المحتوى الرئيسى

في ثقافتنا.. ذئاب بقلم:أ.د. ناصر أحمد سنه

04/14 23:45

في ثقافتنا.. ذئاب. أ. د. ناصر أحمد سنه/ مصر. في ثقافتنا، شأن الثقافات الأخرى، للحيوان والطير خصوصية ومعانٍ ومدلولاتِ ثرية، و"توظيف رمزي" لافت للانتباه. بعض هذه الأمور يرتبط بالإرث الثقافي، الشفاهي والكتابي، وبالخيال الجُمعي، وبالأسطورة. لكن بين الحيوانات عموماً، والسباع واللواحم خصوصاً.. تركت الذئاب أثرها العميق في ثقافتنا العربية. رُصد لها أسماء، ونُسجت لها مواقف وحكايات، ومنها اشتقت أفعال وصفات. كما أن من طباعها استعيرت رذائل وفضائل ألصقت بالبشر، ومن مسلكها استـُلهمت صوراً من المدح والقدح، والفخر والهجاء، وبها ضربت الأمثال الشعبية. الذئب الأشهر في ثقافتنا ذلك المُتهم بأكل النبي "يوسف" عليه السلام، حيث حاول إخوته إلصاق/ تبرير تهمة تغييبه بافتراسه له:"قَالَ إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَنْ تَذْهَبُوا بِهِ وَأَخَافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ وَأَنْتُمْ عَنْهُ غَافِلُونَ، قَالُوا لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّا إِذًا لَخَاسِرُونَ، فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ وَأَجْمَعُوا أَنْ يَجْعَلُوهُ فِي غَيَابَةِ الْجُبِّ وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هَذَا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ، وَجَاءُوا أَبَاهُمْ عِشَاءً يَبْكُونَ، قَالُوا يَا أَبَانَا إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِنْدَ مَتَاعِنَا فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ" (يوسف: 13-17). في هذه المواضع الثلاثة، دون سائر آيات القرآن الكريم، تكرر ذكر "الذئب الأشهر". فلكونه، منذ القدم، متهمّاً بالغدر والعدوان وشدّة البأس والبراعة في الفتك. والأمر كذلك، وإلا لما خافه "يعقوب" على ابنه.. فلم يذكر أسداً ولا نمراً، فيالها من شهرة وسطوة. لكنه هذه المرة كان "بريئاً من دم ابن يعقوب"(عليهما السلام)، ولم يكن ذلك الحيوان "البغيض" في كل حين. عوى الذئب فاستأنست بالذئب إذ عوى= وصوّت إنسان فكدت أطير. ولم ينطق من السباع نِطْـقاً صريحاً مفهوماً لبني آدم كما نطق ذئب معاتباً راعٍي غنم منعه سد جوعه من أغنامه. فعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ:"عَدَا الذِّئْبُ عَلَى شَاةٍ فَأَخَذَهَا فَطَلَبَهُ الرَّاعِي فَانْتَزَعَهَا مِنْهُ فَأَقْعَى الذِّئْبُ عَلَى ذَنَبِهِ قَالَ: أَلَا تَتَّقِي اللَّهَ تَنْزِعُ مِنِّي رِزْقًا سَاقَهُ اللَّهُ إِلَيَّ ؟ فَقَالَ: يَا عَجَبِي ذِئْبٌ مُقْعٍ عَلَى ذَنَبِهِ يُكَلِّمُنِي كَلَامَ الْإِنْسِ فَقَالَ الذِّئْبُ: أَلَا أُخْبِرُكَ بِأَعْجَبَ مِنْ ذَلِكَ مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِيَثْرِبَ يُخْبِرُ النَّاسَ بِأَنْبَاءِ مَا قَدْ سَبَقَ قَالَ: فَأَقْبَلَ الرَّاعِي يَسُوقُ غَنَمَهُ حَتَّى دَخَلَ الْمَدِينَةَ فَزَوَاهَا إِلَى زَاوِيَةٍ مِنْ زَوَايَاهَا ثُمَّ أَتَى رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَخْبَرَهُ فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَنُودِيَ الصَّلَاةُ جَامِعَةٌ ثُمَّ خَرَجَ فَقَالَ لِلرَّاعِي أَخْبِرْهُمْ فَأَخْبَرَهُمْ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: صَدَقَ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يُكَلِّمَ السِّبَاعُ الْإِنْسَ وَيُكَلِّمَ الرَّجُلَ عَذَبَةُ سَوْطِهِ وَشِرَاكُ نَعْلِهِ وَيُخْبِرَهُ فَخِذُهُ بِمَا أَحْدَثَ أَهْلُهُ بَعْدَهُ" (في مسند الإمام أحمد: (3/ 83) من حديث يَزِيدُ عن الْقَاسِمُ بْنُ الْفَضْلِ الْحُدَّانِيُّ عَنْ أَبِي نَضْرَةَ، ورجال إسناد هذا الحديث ثقات، وأخرجه من طريق القاسم بن الفضل الحاكم في المستدرك (4/ 367)، والبيهقي في الدلائل (6/ 41 – 42). وعن أبي هريرة رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "بَيْنَا رَاعٍ فِي غَنَمِهِ عَدَا عَلَيْهِ الذِّئْبُ فَأَخَذَ مِنْهَا شَاةً فَطَلَبَهُ الرَّاعِي حَتَّى اسْتَنْقَذَهَا مِنْهُ، فَالْتَفَتَ إِلَيْهِ الذِّئْبُ فَقَالَ لَهُ: مَنْ لَهَا يَوْمَ السَّبُعِ يَوْمَ لَيْسَ لَهَا رَاعٍ غَيْرِي، فَقَالَ النَّاسُ: سُبْحَانَ اللَّه،ِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: فَإِنِّي أُومِنُ بِذَلِكَ أَنَا وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ" (في الصحيحين البخاري برقم: 2324، ومسلم برقم: 2388). من أسمائه، وكناه أطلقت العرب علي الذئب أسماء وكُنى عديدة منتشرة.. نثراً وشعراً. ولعل اهتمامهم بحفظ أسمائه يعود لتأثرهم به، وتأثيره فيهم على مرّ العصور.. نهباً وخطفاً وقتلاً لأغنامهم ومواشيهم. فهو عدوهم اللدود.. يذكرونه ـ لكثرة بوائقه ـ أكثر مما يذكرون أعداءهم من البشر. فمن أسمائه: "السرحان"، قال "امرؤ القيس" في معلقته واصفا فرسه: له أيطلا ظبيٍ، وساقا نعامة= وإرخاء سرحان، وتقريب تنفُل. ومن أسمائه: "نهشل"، و"أغبر"، و"أجرد"، و"الخاطف"، و"ذؤالة"، و"أطلس": أزلّ أطلس ذو نفس محككة = قد كان طار زمانا في اليعاسيب. ومن أسمائه: "أوس"، و"أويس"، قال "الهذلي": يا ليت شعري عنك والأمر أمم= ما فعل اليوم أويس في الغنم. وكذلك: "السيّد"، و"العملّس". قال "الشنفرَى الأزدي" في لاميته : ولي دونكم سيـــــد عملّس = وأرقط زهلول وعــــرفاء جيأل. و"السيد" عند سائر العرب هو الذئب عدا "هذيل" فيعني عندها "الأسد" (د. عبد السلام سرحان ـ مختارات من روائع الأدب في الجاهلية والإسلام، ص23). والذئب في لغة "هذيل" أيضا هو "السبع" (أبو الطاهر التميمي: المسلسل العذب في غريب لغة العرب، ص 119). ويكنّى:"أبو مذقة"، و"أبو جعدة"، وهي الشاة، و"أبو ثمامة"، و"أبو جاهد"، و"أبو رعلة"، و"أبو سلعامة"، و"أبو العطاس"، و"أبو كاسب"، و"أبو سبلة"، (دائرة معارف القرن العشرين ـ ص(118، وله أيضاً "أم عامر"، قال الشاعر: لا تعمل المعروف في غير أهله= تلاقي الذي لاقى مجير أم عامر. ومن إعجابهم بشخصيته كانت له أوصافاً مثل:"الأمعط"، و"الأجرد"، و"الأسحم"، و"الأغبر"، و"ذيب الغضا"، الخ. من طباعه وصفاته.. وما ضربوه مثلاً لم يكن حيوان الصحراء، داجنه ووحشيه، بعيداً عن واقع حياة العربي ، ولا عن فكره وخياله. ولعل تصفحاً سريعاً لكتاب "الحيوان" للجاحظ ، و "حياة الحيوان " للدميري ، و "كليلة ودمنة " لابن المقفع، يقنع القارئ بأن الحيوان: رفيق درب، وخيال ثري. فـ"الحيوان" للجاحظ (159-255 هـ) كتاب ضخم، يصور الحيوانات بنظرة جمالية، ويصفها جمال مظاهرها، وسجل مراحل تطورها من بناء الأعشاش الى التسافد والولادة والنمو والنضج، ويعدد خصائصها من التقليد والمحاكاة والتعبير عن الحب والكراهية والرغبة في النزاع الخ. عرّف "ابن منظور" في اللسان "الذئب" بأنه: "كلب البر". ويجمع علي: "ذِئاب"، و"أَذوُب"، و"ذُؤبان". و"ذؤبان" العرب: "لصوصهم ورعاعهم"، وأيضا: "صعاليكهم وشطارهم"، أو قطاع الطرق وقراصنة الصحراء (شوقي ضيف: العصر الجاهلي، ص 376 (، وقد عُرفت "هذيل" بين العرب بـ"الصعاليك الذؤبان" (أحمد كمال زكي ـ شعر الهذليين، ص 103). الذئب والكلب من أرومة/ فصيلة واحدة (الكلبيات)، ومن رتبة اللواحم. لكن الذئب له فكّان مفترسان، ونظر ثاقب، فضلاً عن حاسة شم قوية. وعلي عكس الكلب..الذئب متوحش بطبعه، حتى لو ربّيَ وأستـُأنس منذ صغره، فطبيعته الشرسة وغريزته تطغي عليه. حكى "الأصمعي" أنه:"مرّ ببعض الأحياء فوجد عجوزاً وبجانبها شاة مقتولة وذئب مقطع الأوصال فسألها عن السبب فقالت: "الذئب ربيناه صغيراً، ولما كبر فعل بالشاة ما ترى". وأسمعته أبياتا قالت فيها: (محمد فريد وجدي ـ دائرة معارف القرن العشرين ـ ج4 ـ ص 118). بقرتَ شويهتي وفجعت قلبي = وأنت لشاتنا ولدٌ ربيب. غذيت بدرها وربيت فينــــــا= فمن أنباك أن أباك ذيب. إذا كان الطباع طباع ســــوء= فليس بنافع فيها الأديب. وفي تجارب سلوكية حديثة (في جامعة ببودابست) تؤكد ما حكاه الأصمعي من أن الذئب: "لا يخضع/ يتبع/ يتواصل كثيراً مع أوامر من ربّاه، علي عكس جراء الكلاب التي تأتمر بإشارة سيدها وتوجيهه لها ناحية ما خـُبّأ له من طعام، أو حين يستعصى عليها دخول قفص ما. في حين أن نظيراتها من جراء الذئب (التي رُبيت معها) فكانت دائما ما تسير عكس ما يشير إليه مُربيها، متبعة ـ أمام معضلات التجربةـ ما يمليه عليها هواها وغريزتها فقط. واللون الغالب علي فراء الذئب هو الرمادي (المائل المائل إلي الصفرة). قال الشاعر يصف أناساً بخلاء حرموه الأكل الطيب : حتى إذا جنّ الظلام واختلط = جاءوا بمذقٍ هل رأيت الذئب قط. و"المذق": اللبن المخلوط بماء كثير حتى يصير رماديا كلون الذئب. مضرب الأمثال عرف العرب ـ قديماً وحديثاً، الحكاية عن الحيوان، وعلي لسانه، وضرب الأمثال به كما يرد في: (الأمثال) للمفضّل الضّبي‏ (ت170هـ)، و(جمهرة الأمثال) لأبي هلال العسكري (ت نحو 395هـ)، و(مجمع الأمثال) للميداني (ت 518هـ). في المعمورة سباع ولواحم أشد بأساً، وأكثر فتكا من الذئب لكنها لا تمتاز بخصائصه ولا تجاريه في صفاته المتنوعة.. حذراً وخبثاً وفطنة ودهاء، وحرية وعزلة وغربة وقوة وشراسة وحيلة وخداع وطمع وعدم اعتراف بالجميل. لذا صار مضرب الأمثال. لما بالغوا في حذره:"أحذر من ذئب"،"أخـَفُ رأساً من ذئب" (كونه لا ينام كل نومه، ومن شقائه بالسهر لا يكاد يخطئه من رماه).. تصوروه ينام بعين واحدة ويترك الأخرى مفتوحة تحرسه. قال "حميد بن ثور" (محمد فريد وجدي ـ دائرة معارف القرن العشرين ـ ج4 ـ ص 117) قولته: ونمتُ كنوم الذئب في ذي حفيظةٍ= أكلت طعاما دونه وهو جائع. ينام بإحدى مقلتيه ويتقي بأخرى= المنايا فهو يقظان هاجـــع. ولفظة "الذِّئْب" دالة على: الظُّلم، والغدر، والبأس والتوحش، والجوع المستمر، فيقال:"أظلم/أضلم من ذئب"، و"من أسترع الذّئب فقد ظلم"، و"أغدر من الذّئب"، "إذا كان الطباع طباع ذئب فلا أدب يفيد ولا أديب"، "الذئب للضبع"، ويُضرب في قريني سوء، و"أجوع من ذئب"، فلكثرة إسرافه في القتل تصوروه هكذا جائعاً لا يشبع أبداً. ويقال أيضا أن الذئب الجائع إذا صادف إنسانا وحيدا في مكان منعزل طمع في أكله، فإذا كان الإنسان قويا عوى الذئب ليستدعي بعض الذئاب لمساعدته في الفتك بالفريسة. قال "المصعب الكناني": أبلغ فزارة أن الذئــب آكلها = وجائع سغب شرّ مـــــن الذئب. "أصح من ذئب"، ذلك أن الذئب لا يصبه كثير علل إلا الموت، لذا جاء وفي الدعاء علي العدو: "رماه الله بداء الذئب"، أي بالجوع/ أو الهلاك لأنهم يزعمون أنه لا داءَ له غير ذلكم. ويقال أيضاً "إن كنت ذئباً أكلت معه، وإن لم تكن ذئباً أكلتك الذّئاب". وضربوه مثلا للنفاق، ورمزوا به للأشخاص الذين لا تهمهم إلا مصالحهم الخاصة، قال "الدوادي"(أبو منصور الثعالبي ـ التمثيل والمحاضرة ص 353): وإذا الذئاب استنعجت لك مــــرة= فحذار منها أن تعود ذئابا. فالذئب أخبث ما يكون إذا اكتسى= من جلد أولاد النعاج ثيابا. وقالوا: أخبث من ذئب، وأختل، وأخون، وأعتى، وأوقح، وأجسر، وأيقظ، وأعق. "أعقّ من ذئبة" فعندما يصاب الذئب بجرح، يقال أن الذئبة تقتله وتتغذى بلحمه، وإذا جُرح ذئب وهو برفقة ذئاب أخرى تهجم عليه وتأكله ما جعل الناس يطلقون على سمك القرش (ذئب البحر) لأنه يهيج من رائحة الدم فيندفع ليجرح ما يصادفه من قروش ومخلوقات أخرى. وأكبر العرب في الذئب الحذر والصبر، وجعلوا منه رمزاً للرجولة والجسارة والشرف وعلة ذلك قسوة الحياة في الصحراء، وتقرير للقوة والأقوياء:"إذا تمنيتَ فاستكثِر، إذا ذكرتَ الذئب فالتفِت"،"إذا ذكرتَ الذئب فأعدّ له العَصا"، و"أجرأ/ وأنشط من ذئب"، و"أحوَلُ من ذئب"، من الحيلة إذا طلبها الرجل. وفي المدح: "فلان ذيب"، و"كفو يا ذيبان" دلالة علي الثناء والتقدير. ومنها قولهم: "فلان ذئب أمعط"، جاء في لسان العرب "ذئب أمعط": "قليل الشعر، لتساقطه". لكن إذا وجد الذئب غنماً فإنه يقتل منها ما يستطيع، فيأكل، وينهب ويخطف بملء فمه، ليخفي الباقي فيعود إليها إذا جاع. فإذا رأى الناس إنساناً جشعاً حريصاً على الاستحواذ كل شيء/أو شجاعاً حذرا قالوا: "إنه ذئب/ ذيب أمعط". وإذا قيل: "لِصّ أمعط على التمثيل بذلك: يشبه بالذئب الأمعط لخُبْثه". ولا تخلو الأمثال الشعبية من التهويل يقال:"الذئب/ الذيب ما يهرول عبث"، ومن الكلمات العامية التي تختص بوصف عدو الذئب يقال: "سَلْوَعَة الذيب، وإهْرَافة الذيب، وروملة الذيب". ويقال"ذيْب.. وعلى رأس مِشْرَاف"، و"المِشْرَاف": المكان المرتفع الذي تُشْرِف عليه وتعلوه، فمن الصعب خداع الذئب والاحتيال عليه في الأحوال العادية فكيف إذا كان في مكان مرتفع يمكّنه من اكتشاف ما حوله من الأخطار المحتملة؟. وهناك من القصص الشعبية الشهيرة: قصة "معشي الذيب"، و"مخاوي الذيب". ذئاب في الشعر، قديمه وحديثه. العرب مشهورون بوصف الحيوان والطير حتى صار الموضوع تقليدا لا يستغنى عنه عند نظم الشعر. ففي وصف الذئب وصفاً دقيقاً من خلال هيئته وطباعه وحركته وتوثبه وتوتره وسلوكه وذهوله وتردده الخ.. وُفق كثير من شعراء العرب أمثال: "الشنفرى، المرقش الأكبر، امرؤ القيس، المتنبي، البحتري، الفرزدق، طرفة بن العبد، أبو كبير الهذلي، حماد عجرد، عبدة بن الطيب، ابن قيس الرقيات، بشار بن برد، معاوية بن أبي سفيان، بيهس، ابن لمكك المصري، العماني، ابن هانئ الأندلسي، ابن سنان الخفاجي، مالك بن الريب، الشريف المرتضى، وعبد المسيح بن عسلة، الدريد بن الصمة، والأسعر الجعفي...وغيرهم. وللذئب أيضاً حضوره القوى في الشعر العربي الحديث، سواء في قصائد أنسي الحاج أو أدونيس ومحمود درويش وسعدي يوسف وقاسم حداد ومحمد الماغوط ومحمد عمران وسيف الرحبي وسركون بولص وغيرهم. وفي الأردن صدر ديوان بعنوان «ذئب الأربعين» ليوسف عبد العزيز وقبله ديوان «ضجر الذئب» ليوسف أبو لوز وبعده رواية جمال ناجي "عندما تشيخ الذئاب". ذئب "الشنفرى": الشنفرى (ت عام 525 م)أحد أهم أغربة العرب وذؤبانها وصعاليكها، إنه بعد أن انقطعت سُبُل المودّة والتراحم والشفقة بينَه وبين أمّه، آثَرَ أن وَضَعَ الذئبَ القوي السريع في أول قائمةِ أهلِهِ الجُدد، وقد بلغَ الرجُلُ من الإحساس بالغربة في مجتمع البشر الى أن يبتعِدَ عن الأذى والبغضاء واجداً بين وحوش الفلاة مُتَعزّلاً: أقيموا بني أُمّي صدورَ مطيّكم = فإني إلى قوم سواكم لأمـــــــيلُ. وفي الأرضِِ منأىً للكريم عن الأذى = وفيها لمن خافَ القِلى مُتعزّلُ. ولي دونكم أهلونَ: سيدٌ عَمّلسٌ = وأرقَطُ زهلولٌ وعرفاءُ جيألُ. هم الأهلُ لا مستودَع السِر ذائعٌ = لديهم، ولا الجاني بما جُرَّ يُخذَلُ. وكلٌ أبيٌّ باسِلٌ غير أنني = إذا عرضت أولى الطرائد أبْسَلُ. وأصبحَ عنّي بالغُميصاء جالساً = فَريقانِ: مسؤولٌ وآخر يسألُ. فقالوا: لقد هَرّت بليلٍ كلابُنا = فقلنا: أذئبٌ عَسَّ، أم عَسّ فُرعُلُ". ذئب "المرقش الأكبر": المرقّش الأكبر (ت عام 550م) شاعرٌ جاهليٌ فحل، وفي قصيدةٍ يفتتحها بالوقوفِ على أطلال أسماء حبيبته، يقدّم لنا صورةً أخّاذة لزيارة الذئب: ولمّا أضأنا النار عِنْدَ شوائنا = عرانا عليها أطْلَسُ اللون بائسُ. نبذتُ إليهِ حُزَّةً من شِوائنا = حياءً وما فُحشي على مَنْ أُجالسُ. فآضَ بها جذلانَ ينفُضُ رأسَهُ = كما آبَ بالنهبِ الكميُّ المحُالِسُ. ومنزلُ ضنكِ لا أريدُ مَبيتَهُ = كأني بهِ من شدّة الرَّوعِ آنِسُ. وتسمَعُ تَزْقاءً من البوم حولنا = كما ضُربت بعدَ الهدوءِ النواقس. "كعب بن زهير"..والذئب كعبُ بن زهير بن أبي سُلمى (ت سنةَ 645 م) شاعِرٌ من الشعراء المخضرمين الفحول، ينتمي إلى بيتٍ من أعرقِ بيوت العرب في الشعر، ولكعب لاميّة، تقعُ في ثلاثةٍ وخمسينَ بيتاً، مطلعها: ألا بكَرتْ عرسي تلومْ وتعذِلُ = وغير الذي قالتْ أعفُّ وأجمَلُ. وقد خصّ الشاعِرُ مشهدَ الذئب بسبعةَ عَشَرَ بيتاً يقول فيها: وصرمـــاءَ مذكارٍ كأنّ دويَّه = بُعَيدَ جنانِ الليل ممّا يُخيَّلُ. حديثُ أُناسيٍّ فلّما سمعتُهُ = إذا ليس فيه ما أبينُ فأعقِلُ. قطعتُ يُماشيني بها مُتضائلٌ = من الطُلسِ أحياناً يخبُّ ويعسلُ. يحبُّ دنوَّ الأُنسِ منه وما بهِ = إلى أحدٍ يوماً من الأنسِ منزِلُ. تقرّبَ حتى قلتُ لم يدنُ هكذا = من الأنسِ إلا جاهِلٌ أو مضلَّلُ. مدى النبلِ، تغشاني إذا ما زجرتُهُ = قُشعريرةٌ من وجهِهِ وهو مقبلُ. إذا ما عَوى مُستقبلَ الريحَ جاوبت = مسامِعَهُ فاهُ على الزّاد مُعْوِلُ. كسوبٌ إلى أن شبَّ عن كسبِ واحدٍ = مُخالِفُهُ الإقتارُ لا يتحــــــــوّلُ. كأن دخانَ الرِمثِ خالَطَ لونَهُ = يُغلُّ بــــــــهِ من باطنٍ ويُجَلَّلُ. بصيرٌ بأدغالِ الضَّراءِ إذا خَدَا = يعيلُ ويخفى بالجهادِ ويمثُلُ. تراهُ سميناً ما شتا وكأنّهُ = حَميٌّ إذا ما صافَ أو هو أهْزَلُ. كأنَ نَســـاهُ شرعَةٌ وكأنَّهُ = إذا ما تمطّى وجهةَ الريحِ مِحْمَلُ. وحَمْشٌ بصير المقلتينِ كأنّهُ = إذا ما مشى مستكرِهَ الريحِ أقزَلُ. يكادُ يرى ما لا ترى عينُ واحدٍ = يثيرُ لَهُ ما غيَّبَ التُربُ مِعْولُ. إذا حضراني قلتُ لو تعلمانِهِ = ألم تعلما أني من الزادِ مُرمِلُ. غُرابٌ وذئبٌ ينظرانِ متى أرى = مُناخَ مبيتٍ أو مقيلاً فأنزِلُ. أغارا على ما خَيَّلتْ وكلاهُما = سيخلُفُهُ منّي للذي كانَ يأمَلُ. ذئب "البحتري": في قصيدته الدالية الرصينةٌ ببنائها، الجزلة بألفاظها، الحسنة الوصف، المتماسكة الرصف التي تؤكد عبقرية "البحتري" نراه يصف الصراع بينه وبين ذئبٍ جائع. كلاهما يتضوّر جوعاً حتى همّ كلٌّ بصاحبه، كانت الغلبة للبحتري، فقتل الذئب، وجعله شواء، و أكله!!: وليل كأن الصبح في أخرياته = حشاشة نصلٍ ، ضم افرنده غمد تسربلته والذئب وسنان هاجع = بعين ابن ليل ما له بالكرى عهد. أثير القطا الكدري عن جهماته = و تألفني فيه الثعالب والربــــــــد. وأطلس ملء العين يحمل زوره = وأضلاعه من جانبيه، شوى نهد. له ذنب مثل الرشاء يجره = ومتنُ كمتن القوس أعوج منــــــــــــأد. طواه الطوى حتى استمر مريره = فما فيه الا العظم و الروح والجلد. يقضقض عصلا، في أسرتها الردى = كقضقضة المقرور أرعده البرد. سما لي، وبي من شدة الجوع ما به = ببيداء لم تعرف بها عيشة رغد. كلانا بها ذئبُ، يحدث نفسه = بصاحبه، والجد يتعسه الجـــــــــــــــــد. عوى ثم أقعى، فارتجزت فهجته = فأقبل مثل البرق يتبعه الرعـــــــد. فأوجرته خرقاء، تحسب ريشها = على كوكب ينقض، والليل مســــود. فما ازداد إلا جرأة و صرامة = وأيقنت أن الأمر منه هو الجـــــــــــد. فأتبعتها أخرى، فأضللت نصلها = بحيث يكون اللب والرعب والحقد. فخرّ، وقد أوردته منهل الردى = على ظمأ، لو أنه عذب الــــــــــورد. وقمت فجمعت الحصى، فاشتويته = عليه، وللرمضاء من تحته وقد. ونلت خسيسا منه، ثم تركته = وأقلعت عنه، وهو منعفرد فـــــــــــرد. لم يرغب "البحتري" في الإبانة عن شجاعته باستضافته للذئب، إنما صوّر حياة "التوحش المأساوية" التي يعيشها جراء خصومته مع قرابته من"بني الضحاك" ما حدا به أن يختار الرحيل عنهم ليبدأ حياة جديدة. والفرزدق يصف ليلة مع "الذئب".. يشوبها كرم، مع حذر وحزم!: وَأطْلَسَ عَسّالٍ، وَما كانَ صَاحباً، دَعَوْتُ بِنَارِي مَوْهِناً فَأتَاني فَلَمّا دَنَا قُلتُ: ادْنُ دونَكَ، إنّني وَإيّاكَ في زَادِي لمُشْتَرِكَــــانِ فَبِتُّ أسَوّي الزّادَ بَيْني وبَيْنَهُ، على ضَوْءِ نَارٍ، مَرّةً، وَدُخَانِ فَقُلْتُ لَهُ لمّا تَكَشّرَ ضَاحِكاً وَقَائِمُ سَيْفي مِنْ يَدِي بمَــــــــكَانِ تَعَشّ فَإنْ وَاثَقْتَني لا تَخُونُني، نَكُنْ مثلَ مَنْ يا ذئبُ يَصْطَحبانِ وَأنتَ امرُؤٌ، يا ذِئبُ، وَالغَدْرُ كُنتُما أُخَيّيْنِ، كَانَا أُرْضِعَا بِلِبَانِ وَلَوْ غَيْرَنا نَبّهَت تَلتَمِسُ القِرَى أتَاكَ بِسَهْمٍ أوْ شَبَاةِ سِنَـــانِ وَكُلُّ رَفيقَيْ كلِّ رَحْلٍ، وَإن هُما تَعاطَى القَنَا قَوْماهُما، أخَوَانِ فَهَلْ يَرْجِعَنّ الله نَفْساً تَشَعّبَتْ على أثَرِ الغادِينَ كُلَّ مَكَــــــانِ فأصْبَحْتُ لا أدْرِي أأتْبَعُ ظَاعِناً، أمِ الشّوْقُ مِني للمُقِيمِ دَعَاني وَمَا مِنْهُمَا إلاّ تَوَلّى بِشِقّةٍ، مِنَ القَلْبِ، فالعَيْنَانِ تَبتَدِرَانِ و"للمتنبي" ذئب: بِغَيرِكَ رَاعِياً عَبِثَ الذّئَابُ وَغَيرَكَ صَارِماً ثَلَمَ الضِّرَابُ. وَتَمْلِكُ أنْفُسَ الثّقَلَينِ طُرّاً فكَيفَ تَحُوزُ أنفُسَها كـــــِلابُ. َمَا تَرَكُوكَ مَعْصِيَةً وَلَكِنْ يُعَافُ الوِرْدُ وَالمَوْتُ الشّرَابُ. طَلَبْتَهُمُ عَلى الأمْوَاهِ حَتى تَخَوّفَ أنْ تُفَتّشَهُ السّــــحَابُ. فَبِتَّ لَيَالِياً لا نَوْمَ فِيهَا تَخُبّ بكَ المُسَوَّمَةُ العـــــــِرابُ. يَهُزُّ الجَيشُ حَوْلَكَ جانِبَيْهِ كمَا نَفَضَتْ جَناحَيْها العُقابُ. وَتَسْألُ عَنهُمُ الفَلَوَاتِ حتى أجابَكَ بَعضُها وَهُمُ الجَوَابُ. فَقاتَلَ عَنْ حَرِيمِهِمِ وَفَرّوا نَدَى كَفّيْكَ وَالنّسَبُ القُرَابُ. وَحِفْظُكَ فيهِمِ سَلَفَيْ مَعَدٍّ وَأنّهُمُ العَشائِرُ وَالصّحـــــابُ. تُكَفْكِفُ عَنهُمُ صُمَّ العَوَالي وَقَدْ شَرِقَتْ بظُعْنِهِمِ الشِّعابُ. وَأُسْقِطَتِ الأجِنّةُ في الوَلايَا وَأُجْهِضَتِ الحَوائِلُ وَالسِّقابُ. يقول "أبو فراس الحمداني": بمن يثق الإنسان فيما يرومه =ومن أين للحرّ الكريم صحابُ. وقد صار هذا الناس إلا أقلّهم = ذئابٌ على أجسادهن ثيــــابُ. وحديثا.. يقول "محمود درويش:"وهمو أوقعونيَ في الجبّ، واتهموا الذئبَ؛ والذئبُ أرحم من إخوتي... أبتِ!.هل جنيتُ على أحد عندما قلت إني: رأيتُ أحد عشر كوكباً، والشمس والقمر، رأيتُهم لي ساجدينْ". ويقول "أنسي الحاج": "أمدّ يدي إلى الظلّ هناك، ويكون صباح الهواء الأوّل في الأرض الأولى والأخيرة. أيتها الهاربة المقبلة اليقين، والضباب، مضاء الذكاء وانحلالية الهناء من صميم تهذيبك اللطيف لتدفّق نشوتك الصامتة، وكقطيع من الذئاب تفترس ذاتها فما أجمل العروس في أحضان ذاتها. يا نبع الغابات الداخلية يا نعجة ذئبي الكاسرة". أما "محمد الماغوط" فيقول:"وطني أيها الذئب الملوي كالشجرة إلى الوراء ،إليك هذه "الصور الفوتوغرافية "للمناسف والإهراءات، وهذه الطيور المغرّدة، والأشرعة المسافرة على "طوابع البريد)"...من قصيدة "المصحف الهجري"، من ديوان "الفرح ليس مهنتي" لمحمد الماغوط. ويقول في قصيدة "بكاء السنونو": الذئب والأفعى لن يكونا أبداً حمامتين تحت المطر". صفوة القول: للذئب علاقة، مادية ومعنوية، عميقة ومُعقدة مع الإنسان عموماً، وفي ثقافتنا العربية خصوصاً. فعنه قرضت نماذج شعرية، ونسجت أمثال وأقوال مأثورة، ورويت حكايات وروايات شعبية. ولعل"التوظيف الرمزي" للحيوان والطير يتأتي من باب الإسقاط (الذاتي/ الجمعي)، أو لتعزيز النص بالموروث الشعبي، أو لإثبات الكفاءة والمقدرة وسعة الاطلاع في أحايين أخري. بقلم: أ.د. ناصر أحمد سنه/ كاتب وأكاديمي مصري E.mail:nasenna62@hotmail.com

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل