المحتوى الرئيسى

فان دونغِن.. رسام النشوة والانبهار

04/14 22:19

أنطوان جوكي-باريسيحظى الفنان الهولندي كيس فان دونغِن (١٨٧٧-١٩٦٨) أكثر من معظم فناني جيله الكبار باهتمامٍ لافت في فرنسا، وهو ما يشهد عليه إيقاع معارضه السريع خلال العقدين الأخيرين.وينظّم متحف باريس للفن الحديث حالياً معرضاً جديداً له من تسعين لوحة تغطي الفترة الممتدة من عام ١٨٩٥ وحتى بداية الثلاثينيات، وهي المرحلة الأهم من مساره الفني.يأتي هذا بعد معرضه في متحف الفنون الجميلة عام ١٩٩٠ الذي أثبت موقع هذا العملاق في تاريخ الفن، ثم معرضه الضخم في متحف لوديف عام ٢٠٠٤.الحقبة الجميلة وشكّلت تلك الحقبة نقطة تجمع لعددٍ كبير من الفنانين الراغبين في تجديد قواعد الفن وممارسته.ويبقى العامل الأساسي في جاذبية فان دونغِن أسلوبه الفني الفريد وتطوره الذي يعكس عبقريةً واستقلاليةً نادرتَين، وهو أسلوبٌ لا ينخرط ضمن التطور التقليدي الذي قاد أندريه دوران وجورج براك وراوول دوفي من الانطباعية إلى التكعيبية، بل يفجّر أيضاً الحدود بين أنواع فن الرسم فيتحوّل البورتريه معه إلى استعارةٍ أو عُري إيروسي.وفي علّية المنزل العائلي التي حوّلها إلى مرسم، بدأ فان دونغن عام ١٨٩٥ بممارسة فن الرسم، فحقق مناظر طبيعية ومشاهد نموذجية بواسطة ألوانٍ معتمة تنفرج تدريجياً.وبين عامي ١٨٩٦ و١٨٩٧ استقرّ في روتردام ونشر في مجلة "Vrije Kunst" الفوضوية رسوماً اعتمد فيها أسلوباً رمزياً قريباً من أسلوب جان توروب، ثم انتقل إلى باريس حيث أنجز رسوما تزيينية لمجلة "الصورة" ولوحات تمثّل بشكلٍ نقدي الدعارة والبؤس في بعض الشوارع.الشخصيات الهامشيةومع استقراره مجدداً في باريس عام ١٨٩٩، قام فان دونغن برسم الفقراء والشخصيات الهامشية في شوارع المدينة على طريقة الرسامَين الكبيرين ستاينلن وتولوز لوتريك.ولكسب عيشه، اضطّر إلى ممارسة مهنٍ صغيرة وإلى التعاون مع المجلات الهجائية الساخرة التي كانت رائجة آنذاك، كما صادق عددا من الرسامين والنّقاد الكبار مثل بيكاسو ورئيس تحرير "المجلة البيضاء" فيليكس فينيون الذي قدّمه إلى محيط الفوضويين الباريسيين.وبفضل تزيينه عدداً كاملاً من مجلة "صحن الزبدة" الشهيرة عام ١٩٠٣، فتحت مجلات باريسية ساخرة كثيرة صفحاتها له، فهاجم بشراسةٍ داخلها المجتمع الباريسي الذي لا يكترث لفقرائه.وبموازاة رسومه الساخرة، أنجز فان دونغِن في العام نفسه سلسلة رسومٍ بالحبر الصيني يتخللها برقشة عنيفة أو فوارق لونية رقيقة وتتناول المرأة في انشغالاتها الحميمة أو المألوفة، ومسألة الملذات الجسدية.وتعكس الرسوم اكتساب الفنان يُسراً تعبيرياً كبيراً كما تعكس تطوُّر أسلوبه ومواضيعه إذ يتوارى موضوع الشارع أمام موضوع العروض الشعبية، ويتراجع النقد الاجتماعي لصالح استحضار الشهوانية. الانطباعية الجديدة وبجرأة كتابتها التشكيلية العفوية أو بحركية ألوانها، سهّلت هذه الأعمال عملية عبور فان دونغِن إلى اللون الصافي، وبالتالي إلى أسلوب "التوحّشية"(fauvisme). وحول أسلوبه الفريد، كتب الشاعر أبولينير "هذا الملوّن هو أوّل من استخرج من النور الكهربائي بريقاً حاداً أضافه إلى الفوارق اللونية، فكانت النتيجة نشوةً وانبهاراً وارتجاجاً".في عام ١٩٠٥، تثبّت اهتمام فان دونغن باللون وبقدراته التعبيرية الكبيرة، خصوصاً في اللوحات التي رصدها لموضوع السيرك وفي المناظر الطبيعية التي حققها خلال الصيف في مدينة فلوري الفرنسية. ومن استخدامه لألوان الباستيل يظهر تأثّره بالرسام فان غوغ في المواضيع المعالجة أو في التقنية المعتمدة.وحول أعماله التي عُرضت في الصالة المخصَّصة للطلائع "التوحّشية" داخل "صالون الخريف"، تحدّث أحد النقاد عن "فيضٍ لوني خارق وغامض". وبعكس الرسامين "التوحّشيين" الذين ابتعدوا بسرعة عن الأسلوب التوحّشي، أصرّ فان دونغِن في أبحاثه على طغيان اللون وعرف انطلاقاً من عام ١٩٠٨ شهرةً عالمية كبيرة تشهد عليها معارضه الغزيرة في فرنسا وروسيا وألمانيا.ضوء المتوسط

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل