المحتوى الرئيسى

البدع في تجهيز الميت بقلم:موسى حجيرات

04/14 18:47

البدع في تجهيز الميت موسى حجيرات الكلّ يعلم إنّ الموت آت لا محالة، والكلّ يدرك ضعفه وعجزه حين ملاقاته، والكلّ يرضخ ويذعن لطلبه، ويسلّم بأنّه لا يقبل حجج ولا أعذار. ومع ذلك فالبعض يغفل عنه وعن ذكره، ولهذا يداهمه فجأة، ويأخذه اختطافا دونما حساب لأحد أو لظرف أو لحالة. وآخرون يعتبرونه ويخشونه، فينتظرونه؛ فيأتيهم، وهم في يقظة تامّة. وفي أيّ حال يأتي فالنتيجة واحدة، وهي أنّه آخذ الغافل والمنتظر، وتارك الباكين والنائحين والمودعين، والى حين آخر، فكلّ يأتيه بأجله. فالموت يأخذ ما أمر أن يأخذ فقط، دونما طمع بماله أو بيته أو ولده أو نسائه. هو هو وفقط هو. إن جاء الموت، بأمر الله، فرّق الروح عن الجسد، فالروح في أمر الله، والجسد مسجّى دونما حراك أو حياة، وهو ما يبقى من الإنسان الحيّ المتحرك، الطاغية الجبار أو الفقير المتواضع. وهنا تبدأ فعاليّات تقليديّة يختلف في فعلها الناس، ولكن بنسبة قليلة، ولكنها على الغالب فالفعاليّات متشابهة حتّى تكاد تكون مراسيم تقليديّة قد يختلط على البعض فهمها. أهي مراسيم دينيّة أم عادات وأعراف اجتماعيّة؟ يتجمّع حول الميت أقرب الناس إليه، فمثلا، بناته وأبناؤه وزوجته، إن كان أبا، وأبوه وأمّه وإخوانه وأخواته إن لم يكن متزوجا، وهكذا. كلهم يبكون، يصرخون وينوحون، أصوات تعلو وتهبط، كلمات بعضها يفهم وبعضها غامض، دموع تسيل فتمسح وتعاود السيلان. والأقربون الآخرون يحضرون، ولكن يكون وقع الخبر عليهم أخف وطأة؛ فيجتمعون ويعظون الآخرين، ويطالبونهم بالصبر والتجلد، وقبول الأمر لأنّه قدر الله. وبعضهم يضيق بالباكين ذرعا؛ فيزجرهم، ويحاول ردعهم، ويطالبهم بالكفّ عن البكاء. ثمّ بعد فترة قصيرة تتوزع المهام تلقائيّا، ويعرف كلّ دوره، قسم يهتم بأمر الأكفان، ولوازم تجهيز الميّت؛ فيذهب دون انتداب من أحد إلى أحد المحال التجاريّة التي تبيع الأكفان لشراء الكفن ولوازمه، وهذا أمر ضروريّ لأنّ فيه إتباع للسنّة في تكفين الميّت. وهنا تحدث أشياء كثيرة من البدع، ومن الأمور التي لا تمت إلى الدين والأخلاق بصلة، وما هي إلا استغلال الجشعين لحساسية الموقف. إنّ الأكفان التي وردت في السنّة معروفة، ولا يجهلها العارفون بأمر السنّة، ولكن الغريب أنّ أهل الميّت لا يسألونهم إنّما يأخذون ما جُهّز لهم ووُضع في حزمة واحدة متكاملة، وكأنّها اختيرت ووضعت حسب تعاليم الدين، وهي أبعد ما تكون عنها. في هذه الحزمة توضع الأكفان، والمقصود قطع الكفن، وتوضع زجاجات العطور والحنّاء، وبكميّات خياليّة، ونبات الميرميّة، ووسادة صغيرة وخيطان كثيرة، وقدر من البخور، وغير ذلك مما لم يرد في أيّ سبيل أبدا. هذه الأشياء وبالكميّات الموضوعة في الحزمة فيها من الإضافات التي ما أنزل الله بها من سلطان، ولكن يضعها أصحاب الحوانيت طمعا في بيعها وهكذا فثمن حزمة الأمتعة يساوي ما يقدّر بسبعة أضعاف الثمن الأساسي للكفن. لقد اعتاد الناس على أنّ موقف قريب الميّت الذي جاء ليشتري الكفن موقف فيه حساسيّة لذا فهو يأخذ ما يعطى، ويدفع ما يطلب منه، ولا يلتفت للزيادة، ولا يساوم في السعر، ولهذا فهو فريسة لطمع الطامعين. وهذا هو الخطأ بعينه. إنّ الوضع النفسي لأهل الميّت بعد فقد قريبهم والعزيز عليهم لهو وضع حرج للغاية ومتعب، فهل من المنطق أن يكلفوا، فوق ذلك، بتكاليف ماديّة زائدة عن الحاجة، وليست ضروريّة، ومعظمها من البدع والمستحدثات التي يأثم فاعلها. وكذلك فإنّ أخذ الأمور وكأنّها مسلمات، وواقع لا مفر منه فذلك بدعة، لأنّ الموت حق، وكلّ ما يتعلق به حق، وهو أمر طبيعيّ، لا يجب أن يخرج الناس عن المألوف، ويسكتهم عن الحقيقة، ويبعدهم عن أمور الشرع والدين. وحين يعود القريب الآتي بالكفن تهبّ زمرة من الآخرين، فيهم أحد أبناء الميّت أو إخوته إلى غسله وتكفينه؛ فينقلونه إلى غرفة من غرف بيته فرّغت خصيصا لغسله. يوضع الميّت على طاولة، إمّا خاصة يؤتى بها من المسجد، وإمّا من طاولات بيته. وهنا تجد أقرباء الميت يدخلون ويخرجون من بين حشد النساء المتجمّعات للتعزية والبكاء والفضول، ولا يسألهم أحد ولا ينتقدهم أحد، وكأنّهم محارم شرعيّون لهؤلاء النسوة. وما يقال هنا، إنّ حساسيّة الموقف لا يجب أن تدفع إلى الإخلال بحفظ الواجبات الشرعيّة وتوقع في الحرام. فإن تجمّعت نساء الحيّ، فيجب تجنّب اجتماعهنّ من قبل أبناء وإخوة المتوفى وأقربائه، ولا يجوز الاختلاط حتّى في هذا الموقف. ولهذا فالبدعة المشؤومة هنا هي إنّ الناس قد ألفوا الاختلاط في هذه المواقف، ولم يتعاملوا معه وكأنّه اختلاط في ظرف عادي، بل كأنّ الظرف أباح لهم ذلك. لذلك نجد حتّى من يحارب الاختلاط ويحاول منعه في الظروف العاديّة، نجده يتقبّله هنا، وكأنه أمر مسلم به، ومقبول. وأحيانا يحدث أن نجد ابنة المتوفى أو أخته أو زوجته تظهر حاسرة الرأس، شعثة الشعر، دامعة العين، تظهر للناس، وبحجة أنّها حزينة على فقد قريبها أو كأنّها غير متحكّمة بسلوكها إثر الفاجعة، وهذا أمر لا يجوز ولا يجوّزه الشرع والدين. وفي بعض الحالات يكون خروجها للحشد لا مفرّ منه إذ الناس يحتشدون قريبا من بيت المتوفى، ويصطفون لينظروا داخل البيت، ويراقبون كلّ حركة، وكلّ داخل وخارج من البيت، وكأنّ البيت نتيجة ظرف الموت فقد حرمته والحدود التي بيّنها الشرع. وفي هذه الحالة، فالتجمع حول بيت الميت بحدّ ذاته بدعة، وأمر مستحدث من ناحية دينيّة، وذلك لأنّ الناس إن حضروا لهدف تشييع الجنازة إلى المقبرة فعليهم حفظ حدود وحرمة البيت، والابتعاد قليلا عن مداخله، وعدم تدقيق النظر إلى الداخل إليه والخارج منه. أليس هذا بتعدٍ على الخصوصيّات والأمور الشخصيّة؟ أمّا العمليّة التالية فهي مبادرة أقرباء الميّت بالاهتمام بالحاضرين المتجمعين حتّى وهم يعرفون أنّ تجمعهم ليس بالأمر الضروري، ولكنهم موجودون، فمنهم من يفترش الأرض أو الحجارة أو بعض الكراسي الموجودة أو حائط قريب أو يتكئون على سيّاراتهم. وهنا يهبّ أقرباء الميّت ببناء بيت خاص للعزاء، وهو بيت من القماش القاسي جاهز خصيصا لهذا الغرض، وينقل إلى كلّ بيت يموت فيه شخص. وفي بعض القرى يكون هذا البيت تابعا للجنة المسجد أو للسلطة المحليّة أو لجمعيّة معيّنة، أو أحيانا يقوم أقرباء الميّت ببناء بيت، ومن مواد مرتجلة جاهزة. فالكل يعمل ويساعد وكأنّه يساهم بغية أجر وثواب، ولكنه لا يعلم أنّه يعمل مأوى لأناس يأتون إلى تقديم العزاء ويجلسون، وهذا من البدع المشؤومة ويدخل في عداد الحرام. ولهذا فالسؤال هنا أليس الإعانة على الحرام بحرام أيضا؟ إذن، فالبدعة هي بناء بيت العزاء، خصيصا لمناسبة الوفاة، والغريب أنّ قليلا ممن يدرك هذا الأمر، بل يعلم الأغلب إنّ في الأمر خدمة للآخرين، وواجب، ولهذا يرون فيه عملا ايجابيّا يستحق الثناء. وبعد بناء البيت يدعى إليه الحضور، فيجلسون على الكراسي الخاصة بهذه المناسبة، وتبدأ الواجبات توزع، وبشكل طبيعي، وخاصة القهوة والماء والبخور، ولدى بعض البلدان السجائر أيضا، وكأن الحضور هم ضيوف أهل الميت، وعليهم القيام على أداء واجبهم نحوهم ويخشون التقصير في ذلك. وهذا بحدّ ذاته من البدع الكبرى، وذلك لأنّه أمر مستحدث لم يفعله الرسول محمد صلى الله عليه وسلم ولا صحابته وتابعيهم، ولم يسر عليه سلف الأمة الصالح. والغريب أنّه أصبح هذا الأمر من المألوف والشائع بالرغم من مخالفته للمنطق السليم، إذ أنّ المنطق يفرض أنّ أقرباء الميّت في حالة نفسيّة تعبة، وهم في حزن على فقد قريبهم حتّى وإن لم يبدوه. وهل هؤلاء في مثل هذا الظرف وهذه الحالة يشغلون، ويشغلهم الناس باستقبالهم، وتقديم الواجبات إليهم، أم من الأفضل تركهم وإفساح المجال لهم للحزن على قريبهم، وربّما لذرف الدموع أو البكاء الصامت أو الخلوة التي قد تخفف من وطأة الحزن. وأغرب ما في الأمر إنّ الناس في هذا الزمان أصبحوا لا يشغلون أهل الميت فحسب بتقديم الواجبات إنّما ينتبهون إلى ما يقدّم، وتوقيته، وجودته، وكميّته، وينتقدونهم في التقصير في ذلك، ويلومونهم عليه، لذلك شاع لدى الناس أنّ أهل الميّت قد يغفلون أمر غسل قريبهم ودفنه، ولكن لا يغفلون عن زائريهم في هذا الظرف، والمهمّ لديهم القيام بواجب الضيوف والتحاشي لكلامهم وانتقاداتهم.

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل