المحتوى الرئيسى

فشل الأسواق في حل معضلة السكن

04/13 06:48

سعود بن هاشم جليدان أتقدم بالشكر الجزيل للأخ خالد العثمان على مقالته المنشورة في جريدة "الاقتصادية" الغراء بتاريخ 7/3/2011م والمعنونة "قضية الإسكان وجدلية الحل"، والذي رد فيه على ما ورد في مقالتي المنشورة في جريدة "الاقتصادية" بتاريخ 3/3/2011م والمعنونة "حلحلة أزمة السكن". وهنا أحب أن أشير إلى أني لا أريد ولا أود الدخول في جدل حول أي شيء بما في ذلك مقالاتي، فالجدل عموما مكروه وممقوت لأن المجادل يحاول بالحق والباطل إثبات خطأ الرأي الآخر. وبدلا من ذلك، أحبذ المناقشة والحوار الهادئ حول كل القضايا لأن ذلك أنبل من الجدل، حيث الغرض من ذلك الوصول إلى ما فيه المنفعة العامة دون الإضرار بأحد أو التعدي على أحد. وعموما فإني أرجو أن تسهم مقالاتي البسيطة في زيادة الوعي، والوصول إلى الحقيقة، ورفع الكفاءة، وتعظيم الرفاهية الاجتماعية، وإثراء النقاش حول القضايا التي تهم البلاد والعباد، وإيضاح وجهة نظري. ولهذا أرحب بالنقد البناء لكل الأفكار التي أطرحها والتي تحتمل الخطأ والنقص شأن كل الأعمال البشرية. ويرى الأستاذ خالد في رده على مقالتي أن صندوق التنمية العقارية ومنح الأراضي هما اللذان أديا لأزمة السكن الحالية، حيث حولا المملكة إلى بلد الأربعة ملايين مقاول. وأحب أن أشير هنا إلى أني لم أتطرق لموضوع منح الأراضي، والتي لم يحالف الحظ في الحصول عليها إلا جزء بسيط من سكان المملكة، حيث أدى التوقف عن منح المستحقين لأراض سكنية ملائمة إلى أزمة الأراضي الحالية وليس العكس، فلو حصلت كل عائلة على منحة أرض في مناطق صالحة للسكن وحصلت على قرض من صندوق التنمية العقارية لما ارتفعت أسعار الأراضي إلى المستويات الخيالية ولما كانت هناك مشكلة سكن حالية ولا مستقبلية. أما اتهام الأخ خالد بأن الصندوق هو الذي رسخ ثقافة البناء الفردي فهو مجانب للحقيقة، حيث لم يشترط صندوق التنمية العقارية على أي من متلقي قروضه مبدأ البناء الفردي، بل ترك الأمر لتقدير ملتقي القروض، كما أنه فتح الباب أمام المستفيدين من القروض لشراء مساكن جاهزة. أما قيام متلقي القروض بعملية البناء الذاتية فحدث لعدم وجود مطورين أكفاء ومستعدين لبناء منازل مناسبة وبأسعار مناسبة. إن المطورين العقاريين بوجه عام فشلوا في تطوير حتى قطع أراضٍ صالحة للسكن وبأسعار معقولة، ناهيك عن بناء مساكن ملائمة للأسر السعودية وبمواصفات ومساحات وأسعار مناسبة. وقد سعى الكثير منهم وقدر المستطاع والواسطة والفساد إلى التحايل على أنظمة تطوير الأراضي وتحقيق أرباح خيالية، بل وأدت ممارسات المطورين العقاريين على مر السنين إلى أزمة السكن الحالية، حيث عمد المطورون العقاريون إلى تجميد مساحات شاسعة من الأراضي في ظل غياب سياسات رادعة لتجميد الأراضي الصالحة للسكن في المدن. فهل من المتوقع بعد كل هذا أن ينجح المطورون العقاريون في إيجاد منتجات سكنية مناسبة وبأسعار مناسبة، وقد بذل الكثير منهم جهودا مضنية قانونية وغير قانونية للتحايل على سياسات تطوير الأراضي، وأزمة السيول في جدة هي أصدق مثال على فساد الكثير من المطورين العقاريين. لقد اعتمد معظم المواطنين على أنفسهم بسبب فشل الأسواق الذريع في إعداد منازل جاهزة. فالأغلبية الساحقة من المنتجات السكنية الجاهزة أو المعلبة التي يعرضها المطورون العقاريون إما أن تكون مسعرة بأسعار فلكية، وإما أن تكون مبنية بمواد بناء ومواصفات فنية سيئة وتصاميم غير مقبولة وغش واضح للعيان، وإما أن تكون مقامة في مواقع غير مرغوبة وبمساحات صغيرة جدا. إن تجربة الكثير من المواطنين مع المطورين العقاريين سيئة بما في ذلك كبار شركات التطوير العقاري والتي تجيد فن الدعاية والإعلام ولكنها لا تجيد فن التشييد والبناء. ومع قلة خبرة كثير من المواطنين في فن البناء والتشييد، إلا أن أداءهم في هذا المجال أفضل من أداء المطورين العقاريين المتخصصين وأفضل جودة وأقل كلفة. إن من حق المواطن المسكين في هذا البلد الذي أنعم عليه بثروات طائلة أن يتملك مسكنا جيدا وبمساحة معقولة، بدلا من حشره في علب سردين من قبل المطورين العقاريين الذين يريدون فرض منتجاتهم وأذواقهم الرديئة على المواطنين وأسرهم. لقد روج المطورون العقاريون وأصولي السوق خلال السنوات السابقة لتخلي الدولة عن دورها في دعم بناء المساكن وترك السوق تحل مشكلة السكن باسم حرية الأسواق. وكانت النتيجة أزمة سكن حادة ومتزايدة في السنوات الأخيرة ما يثبت وبلا أدنى شك الفشل الذريع للأسواق في تأمين مساكن لمعظم سكان هذه البلاد. ولقد أدركت الدولة ضرورة تدخلها لحل أزمة السكن التي تهدد رفاهية ملايين الأسر في المملكة وتهدد السلم الاجتماعي، وهي تتخذ الآن خطوات إيجابية وجبارة بإنشاء عدد كبير من المساكن وتوفير التمويل لبناء المساكن. وبعد إعلان نية الدولة الدخول بقوة لحل معضلة السكن، بدأ طيف واسع من المطورين العقاريين يلمحون إلى إمكانية تسبب مشاريع الإسكان بانفجار الفقاعة العقارية بعد عدة سنوات. ويتناسى المطورون العقاريون أنهم هم من أوجد هذه الفقاعة ورفعوا فيها أسعار العقار إلى مستويات تجعل من أغلبية سكان هذه البلاد فقراء مقارنة معهم. إن محاولة التخويف من انفجار فقاعة عقارية بعد إعلان نية الدولة بناء وحدات سكنية هي محاولة للحد من حجم وسرعة تنفيذ هذه المشاريع، ولكن محاولتهم ستخيب ــ بإذن الله تعالى ــ لأن هناك تصميما على التصدي لأزمة السكن. وما يثير الاستغراب المطالبة بتوجيه الدعم للمطورين العقاريين المتخصصين في هذا المجال، وذلك بحجة بناء صناعة سكن محترفة. وكأن السبب في عدم وجود صناعة محترفة هو غياب الدعم عن المطورين العقاريين وهم الذين يملكون الأصول العقارية، ويحققون أرباحا طائلة من وراء المشاريع العقارية، ويستطيعون الحصول على التمويل اللازم من المصارف في أي وقت بضمان أصولهم العقارية الضخمة. لقد حصل الكثير من المطورين العقاريين على مساحات شاسعة من الأراضي وبأسعار زهيدة أو بالمجان وحققوا الكثير من الأرباح ولا يدفعون أي ضرائب أو زكاة على هذه الأرباح، كما أن باستطاعتهم جلب العمالة الرخيصة من الخارج لتطوير هذه الأراضي ولكنهم يعتمدون على أقل العمالة أجرا ومهارة في تشييد مشاريعهم. إن المستغرب بل من المستهجن المطالبة بدعم المطورين العقاريين وهم يحققون أرباحا كبيرة ويأتون على قمة هرم الثروة في هذه البلاد العزيزة، بينما يتم انتقاد قروض صندوق التنمية العقارية والمنح السكنية والتي تلهث وراءها الشرائح السكانية منخفضة ومتوسطة الدخل وتنتظر الحصول عليها بفارغ الصبر لتتمكن من تملك مساكنها. إن المطالبة بدعم المطورين العقاريين كمن يطالب بإعطاء الأغنياء ليتصدقوا على الفقراء، وبدعم الأقوياء ليدافعوا عن الضعفاء. إن مدى نجاح سياسات الدعم يأتي من خلال وضع آليات استهداف جيدة للوصول إلى أكثر فئات المجتمع استحقاقا، ولهذا أوجدت الدولة برامج بناء وتمويل المساكن لمنح فرص متساوية لكل المواطنين لتملك مساكن، حيث تشكل الشرائح السكانية المتوسطة ومخفضة الدخل معظم السكان أما الشرائح السكانية الغنية فهي ليست بحاجة لدعم الدولة في أي مجال من المجالات. وختاما، فهل يرى الذين يحمّلون صندوق التنمية العقارية مسؤولية أزمة السكن الحالية أن إلغاءه سيحل معضلة السكن الحالية؟ وإذا كان أسلوب تمويل صندوق التنمية العقارية قد أوجد المشكلة فلماذا يتقدم هذا الكم الهائل من المواطنين لطلب التمويل إذا لم يكن ناجعا. أليس من حق مئات الآلاف من الأسر الحصول على القروض التي انتظروها سنوات طويلة لتساعدهم في بناء مساكنهم. *نقلا عن صحيفة الاقتصادية السعودية.

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل