المحتوى الرئيسى
alaan TV

فيصل أكرم لمجلة الشراع: في السعودية شعراء كبار ولكن...

04/14 17:36

فيصل أكرم لمجلة الشراع: في السعودية شعراء كبار ولكن...     حوار: لامع الحر - بيروت      *لا أحب أن أكون شاعراً جماهيرياً *في السعودية شعراء كبار لكنهم يفتقدون الجماهير *نزار قباني نجح في تعميم شعر الحب *أكتب ككائن غير محدد وغير منصرف إلى قضية واحدة *لست متشائماً ولا متفائلاً *إيقاعي ينبض بموسيقى هادئة وخالية من الصراخ *أمسك بناصية الحوار وأستنطق الذات والناس والأشياء *لن أسمح بوجود خارطة شعرية لكل دولة عربية على حدة   فيصل أكرم شاعر طموح. يتجلّى في عناقه الطويل مع الزمن بحثاً عن تباشير قصيدة، تستولد الحب والحياة، والرؤية المفعمة ألقاً، وإشراقاً. شاعر في كتابته وفي حياته. يدوزن كلماته على هواه ويتصعلك على هواه، ويحلق بعيداً مع تجلياته بحثاً عن العالم الأجمل الذي يتمنى الوصول إليه. شاعر المدى الذي يتهادى على طريقته، ويتفادى الوقوع في شرك التقليد باحثاً عن إكسير الشعر الذي يمضي في الآفاق سعياً إلى اللامحدود، واللامرئي. لا يحصر شعره بإطار ما، بقضية ما، بكتابة ما. وكأنه يريد الانفلات من قبضة الزمان، ومن أسر المكان، لعلّه يبلغ المطلق أو يقاربه على أقل تقدير. شاعر لا يتماهى مع نصّه. ولا يستعيد ما كتبه. ولا يحنّ إلى قديمه ولا يؤسر بما أنتج. بل يسعى دائماً إلى مدى جديد، يحتضن ما يأتي به، من إشراقات وتجليات.   زار الشاعر السعودي الصديق فيصل أكرم بيروت، فالتقيناه وكان لنا معه حوار حول كتابه الجديد الصادر عن دار الفارابي بعنوان ((حوار الليل ونجمة الصبح)) استهللناه بالسؤال التالي:   # لماذا ((حوار الليل)) وما العلاقة التي ينسجها مع نجمة الصبح؟ - العنوان يحمل أبعاداً عدة، فمن كونه (حوار الليل ونجمة الصبح) أي الليل يحاور نجمة الصبح، إلى أن يكون الشيءُ اثنين: (حوار الليل) ثم (نجمة الصبح) شاهدة على ليل يحاور نفسه! وقد اخترتُ هذا العنوان، وهو عنوان قصيدة في الديوان نفسه، لأنني رأيت أن أجواء القصائد كلها تتضمن (حواراً) بين أصوات متعددة.   # تقول: ((لم أكتب الحب يوماً. ولم يُقرأ على مرآتي الحب)) ألا ترى انك واحد من الشعراء الساعين دوماً إلى الحب، والذين يبحثون باستمرار عن الحب، أو الذين يعيشون الحب لكأنك الضائع بين حلقتين، حلقة الحب، وحلقة البحث المطرد عن الحب. ماذا تقول؟ - الحب يعرفني وأعرفه، يلمسني وألمسه، يعيشني وأعيشه.. غير أني (لم أكتب الحبّ) شعراً، بل كنتُ – في قصائدي كلها، التي تجاوز عددها الألفَ – أكتبُ ككائن في وسط الكون، غير محدد ولا متحد مع قضية واحدة (كالحب) الذي يشغل كل تفاصيل حياتي خارج نصوصي الشعرية.. وربما أكون بهذا الديوان أكثر صدقاً وقرباً من (ذاتي) المتلاشية والمتوارية في دواويني السابقة.   # تقول: ((لا تنس نسيان/ أنَّ حياةَ الحياةِ/ قفا نبكيات)). لماذا هذه النظرة المغرقة في التشاؤم، والمنافية لسلوكك في حياتك اليومية؟ - ليس ثمة تشاؤم أو تفاؤل، ولا ثمة حياة يومية! المسألة هنا، كما أريدها، تتعاطى مع (الشعر) منذ امرئ القيس (وقفا نبكياته) وحتى آخر سطر يكتبه شاعر (توقيع).. إذ لا يمكن للذاكرة أن تنتج شيئاً عظيماً كالذي ينتجه (النسيان)! و(حياة الحياة) تختلف كثيراً، بهذا المعنى، عن (الحياة) نفسها.. وكذلك (نسيان النسيان) هو ذاكرة لما لم يكن، حتى يكون.. أو حتى وإن كان لن يكون!   # في قصيدة لك تشكك بكونك إنساناً حيث تقول: ((سألتُ الشيخَ والسلطان/ هل فعلاً أنا إنسان؟)) إذا كنت أنت الميسور، والمتمتع بقدر من الحرية، تشكك بإنسانيتك، فكيف بالطبقات الدنيا التي تعاني الأمرين، لتحظى بما يسدّ رمقها في وطننا العربي الممتد من المحيط إلى الخليج؟ - أنا (المعاناة) ذاتها، لأني أنا (الإنسان)! والقصيدة هنا أتت بصوت (الإنسان) الذي هو أنا، ولا علاقة لذلك بطبقات أو محيط أو خليج، فالمسألة مسألة (الإنسان) كاملاً، وعلاقته الناقصة بأساس تكوينه منذ خلقه الأول وحتى اللحظة التي يتقرّب فيها إلى (الله) وهو لا يدري: أمخيّر هو أم مسيَّر؟!   # تقول: ((كتاباتي سخافاتٌ، وشعري كلّه هذيانْ/ وأفكاري خرافاتٌ/ وموضوعي بلا عنوانْ)) لماذا تصف شعرك بالسخيف، وتلصق به تهمة الهذيان. أنت أصدرت أحد عشر كتاباً، وما تزال تجتهد ليكون لنصك مكان في الخارطة الشعرية السعودية؟ - أيضاً النص هنا يعني (الإنسان) وكتاباته، وسخافاته، وهذيانه، ويعنيني بالدرجة الأولى فقط لأنني (إنسان) لا أقلّ!   # تكثر من استخدام الحوار. كأنك تريد أن تخرج من القصيدة ذات الصوت الواحد. باختصار كيف توظف الحوار، في سياق البناء الدرامي لنصك الشعري؟ - توقف الشاعر والناقد اليمني الكبير د. عبد العزيز المقالح، في قراءته لأحد دواويني الشعرية (الصوت الشارع) قبل أكثر من عشر سنين عند هذه النقطة، وقال: (كثيرة هي القضايا التي تلفت الانتباه في تجربة الشاعر فيصل أكرم، ومنها – على سبيل المثال – الاحتفاء بالإيقاع، هذا الرنين العذب الذي يتصاعد في توازن حميم وينبض بموسيقى هادئة وخالية من الصراخ، ثم هذا الاهتمام الذكي بالقافية والنزوع الواضح إلى الدرامية من خلال الإمساك بناصية الحوار واستنطاق الذات والناس والأشياء، في قصائد تملك ماهيتها في التشكيل).. ولعلي باستقطاعي لهذه الجزئية من مقالة د. المقالح، أكون أبديتُ موافقتي على ما جاء فيها، وأنها – برأيي – تعطي أفضل إجابة عن سؤالك حول الدرامية وحوار الذات والأشياء من حولها.   # الشعر هو كلام على كلام على كلام. والواحد منا هو نسيج شعراء متعددين، هل لنا أن نعرف الآباء الذين تعتزّ بالانتماء إليهم؟ - الشنفرى.. ثم الشنفرى.. ثم الشنفرى، وأقول (الشنفرى) ليس للتقنية اللغوية في (لاميته) بل لأن قصيدته تشبهه، وأنا أزعم دائماً أن قصيدتي تشبهني! وهذا ما لم أجده عند آبائي الآخرين – وما أكثرهم!   # أين هو مكانك في الخارطة الشعرية السعودية؟ - توجد (خارطة) للملكة العربية السعودية، معروفة للجميع، ولكني لم أسمع (ولن أسمح!) بوجود (خارطة شعرية) لكل دولة عربية على حدة.. فالشعر (العربيّ) يجب أن يكون ضمن (خارطة) الشعر العربيّ، وإن سألتَ عن (مكان) شاعر (عربيّ) فالجواب لا يكون إلاّ ببحثٍ حياديّ أنادي به دائماً وأدعو المؤسسات الرسمية في العالم العربي لإنشاء (مراكز) بحوث متخصصة في رصد كل الآثار التي أحدثها الشعراءُ، ويرسمونها بدقة، حتى نستطيع معاً التعرف على مكانك ومكاني..!   # لماذا لم تنجب المملكة العربية السعودية – على الرغم من كثرة المبدعين – الشاعر الذي يستحق أن يكون نجماً، اسوة بنـزار قباني، أو محمود درويش، أو أدونيس؟! - (لقد حلم نزار قباني ابن دمشق الخضراء بأن يعمم شعر الحب كالخبز منذ ثلاثين عاماً، ونجح، حتى جاء الشعراء المقاومون ليعمموا شعر النضال ليصبح الشمس والهواء لجميع المساجين خلف القضبان وبلا قضبان).. اجتزأتُ الكلمة السابقة من مقدمة مطاع صفدي لديوان سميح القاسم، فقد وجدتُ فيها تلخيصاً لمبررات انتشار ما اصطلح على تسميته (شعر القضية) أو (قضية الشعر) – سيان – غير أنهما، وأعني المسميين، يختلفان جذرياً عمّا يظنه البعض في الموازاة، بينما هو لا يعدو أن يكون (الشعر في قضية) ويخلو من كل (قضيةٍ في الشعر).. ذلك أن (شعر الحب) ليس بقضية جديدة، إنما هو تيار من تيارات الشعر مثله مثل شعر المديح أو الهجاء أو الرثاء، غير أن الجديد، والذي هو (حلم) نزار قباني الذي اشتغل على تحقيقه يتمثل في (تعميم) شعر الحب ليكون (كالخبز).. كما أن نزار قباني نفسه لم يكن يباشر التحريض على (شعر الحب) حتى يعممه، بل كان هو بذاته يتنفس (الحب) ويكتبه شعراً ليستطعمه كل يوم، تماماً كالخبز، فكان هو القضية بذاتها..! كذلك شعر سميح القاسم ومحمود درويش - كأعلى مثلين لشعراء المقاومة الفلسطينية، لم يكن شعراً يتبنى المقاومة أو يحضّ عليها أو يدعمها، بل كان هو في ذاته، كشعر، يتمثل عملاً (نضالياً) يقاوم الاحتلال مقاومة شعرية نابعة من كينونة الشعر والشاعر معاً، وليست مرسلة من طرف إلى طرف، وحتما ليست كالوعاء الذي يُصبُّ فيه شيءٌ ليكون ممتلئاً بشيء؛ لذا استحق عن جدارة أن يكون في صدارة القضية، لأنه بحتمية القدر كوّن قضيته (الشعرية) من صميم القضية (النضالية) الكبرى، فكان هو قضية بحد ذاته..! تلك هي المعادلة (الشفرة) التي تغيب عن ذهنية كثير من الشعراء حين يحاولون أن يكونوا (أصحاب قضايا جماهيرية) تجعل منهم (نجوماً)، في حين أنهم لا يمتلكون من تلك القضايا التي يطمحون إليها سوى ما يمتلكه المتابع عن بعد لمجريات الأحداث بتعاطف لا يرقى – ويستحيل أن يرقى – إلى التوحد مع القضية، ومن ثم إنتاج العمل الذي يحسب ويضاف من القضية وإليها. على ذلك يمكن أن نقرأ، باهتمام، شعراً يمثل (قضية شخصية).. في حين نتجاوز، بتهميش، ما عداه من شعر مكتوب من أجل (قضايا جماهيرية) لم ولن يمثلها أبداً – وما أكثره! وعلى هذا القياس، فنزار قباني ومحمود درويش وأدونيس شعراء كبار لهم جماهيرهم (أو قضاياهم الجماهيرية).. وفي السعودية الآن – كما في غيرها من الدول العربية – يوجد شعراء كبار ولكنهم يفتقدون الجماهير (أو القضايا الجماهيرية). تلك هي (الشفرة) التي لم أزعم يوماً أنني أحاول الوصول إلى حلّها، فأنا – بطبعي – لا أحبُّ أن أكون (شاعراً جماهيرياً) – ولا نجماً - وقضيتي كذلك شخصية أكثر منها جماهيرية، لذا أتمنى فقط أن أكون (شاعراً مقروءاً)؛ فحتى وسيلتي التي أتقنها جيداً تتمثل في (الكتابة) وليس (الإنشاد). هذا جوابي عن سؤالك، إن شئت الاختصار، وإن شئت الإطالة فسأختصر أيضاً وأقول: هناك جهات يزعجها جداً أن يظهر في دولة (نفطية) كالسعودية نجمٌ في مجالات الفكر والشعر والأدب، وتلك الجهات – أو القائمون على تلك الجهات – يعملون كل جهودهم من أجل تعطيل ظهور تلك النجومية من ذلك المكان وتعميمها على كل البلاد العربية؛ وكمثال صغير سأضربه عن تجربتي فقط أقول: ثمة مقالات ودراسات في غاية الأهمية كتبها مثقفون كبار في صحف عربية كبيرة، وأفاجأ بعد فترة من نشرها أن جهاتٍ (ثقافية – بعضها رسميّ) تتكبد عناء جمع وإعداد كلَّ ما كتبه كلُّ أولئك المثقفين الكبار عن تجارب (الشعراء العرب المعاصرين) لتصدر في كتب، ربما فقط من أجل إسقاط (أو إغفال أو إلغاء أو حذف – سمِّه ما شئت) كلّ دراسةٍ كُتبتْ عن شاعر (عربيّ سعوديّ) معاصر مثلي! .. أتمنى أن يكون المعنى قد وصل إليكَ، كما وصل إليّ..   عن مجلة (الشراع) العدد 1488 الاثنين 11 نيسان – أبريل 2011      

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل