المحتوى الرئيسى
worldcup2018

شاهد على عملية الفردان

04/13 19:20

الشاهد ممدوح نوفل ، القائد العسكري السابق في الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين ، و الذي تحدّث عن سياسة الاغتيالات التي تنتهجها (إسرائيل) وبشهادته المكتوبة عن عملية فردان بعد أكثر من 27 عاماً على وقوعها ، وهي شهادة حافلة ليس فقط بالوقائع كما رآها شاهد عيان ، بل أيضاً بما يمكن استخلاصه منها من دروس من خلال ما ذكره نوفل من أحداث على هامش الحدث ميّزت تلك الفترة في بيروت . في البداية يرسم نوفل مشهداً مهما عشية وقوع الحدث (في النصف الأول من العام 1973 صعّدت قوات الثورة نشاطها العسكري من جنوب لبنان ، و مس بعضه سكان القرى و المستعمرات الصهيونية الواقعة على الحدود الشمالية ، و خشيت القيادة الصهيونية من تمركز قوات م.ت.ف على حدودها الشمالية ، و من تطوّر قدراتها العسكرية و تحولها إلى قوة جدية مزعجة ووجهت الحكومة الصهيونية أكثر من رسالة رسمية تحذيرية للسلطات اللبنانية ، طالبتها بالسيطرة على نشاط (المخربين) الفلسطينيين ، و ضبط وجودهم على أراضيها ، و منعهم من القيام بعمليات (تخريبية) من أراضيها . و لم تتوانَ في الرد على العمليات القتالية الناجحة التي نفّذها مقاتلو فصائل الثورة . و زادت من غاراتها الجوية و قصفها المدفعي ضد مواقع الفلسطينيين في الجنوب و البقاع و العرقوب . و يضيف نوفل : (في العاشر من نسيان 1973 ، و بعد تحضيرات استخبارية استمرت شهرين ، نفّذت القوات الصهيونية الخاصة من سرية الأركان عملية خاصة جريئة محكمة التخطيط ، في قلب العاصمة اللبنانية ، دخلت القوات الصهيونية بيروت عن طريق البحر ، و كان رجال و عملاء الموساد قد سبقوهم بجوازات سفر أوروبية و أمريكية ، و أقاموا في فنادقها و استأجروا 7سيارات مدنية في حينه ، و هاجمت القوة الصهيونية في وقتٍ واحد ، المقر المركزي للجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين في الفاكهاني ، إحدى ضواحي بيروت الغربية ، و منازل قادة م.ت.ف كمال عدوان عضو اللجنة المركزية لحركة فتح و أبو يوسف النجار عضو اللجنة المركزية لحركة فتح و كمال ناصر عضو اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير ، و كانت معلوماتها تشير إلى أن الأول قائد جماعة أيلول الأسود ، و الثاني مسؤول عمليات فتح في (إسرائيل) ، و الثالث ناطق رسمي باسم عرفات و م.ت.ف . و يشير نوفل إلى أنه (نجحت المجموعة الأولى بقيادة (إيهود باراك) في الوصول إلى هدفها ، و اغتالت القادة الثلاث في منازلهم ، و نسفت الثانية بقيادة (آمنون شاحاك) بصورة جزئية مقر الجبهة الديمقراطية في منطقة الفاكهاني قرب المدينة الرياضية ، في حينه اشتبكت معهم مجموعة حراسة مقر الجبهة ، و قتل من القوة المهاجمة جنديان من قوات المظلات (أبيدع شور و حجاي معيان) و فقدت القوة المهاجمة عنصر المفاجأة ، و لم تتمكن من العمل بحرية تامة ، و لم تحقق هدفها كاملاً ، فبعد اغتيال المجموعة الصهيونية الحارس المركزي أمام مدخل البناية بواسطة مسدس كاتم الصوت ، أطلقت عليها نيران غزيرة ، من قبل كمين جانبي نصب في حينه ، للدفاع عن مقر الجبهة الديمقراطية من هجومٍ كان متوقعاً أن ينفّذه تنظيم القيادة العامة بزعامة أحمد جبريل . ويمكن أن يشكّل ما ذكره نوفل ، و قبل ذلك القائد الفلسطيني صلاح خلف (أبو إياد) في حديثه ، في مكان آخر عن عملية فردان ، صدمة للقارئ ، حتى لو كان متابعاً لتلك المشاحنات التي سادت لفترة طويلة بين فصائل العمل الوطني الفلسطيني . و لكن لماذا كانت الجبهة الديمقراطية مستعدة لهجوم أحمد جبريل المتوقع ، و ما هو السبب الذي يجعل أحمد جبريل مصدراً متوقعاً لهجوم على الديمقراطية ؟! .. يجيب نوفل : (كانت المشاحنات السياسية بين الجبهة الديمقراطية (و تنظيم جبريل) حول البرنامج السياسي المرحلي على أشدها ، و تطورت إلى صدامات مسلحة في مخيم تل الزعتر ، و استشهد دفاعاً عن البرنامج ، قائد قوات الجبهة في مخيم عين الحلوة ، النقيب المناضل (فايز خلدون) ابن التعامرة المجاورة لمدينة بيت لحم . وعلى أرض الواقع و أثناء إدلاء نوفل بشهادته فإن الذي (تحقّق) للفلسطينيين على أرض الواقع كان أقل بما لا يذكر عن مشروع البرنامج المرحلي الذي قدمت الجبهة الديمقراطية شهداء (دفاعاً عنه) و كذلك أيضاً بالنسبة لبرنامج أحمد جبريل الذي أصبح تنظيمه فاعلاً ضعيفاً في العمل الفلسطيني . و بعد أن سمع نوفل صوت الرصاص الكثيف و الانفجارات غادر منزله القريب من مقر الجبهة المستهدف (و توجهت راجلاً لاستطلاع ما يجري ، و كنت واثقاً من أن حرس المقر اشتبك مع مجموعات القيادة العامة ، و كم كانت مفاجأتي كبيرة عندما منعني أفراد مجموعة الحراسة (الكمين) من الاقتراب من مبنى المقر قائلين : موقعنا تعرّض لهجوم (إسرائيلي) و حاولت المجموعة (الإسرائيلية) نسف المقر بمن فيه ، اشتبكنا معهم و أوقعنا خسائر في صفوفهم ، و هناك احتمال وجود متفجرات موقوتة و ألغام لم تنفجر. يقول نوفل : (في حينه لم أصدق أقوال الرفاق ، إلا بعد أن سلّمني أحدهم مسدساً "إسرائيلياً" عيار 6 ملم كاتم للصوت ، يحمل شعار نجمة داود . و تبين لي كما قال الحرس ، إن القوات الصهيونية هاجمت المقر في سيارتين مدنيّتين تحرسهما من بعيد سيارة جيب عسكرية ، تشبه تماماً سيارات قوات الدرك اللبناني ، خلال عمليات مسح و تفتيش المقر و تنظيفه من المتفجرات ، تم العثور على مزيد من المسدسات و القنابل و المتفجرات ، تحمل علامات جيش الدفاع (الإسرائيلي) . و ظهرت بقع دماء على الأرض . و يضيف نوفل : (خلال وجودي حضر إلى المكان أحد أفراد حرس (أبو إياد) صلاح خلف ، و همس قائلاً "الأخ أبو إياد موجود في المبنى المقابل و يريد أن يراك" ، تحركت مباشرة إلى حيث يوجد أبو إياد ، و استغربت وجوده في ذلك المكتب الفرعي التابع لأمن فتح ، و علمت أن المصادفة قادته إلى المكان و قبل السلام بادرني بالقول : (هل هذا وقت الاشتباك مع القيادة العامة ، فأنت تعرف أن المشكلة ليست مع أحمد جبريل بل مع من يقف خلفه) ، و كان يقصد المخابرات السورية . و لم يصدّق أن الاشتباك كان مع مجموعات الكوماندوز "الإسرائيلية" ، إلا بعد أن أبرزت له مخلفات المجموعة المهاجمة ، عندها قال : (ضاعت علينا فرصة اصطيادهم فقد كانون تحت مرمى نيران حراستي) . و فوراً أصدر أوامره للأجهزة الأمنية الفتحاوية بالتحرك فوراً باتجاه شواطئ بيروت و الجنوب ، على أمل اللحاق بالقوة "الإسرائيلية" قبل صعودها البحر . و كان تقديرنا أنهم قدِموا من البحر بمساعدة عملائهم في السلطة اللبنانية ، و سينسحبون بواسطة زوارق تنتظرهم في نقطة ما على الشاطئ . لاحقاً ، بيّنت مخلفاتهم بأنهم قدموا من البحر و غادروا بيروت بسلام ، كما وصلوا دون أن تقع بهم إصابات باستثناء تلك التي لحقت بهم أثناء هجومهم على مقر الجبهة الديمقراطية . و يعتقد نوفل بأن (العملية اعتمدت على عمل استخباري دقيق و أن مجموعاتها دخلت قلب بيروت بعدما هيأ لها عملاء الموساد المحليين ما يلزم من سيارات و مرشدين . و فعلاً عثرت مجموعات فتح على عددٍ من السيارات المدنية متروكة على الشاطئ الأوزاعي ، جنوب بيروت أحدها يحمل آثار دماء . بعد مقابلة نوفل لأبي إياد و معرفة الأخير بما حدث ذلك طلب أبو إياد من مرافقيه البحث عن أبي عمار و أبي جهاد (و بعد دقائق معدودة اتصل أبو عمار و قال : سأرسل لكم سيارة للحضور لطرفي بسرعة ، و فهمنا منه أنه موجود في مكتب أبو شاكر (إبراهيم قليلات) قائد قوات (المرابطون) و أن عدة مجموعات صهيونية دخلت بيروت ، و نجحت في اغتيال أبو يوسف النجار في منزله . بعد المكالمة الهاتفية تحرك أبو إياد ، تحت حراسة مشددة ، باتجاه المقر المركزي للمرابطين ، الواقع في حي أبو شاكر على كورنيش المزرعة في المقر كان حشد من قادة القوى و الأحزاب الوطنية اللبنانية و الفلسطينية يتوافدون ، و يتبادلون المتوفّر من المعلومات حول ما حصل ، و يجرون الاتصالات اللازمة مع الجهات المعنية في السلطة اللبنانية . روى نوفل للموجودين ما حدث أثناء عملية الهجوم على مقر الجبهة الديمقراطية (و سمعنا ما روي حول استشهاد أبو يوسف النجار . و أوعز أبو عمار للأجهزة الأمنية الفلسطينية بالاتصال ببيوت القادة الفلسطينيين دون استثناء ، و زيارتها كلها و شدّد على زيارة البيوت التي يتعذر الاتصال الهاتفي معها . و بعد دقائق قليلة أبلغ الحاضرون باغتيال (كمال عدوان) و بعدها نقل خبر استشهاد (كمال ناصر) و فوجئ الجميع ، بأن كمال ناصر هو الوحيد الذي أتيحت له فرصة استخدام سلاحه ، و أنه بالفعل أطلق النار على قاتليه الصهاينة ، علما أنه كان يكره حمل السلاح ، و لا يحب أن يكون معه مرافقون ، و كان يعتبرهم أقرب إلى السجانين يحدّون من الحركة و يقيّدون نمط الحياة العادية . و كانت لتلك العملية تداعياتها الأخرى ، يقول نوفل : (حملت قيادة م.ت.ف الحكومة اللبنانية قسطاً رئيسياً من المسؤولية عن دخول القوات الصهيونية قلب بيروت ، و نجاحها في الوصول إلى بيوت القادة الثلاثة . و وجّهت اتهامات علنية للمكتب الثاني اللبناني (المخابرات اللبنانية) و بعض رموز قيادة الجيش اللبناني ، بالتواطؤ مع "الإسرائيليين . و يضيف : (و لاحقاً شيّعت بيروت القادة الثلاثة في جنازة مهيبة شارك فيها جميع قادة الأحزاب الوطنية و بعض قادة القوى و الأحزاب المارونية ، و كان ضمنهم (بيار الجميل) زعيم حزب الكتائب . و ألقى زعماء المسلمين الذين شاركوا في الجنازة خطباً رنانة هاجموا فيها تواطؤ السلطة اللبنانية ، و طعنوا في تركيب أجهزتها و مؤسساتها المدنية و الأمنية ، و طالبوا بإقالة الجيش . و تحدّث بعضهم عن المقاومة الفلسطينية ، و كأنها جيش المسلمين في لبنان . و كانت الجنازة فرصة مهمة ، استعرضت فيها قيادة م.ت.ف أسلحتها و قدراتها العسكرية و الجماهيرية بطريقة أقلقت السلطات اللبنانية ، و نبّهت أجهزتها الأمنية و أرعبت بعض القوى المسيحية المتزمتة التي رأت في منظمة التحرير قوة أخلت بالتوازن الداخلي لصالح المسلمين ، عامة ، و السنة على وجه الخصوص . و رغم علمانية الحركة الوطنية اللبنانية ، و تبوّء كثير من المسيحيين مراكز قيادية أولى فيها ، إلا أن تخوّفات الحركة السياسية المسيحية كان لها ما يبررها في بلدٍ تنخره الطائفية الدينية و السياسية . و لم يكن ذلك كل شيء ، فهناك نتائج هامة أخرى أسفرت عنها عملية اغتيال القادة الثلاثة في فردان ، فبعد هذه العملية ، كما يقول نوفل (أصبحت قيادة م.ت.ف مجبرة على إبلاء وجودها في لبنان اهتماماً استثنائياً ، و راحت تعطي مسألة حماية وجودها أهمية كبيرة ، و بدأت تغرق تدريجياً في الأوضاع اللبنانية الداخلية ، و نسيت ما استخلصته من دروس تجربتها في الأردن. و يضيف : (و مع كل خطوة كانت تخطوها داخل المستنقع اللبناني ، كانت تبتعد أكثر فأكثر عن عملها السياسي داخل الأراضي الفلسطينية . و حلّ دون قرار ، شعار الدفاع عن الوجود الفلسطيني المدني و المسلح في لبنان ، مكان شعار تصعيد و نقل الكفاح المسلح إلى داخل الأراضي المحتلة . و راحت تعزز تسليح المخيمات الفلسطينية ، و شجّعت القوى الوطنية اللبنانية للتدرّب على السلاح و بناء تشكيلات عسكرية خاصة بها . و عملت على تجنيد أعداد كبيرة من الشباب الوطني اللبناني ، و بدأت تتدخل مباشرة في الشؤون السياسية و الحزبية و الاجتماعية اللبنانية . و بقي احتلال "إسرائيل" عام 1967 لكلّ فلسطين و لأجزاء واسعة من الأراضي العربية السورية و المصرية قائماً و تقلصت كلفته . و قبل أن يتحدث نوفل بسنوات ، كان الزعيم الفلسطيني صلاح خلف (أبو إياد) قدّم شهادته عن ما حدث في (ربيع فردان) ، في كتابه فلسطيني بلا هوية ، و ربط ذلك بالأجواء التي أعقبت عملية ميونخ ، حيث تواصلت حرب الأشباح بين المخابرات الصهيونية و الفلسطينيين ، و بدأت كما هو معلوم بالاغتيالات و إرسال الطرود الملغومة و التي طالت مسؤولين فلسطينيين في مختلف العواصم العربية و العالمية ، و بالرد الفلسطيني بتنفيذ عمليات ناجحة طالت رجال للموساد في عواصم مختلفة أيضاً ، و من بين ما قام به الفلسطينيون محاولتان استهدفتا مقر سفير "إسرائيل" في نيقوسيا و الأخرى ضد طائرة تابعة لشركة العال الصهيونية كانت جاثمة في مطار قبرص ، كان ذلك في التاسع من نيسان ، و في اليوم التالي كانت وحدات الكومنادوز الصهيوني تنزل إلى بيروت و تغتال القادة الثلاثة .

Comments

عاجل