذا الشعر الشاعر ( عمر قطامش ) احد المرابطين في ميدان التحرير ، لقد نال شعره اعجاب الملايين من ابناء الشعوب العربية واعتبروه شعراً مجدداً واستمراراً للشعر الشعبي الذي افرزته الثورة الناصرية . للمرة الثانية يحقق الشعبان في كل من مصر وتونس احلامهما ، ولكن بقي شعب واحد من بين شعوب العالم لم يحقق احلامه بالحرية والاستقلال ، انه الشعب الفلسطيني ، لقد قضى جيلاً كاملاً من ابناء هذا الشعب قبل ان يرى يوم الخلاص ، اليوم فأن الجيل الثاني والثالث منذ النكبة يقتربان من نهاية مشوار الحياة دون ان يفرحا بشروق شمس الحرية ، الأستقلال بالنسبة للفلسطيني الواقع تحت طائلة الأحتلال وفي الشتات لم يعد حلماً لأنه منع من هذا الحلم ، الأستقلال لم يعد خياره الذي ينتظره لأن حقوقه التاريخية قد تقزمت وتجسد الصراع بقضايا جانبية ، مثل وقف وتيرة الاستيطان والتهدئة وتخفيف عدد الحواجز في الضفة الغربية وتأشيرات دخول العمال والبحث عن إبرة المصالحة داخل أكوام قش الصراعات بين الفصائل الفلسطينية المتحاربة . هرم جيل النكبة وهو ينتظر ، هرم وهو يرى كل يوم الشعب الفلسطيني وهو يشيع شهدائه ، هرم هذا الجيل وهو يعاني من بطش الأحتلال وظلم ذوي القربي الذين تآمروا ولا زالوا يتآمرون عليه، هناك تعاون وثيق بين اجهزة الأمن الأسرائيلية وبين اجهزة الأمن في أكثر من قطر عربي واحد ، آخر هذا التعاون خطف المهندس الفلسطيني . هرم هذا الجيل دون أن يرى سجون الأحتلال خالية من الأسرى الفلسطينين ، هرم قبل ان يتحرر من قيود الحصار والتجويع والمطاردة والأغتيالات وسرقة مياهه وهدم بيوته ومصادرة اراضيه وتدنيس اماكنه المقدسة ، هرم وهو يتسول ، يدق أبواب الدول ، من دول تسمى المانحة ودول تتدعى العروبة والأسلام لكنها تضرب من تحت الحزام . جميع الشعوب سكنت اوطانها وذاقت طعم التحرر باستثناء الشعب الفلسطيني الذي مازال الوطن يسكن فيه ، لذلك لا نبالغ اذا قلنا بأن مياه لغته الثورية على وشك الجفاف ، وبأن بدائل الحلول سقطت من بين يديه ، لم يبق أمامه سوى ورقة الأمم المتحدة بعد ان تنكرت الأدارة الأمريكية الحالية لحقوق ، ماذا ستعمل هذه المنظمة الدولية المعروفة بأنها ملجأ للعاجزين ؟؟ ماذا بمقدورها أن تعمل بعد ان حولتها الولايات المتحدة الى شركة امريكية مساهمة ؟ لقد نجحت اسرائيل من نزع القداسة عن قضية فلسطين فأصبحت مجرد اجراءات وجداول زمنية لا يلتزم بها سوى الحلقة الأضعف وهم الفلسطينيون ، لقد خلق الأحتلال الطويل اجيالاً اسرائيلية ولدت في اسرائيل ولا تعرف لها وطناً سواها ، في نفس الوقت خلق الأحتلال اجيالاً من الفلسطينين الغرباء عن وطنهم فلسطين ، ولدت هذه الأجيال في المنفى ولا تعرف عن وطنها الا قصته واخباره وصوره البعيدة ، هذه الأجيال تعرف كل زقاق من أزقة المنافي البعيدة وتجهل بلادها . الدخول في مرحلة -الهرم الفلسطيني خاصة - اصبحت كأنها جزء من الأنتظار القاسي المكتوب على هذا الشعب .

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل