المحتوى الرئيسى

د. حلمي القاعود يكتب عن: البيومي.. العالم الأديب

04/13 14:56

جاءت وفاة العالم الجليل والأديب الكبير محمد رجب البيومي يوم السبت الخامس من شهر فبراير 2011م، في غمرة الأحداث الكبرى التي شهدتها مصر بعد تفجر ثورة الشعب الفريدة في التاريخ فلم يلتفت إلى وفاته أحد من أهل الإعلام، أو الأخبار غير نعي قصير مدفوع الأجر نشرته مشيخة الأزهر في صفحة الوفيات بـ(الأهرام)، ومقال نشره أحد تلاميذه في صحيفة أسبوعية.   وقد عرفت البيومي منذ خمسين سنة تقريبًا قارئًا لكتبه ومتابعًا لمقالاته، كما عرفته شخصيًّا بعد حين، وساعدني في بحوثي ودراساتي، ورأيت فيه نموذجًا للأديب الجاد المخلص لرسالته القائمة على التصور الإسلامي، وقد بهرني بقدرته على الحفظ وهيمنته على الكتابة وقدرته على الصياغة الجميلة التلقائية بطريقة لا تتوافر لكثيرين لدرجة أنه يكتبه فهو يملك ناصية التعبير والنحو والبلاغة كأنها سليقة فيه وطبع أصيل غير مكتسب، وقد ساعدته هذه الخاصية على إقامة الحجة على كثيرٍ من الكتاب الذين يخاصمون الإسلام أو يعادونه بسرعة فائقة.   البيومي والجوائز ومع أن الرجل أحرز كثيرًا من الجوائز الأدبية في شبابه، وخاصةً جوائز مجمع اللغة العربية بالقاهرة لدرجة أن لجنة الجوائز وضعت شروطًا لتتيح لغيره من المتقدمين فرصة الفوز، وتحد من فوزه فإن الجوائز التي تمنحها وزارة الثقافة المصرية لم تعرف طريقها إليه بسبب دفاعه عن الإسلام، وكان يقول لمَن حوله حين يسألونه عن عدم فوزه بجوائز الدولة: إنني أبحث عن جائزةٍ من الله.   لقد قدَّم البيومي إنتاجًا أدبيًّا غزيرًا في مختلف فروع اللغة العربية والدراسات الإسلامية، وكان حريصًا على نشر ما يكتبه بأية صورة، وفي أي مكان ولو لم يكن هناك عائد مادي من وراء نشره، ذلك لخدمة القراء والدين واللغة الأدب. وذات مرة كنا نتشاكى مما يفعله بعض الناشرين فأخبرني أنه يقبل نشر كتبه دون عائد لتكون بين يدي القراء بدلاً من أن تضيع أصولها هنا، أو هناك في حياته أو بعد مماته..!   كتب البيومي موسوعة مهمة ورائعة ترجم فيها للنهضة الإسلامية الحديثة من خلال أعلام الإسلام في خمسة مجلدات ضخمة، وفي الجزء الأخير ترجم لنفسه على غرار ما كان يفعله بعض السلف الصالح من الكتاب والمؤلفين.   كتب البيومي في مجلة (الرسالة) الشهيرة منذ عام 1948م، وكان صديقًا شخصيًّا لأحمد حسن الزيات، والإمام عبد الحليم محمود، والشيخ محمود شلتوت، والشيخ محمد سيد طنطاوي، وهو تلميذ محمد فريد وجدي، ومحب الدين الخطيب.   حصاد الدمع وقد عمل مدرسًا بالإسكندرية عام 1948م ثم بالفيوم ولفت انتباه وزير التعليم آنذاك ثم عمل أستاذًا بجامعة الأزهر، وأعير إلى السعودية، وكوَّن صداقةً قويةً بصاحب مجلة (المنهل) وأثناء الإعارة فقد زوجته وألف ديون حصاد الدمع الذي خصصه كاملاً في رثاء زوجه، وأم عياله، وذكر فضائلها، ومآثرها الكبير على حياته مما يدل على عظم وفائه.   ومن هذا الديوان قوله: فقدت التي كانت تزود سريرتي      فما دونها ستر على النفس يسدل ترى غصصًا في غور نفسي دفينة           فتعلماه علم اليقين وأجهل فتغدو نطاسيًّا يعالج مدنفًا         ليبرئه من دائه وهو معضل أجل هي كانت في البلايا طبيبتي         فيا لجراح بعدها ليس تدمل فكانت نعيم الله يبهج منزلي        وها هو ذا عن وجهتي يتحول تعمر صباها الغض في موحش الثرى       لقد كدت أهوى للثرى فأقبل هيامًا به إذ صار منزل حسنها       فما شاقني من بعدها اليوم منزل إذا صاحت الأطفال "ماما" فإنني       بوازوجتا  ما بين نفسي أولول   وبعد العودة من عمله بالسعودية عُين عميدًا لكلية اللغة العربية بالمنصورة لمدة عشر سنوات.   وقد تولى في عهد شيخ الأزهر السابق محمد سيد طنطاوي- يرحمه الله- تحرير مجلة (الأزهر)، فانقطعتُ عن الكتابة فيها كيلا أحرجه؛ فالذي كان بيني وبين شيخ الأزهر آنئذ بسبب آرائه وبعض الفتاوى التي أصدرها، يضع البيومي في حرج كبير خاصة أن الشيخ كان ضيق الصدر لا يتسامح مع مخالفيه، وكان البيومي يعرف ذلك، ويحمد لي أنني لم أعرضه لحساسية الشيخ!   الرجل المسلم كان البيومي الإنسان رجلاً مسلمًا على أبعد الحدود، ولم تعرف عنه حدة في الجدال، أو الحوار لذا لا تجد له خصومات شخصية في المحيط الثقافي، أو الجامعي لقد كان هادئًا بطبعه.   وقد انعكست طبيعته المسالمة على علاقاته بالسياسة فلم يأخذ موقفًا حادًّا من السلطة، وإن كان يعارض المواقف التي تخالف الإسلام والحرية من خلال مواقف بعض الكتاب والمثقفين، بل إنه في حواره مع أصحاب هذه المواقف يفضل في الغالب ألا يذكر أسماءهم، اللهم إلا إذا كانوا من الجانب، أو من الراحلين.   ولعل الموقف البسيط الذي تعرض له وهو مدرس في معهد المعلمات بالإسكندرية بعد انقلاب يوليو 1952م، يكشف لنا عن طبيعته المسالمة فقد كانت فسحة الغداء في اليوم المدرسي طويلة، وكان زملاؤه المدرسون يلقون كلمات وطنية وقد تكرر حديثهم عن ثورة الجيش ومحو الإقطاع وإلغاء ألقاب وحرب القناة، ورأى أن الطالبات ينسحبن ولا يسمعن، فراح البيومي في يومه الأسبوعي يتحدث عن الشهيرات من نساء الإسلام كعائشة وخديجة والخيزران وزبيدة والخنساء.. فوجد إقبالاً منقطعَ النظير، وكأن أحد الزملاء غاظه هذا التوفيق فكتب إلى المباحث خطابًا مجهولاً التوقيع يقول: إنه معروف بميوله الخاصة للإخوان المسلمين، لذلك لم يتحدث عن أعمال الثورة المجيدة، وترك الخطاب أثره فإذا بزائر رسمي يأتي إلى مكتب عميدة معهد المعلمات ليسألها عن ميوله الإخوانية، فتشجعت العميدة شجاعة باسلة وقالت: لم أعرف عنه، ولم أسمع عنه إلا كل ولاء وتقدير للثورة، قال الزائر: ولكنه لم يتحدث إلا عن النساء المسلمات مثل عائشة، وخديجة، ولم يكن كبقية الزملاء فابتسمت، وقالت في وداعة: الطالبات شكون لي أن الحديث متكرر يسمعنه في الإذاعة المدرسية، والإذاعة العامة ويقرأنه في الجرائد اليومية، وهن لا يستفدن منه، وأمام هذه الشكوى طلبت من الأستاذ أن يختار شخصيات نسائية من التاريخ لتجبر الطالبات على الاستماع ولا يتهربن، لقد تحدث بأمري وتوجيهي، قال الزائر: حديثك معقول.. وهنا قالت هل هناك صلة بين عائشة والخنساء والإخوان المسلمين؟! فخرج الزائر دون أن يستوجبه، وعلم البيومي بما كان فهرع إلى السيدة الفاضلة يشكرها!.   وهذه القصة تكشف لنا أن الرجل أقرب إلى الموادعة وليست لديه طاقة الدخول في الصراعات المحتدمة، وكثيرًا ما كان يلجأ إلى التاريخ ليعبر من خلاله عن أفكاره ورؤاه وتصوراته إزاء ما يشغله من أحداث وأحوال معاصرة.   البيئة الطيبة لقد نشأ البيومي في بيئة طيبة، وتعد أسرته من الأسر الريفية المثقفة المتدينة التي نالت فيها الأم قسطًا معقولاً من التعليم انعكس على ابنها؛ حيث علمته الكتابة وحفظته سورًا من القرآن الكريم، ووجهته الوجهة الدينية بحثِّه على الصلاة، والالتزام بالأخلاق الإسلامية، وقد سجل كثيرًا من ذكرياته الأسرية والإنسانية على مدى العقود الثلاثة الأخيرة في مجلة (المنهل) السعودية.   ويمكن القول إن البيومي في تربيته الإسلامية، ودراسته الأزهرية مع ذكاء فطري، وذاكرة قوية فوق العادية، وموهبة أدبية ملحوظة قد أهلته ليكون باحثًا دؤوبًا وشاعرًا فحلاً وقصاصًا شائقًا وكاتبًا للأطفال، فضلاً عن كونه ناقدًا منصفًا ومنافحًا عن الشريعة والعقيدة والهوية الثقافية بكل قوة وإخلاص.   وكان حصاد ما قدمه للمكتبة العربية عشرات من الكتب المهمة؛ منها: البيان القرآني، والبيان النبوي، وخطوات التفسير البياني، والتفسير القرآني، وآداب السيرة النبوية، والأدب الأندلسي، والنقد الأدبي للشعر الجاهلي، ودراسات أدبية (4 أجزاء)، النهضة الإسلامية في سير أعلامها المعاصرين (5 أجزاء)، الأزهر بين السياسة وحرية الفكر، مواقف خالدة لعلماء الإسلام.   وفي المجال الإبداعي أصدر عددًا من الدواوين منها: من نبغ غسان وانتصار وفوق الأبوة (في كتاب واحد)، وله من الأعمال القصصية: فاتنة الخورنق، ومن القصص الإسلامي (جزءان)، ومن قصص الأطفال: المغامر الشجاع، والمهمة العالية، ومؤامرة فاشلة، والفارس الوفي، ويوم المجد، ودجال القرية، والحبل الأسود، والفتاة المثالية، وإلى الأندلس، ورحلة الخير، والله معي، وبطل شيبان، وإلى الإسلام.   لقد رحل محمد رجب البيومي إلى رحمة الله تاركًا وراءه من الآثار العلمية والأدبية ما يخدم به وطنه وأمته، وهو تحت التراب وما يثيبه الله عليه نتيجة إخلاصه ودفاعه عن الوطن والأمة والدين.. نحسبه كذلك ولا نزكي على الله أحدًا، وثقتنا في الله كبيرة أنه سيحصل على جائزة كبرى أكبر من جوائز الدولة وغيرها.   يرحم الله محمد رجب البيومي رحمة واسعة.

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل