المحتوى الرئيسى

هذا هو الإسلام لسماحة الشيخ تيسير التميمي

04/15 21:15

هذا هو الإسلام صندوق النفقة من أهم إنجازات القضاء الشرعي الفلسطيني الشيخ الدكتور تيسير التميمي قاضي قضاة فلسطين رئيس المجلس الأعلى للقضاء الشرعي سابقاً www.tayseer-altamimi.com info@tayseer-altamimi.com الحلقة الثانية : الموارد المالية للصندوق ونفقاته ذكرتُ في الحلقة الماضية بأنني رفعتُ مشروع صندوق النفقة إلى الرئيس الشهيد ياسر عرفات رحمه الله ، وتضمن المشروع رؤيتي لرسالة الصندوق ، فقد اقترحتُ بأن يتولى صرف جميع الحقوق المالية التي ترتبت للمرأة على عقد الزواج في الحالات التي يصدر بها حكم قضائي من المحكمة الشرعية ؛ كالمهر وتوابعه والتعويض عن الطلاق التعسفي بالإضافة إلى أحكام النفقة التي تصدر لصالح مستحقيها من الزوجات والأولاد والوالدين والأقارب ، لكن المشرّع الفلسطيني ـ المجلس التشريعي ـ حصر التزام الصندوق بصرف النفقات المحكوم بها فقط ، ولكن لا زال الأمل يحدوني بالارتقاء بوظيفة الصندوق حتى يتعهد بتغطية هذه الحقوق . وعلى الرغم من ذلك فمن المتوقع أن يترتب على هذا الالتزام عبء مالي ضخم يستدعي توفر ميزانية ضخمة تتناسب معه بل تزيد عنه ، وقد حدد قانون الصندوق الموارد المالية له في المادة (10) بأنها : [ رسم بقيمة خمسة دنانير أردنية أو ما يعادلها على كل عقد زواج أو حجة طلاق ، ورسم بقيمة دينار أردني أو ما يعادله على كل مصادقة زوجية تقدم للمحاكم المختصة ، والأموال التي يحصلها الصندوق من المحكوم عليهم ، إضافة إلى المنح والهبات والمساعدات والمبالغ المخصصة للصندوق من الموازنة السنوية للسلطة الوطنية الفلسطينية ] . ومنذ تأسيس الصندوق التزمت المحاكم الشرعية بتوريد ملايي الشواكل هي الرسوم المنصوص عليها إلى حساب الصندوق ، وعملت فروع الصندوق الثلاثة على تحصيل مئات ألوف الشواكل هي المبالغ التي صرفت للمستفيدين والغرامات المالية المترتبة عليها من الأشخاص المحكوم عليهم بالطرق القانونية . ولكن مما يؤسف له أنه لم يرد إلى الصندوق أية هبة أو مساعدة أو تبرع من أحد طوال خمس سنوات ، ولم تخصص له فيها أي مبالغ من الموازنة السنوية للسلطة الوطنية الفلسطينية . وهذا يعني أن ميزانية الصندوق لن تكفي أبداً لمواجهة طلبات تنفيذ النفقة والتي تتزايد يوماً بعد يوم ، فلا بد ـ والحالة هذه ـ من اتباع سياسة ترشيد نفقات الصندوق التشغيلية وتقليصها بما لا يؤثر على أدائه رسالته الإنسانية والقانونية تجاه المستفيدين . وهذا ما كان فعلاً ، فقد افتتح صندوق النفقة مقره الرئيس وفروعه الثلاثة الأخرى في العام 2006 ، وهذا يعني أن الصندوق يفتقر في حينها إلى عدد من المقرات ، وإلى عدد كافٍ من الموظفين ، وإلى النفقات التشغيلية اللازمة لتتمكن طواقمه من تقديم الخدمات المنشودة للمواطنين وصولاً إلى تحقيق الهدف من إنشائه . وقد حرصتُ طوال خمس سنوات مضت على افتتاح الصندوق على أن يكون مقره الرئيسي في مقر ديوان قاضي القضاة في القدس ، وأن يكون مقر كلٍّ من الفروع الثلاثة الأخرى في مباني المحاكم الشرعية لتحقيق عدة أهداف : 1- فعلى الرغم من أن الصندوق يتبع مجلس الوزراء عموماً ؛ إلاَّ أن رئيس مجلس إدارته هو قاضي القضاة ، ونائب الرئيس هو نائب قاضي القضاة ، مما يضمن التواصل الدائم بين رئيس مجلس الإدارة ونائبه مع إدارة الصندوق ، ويسهل الإشراف الكامل والحقيقي على سير العمل فيه ، هذا علاوة على سهولة عقد الاجتماعات الدورية لمجلس إدارته واتخاذ القرارات الضرورية ومتابعة الطلبات المقدمة إليه متابعة حية . 2- وجود فرع الصندوق أو مندوبه في المحكمة الشرعية يسهم بفاعلية واضحة في تعريف المراجعين والمحكوم لهم بالصندوق وآلية العمل فيه وأهدافه ، ويعمل على نشر فكرته وتعميم رسالته مما يشجعهم على التوجه إليه للاستفادة من خدماته ، وهذا من أنشط وسائل الإعلام التي تساعد المواطنين في تحصيل جزء من حقوقهم وسد احتياجاتهم وحفظ كرامتهم وإنسانيتهم . 3- هذه الخطوة ساعدت بوضوح في التوفير المالي بحفظ مبالغ كبيرة من ميزانية الصندوق أن تهدر بالإنفاق على المقرات الأربعة من إيجارات وفواتير ماء وكهرباء وأثاث ونفقات تشغيلية أخرى ، يضاف إلى ذلك أنني انتدبتً بعض موظفي المحاكم الشرعية للعمل في الصندوق ، وهذا يعني أن رواتبهم لم تكن تمثل عبئاً على ميزانيته ، حيث إن موارد الصندوق أقل بكثير من نفقاته ؛ مما يعني أن الوضع لو ظل على هذا الحال فستعاني ميزانية الصندوق من العجز وبالتالي سينعكس ذلك سلباً على رسالته وأهدافه . لكل ذلك كان العزم معقوداً عندي على المبادرة باقتراح تعديل قانوني بالنص على موارد مالية جديدة يصدر بقرار من سيادة الرئيس محمود عباس ؛ لمساعدة الصندوق في تغطية نفقاته والتزاماته المتزايدة ، وكانت رؤيتي في هذا المجال تنبثق من فكرة اعتبار الصندوق بمثابة بيت المال ، حيث كانت هذه المؤسسة المالية الضخمة في تاريخ الدولة الإسلامية ذات موارد عديدة جداً لكنها كانت تغطي النفقات المتنوعة والمسؤوليات الكبيرة التي يتحملها وزيادة . ومن هذه الموارد على سبيل المثال لا الحصر : 1- تركة من لا وارث له ، فقد قررت الشريعة الإسلامية أن من يتوفاه الله وليس له من يرثه فإن تركته تودع في بيت المال ، والمستند الشرعي لذلك هو قوله صلى الله عليه وسلم { من ترك مالا فلورثته وأنا وارث من لا وارث له أعقل له وأرثه } رواه أبو داود ؛ فالحديث يبين دور الرسول صلى الله عليه وسلم كحاكم مسؤول وليس كنبي مرسل . 2- الأموال الضائعة التي ليس لها مالك أو لم يعثر على مالكها ، فيحسن بالملتقط أن يودعها بيت المال لتنفق في مصالح الأمة بعد التعريف عليها حسب التوجيهات النبوية ، فقد قال أبيّ بن كعب رضي الله عنه { وجدت صرة على عهد النبي صلى الله عليه وسلم فيها مائة دينار فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فقال : عرّفها حولاً . فعرَّفتها حولاً ، ثم أتيتُ فقال : عرّفها حولاً . فعرَّفتها حولا ثم أتيته فقال : عرّفها حولاً . فعرفتها حولاً ثم أتيته الرابعة فقال : اعرف عدتها ووكاءها ووعاءها فإن جاء صاحبها وإلاّ فاستمتع بها } رواه البخاري 3- الفيء ، وهي الأموال التي يحوزها المسلمون من أعدائهم من غير قتال وحروب إما بالصلح وإما بهرب الأعداء وترك أموالهم قبل القتال ، وهذه الأموال توضع كلها في بيت المال لتنفق على مصالح الأمة ومواطنيها ، ومستندها الشرعي قوله تعالى { مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ } الحشر 7 . 4- خمس الغنائم : والغنائم هي التي يحوزها المسلمون من عدوهم بعد القتال ، فيودع الخمس في بيت المال لينفق على المصالح العامة للأمة وسد احتياجات مواطنيها ، ومستندها الشرعي قوله تعالى { وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ } الأنفال 41 . 5- خمس الركاز ، والركاز هو ما يستخرج من باطن الأرض من معادن ودفائن إن كانت مستخرجة من أرض لها مالك ، أما لو كانت أميرية أي ملكاً للدولة فالمستخرج كله لبيت المال . ومثلها الكنوز غير الإسلامية فخمسها لبيت المال والباقي لمن وجدها إن كانت في أرض مملوكة ، وإلا فكلها لبيت المال . 6- العشور : وهي الضرائب التي تفرض على الأموال التجارية التي تدخل الدولة أو تخرج منها ، وفي معناها اليوم الجمارك التي تفرض على الاستيراد والتصدير ونقل الأموال عبر المصارف والمؤسسات المالية ، وكذلك الاستثمارات سواء داخل الوطن وخارجه ، والمستند الشرعي لها هو إجماع الصحابة عليها في عهد الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه وذلك من باب المعاملة بالمثل ، فقد كانت الدول الخرى تأخذ هذه الضريبة من التجار المسلمين ، فكتب عمر إلى أبي موسى الأشعري والي اليمن [ خذ أنت منهم كما يأخذون من تجار المسلمين ، وخذ من أهل الذمة نصف العشر } وذلك لأن أهل الذمة هم من مواطني الدولة أصلاً . 7- الضرائب : وهي ما يفرض على المواطنين من أموال معينة ؛ وفي معناها الرسوم التي يتم تقاضيها مقابل تلقي بعض الخدمات من الدوائر الحكومية أو مقابل الحصول على المعاملات واستخراج بعض الوثائق ، ويرى علماء الأمة أن الدولة إذا احتاجت المال في ظروف طارئة محددة ، أو إذا كانت موارد بيت المال المتوفرة لا تكفي نفقات الدولة فيجوز لها فرض الضرائب العادلة على الناس لتنفق في مصالح الأمة ، وللحاكم تقدير قيمتها بما يحقق المصلحة ولكن دون تضييق على الناس أو تحميلهم فوق طاقتهم . ويمكن الاستفادة من هذا المورد بفرض رسوم محددة لصالح صندوق النفقة بحيث توردها المؤسسات المعنية لحساب الصندوق مباشرة مثل : حسم شيكل واحد فقط في بداية كل سنة من رواتب الموظفين لصالح الصندوق ، رسوم على تصديقات وثائق يتم تحديدها في كل وزارة أو مؤسسة رسمية ، رسوم على معاملات التخارج إن كانت لصالح الذكور ، أو على حجج حصر الإرث إذا تجاوزت المناسخات فيها عدداً معيناً . ويمكن أيضاً تحديد نسبة معينة من أرباح بعض الشركات والمؤسسات المالية الضخمة كشركة الاتصالات الخليوية وغير الخليوية أو المصارف الكبرى لإيداعها مباشرة في حساب الصندوق . ولعل تركة من لا وارث له من الموارد المناسبة أن يتم إيداعها في حساب صندوق النفقة ، فهي تمثل مورداً متوفراً حالياً ويمكن ان يكون له عائدات ذات قيمة لا بأس بها ، وسيكون لها دور في دعم ميزانيته . ومن المناسب مثلاً إطلاق حملات جمع التبرعات والهبات والوصايا بين المواطنين أو فئات محددة ممن يقبل أفرادها على العمل الخيري ، وقد يكون من المفيد نشر رقم حساب الصندوق في أماكن معروفة ومشاهدة لعامة الناس بهدف تشجيهم على التبرع له ، وقبل هذا وذاك من الممكن التنسيق مع ذوي الصلاحيات في السلطة الوطنية الفلسطينية لتخصيص جزء من الموازنة السنوية للصندوق . يعتبر الصندوق الآن مؤسسة مالية خدماتية فقط ، ولكن يمكن تحقيق التنمية المالية لميزانيته ، ويكون ذلك باستثمارها في مجالات اقتصادية مجدية ذات أرباح مجزية بعد دراسة جدواها ، فعوائد الاستثمار هذه ستكون بمثابة مورد مالي قانوني جديد .

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل