المحتوى الرئيسى

الإمدادات النفطية من طبقات الرمال المتراصة هل ستكون مشابهة لثورة السجيل الغازي؟

04/13 06:35

نعمت أبو الصوف الموارد العالمية من مصادر النفط غير التقليدية تفوق بكثير موارد العالم من مصادر النفط التقليدية، حيث من المتوقع أن تصل احتياطيات هذه المصادر إلى ستة تريليونات برميل، أي ما يعادل ضعف احتياطيات مصادر النفط التقليدية المكتشفة حتى الآن. وقد لعبت عوامل عدة دورا بتطوير بعض مصادر النفط غير التقليدية، منها: حصول تطور في تقنيات استغلال هذه المصادر بصورة اقتصادية، أمن الإمدادات لمصادر النفط، وبالتحديد إمدادات الوقود المستخدم في المواصلات، تضاؤل معدلات الإنتاج من النفوط التقليدية في بعض المناطق من العالم والمستويات العالية نسبيا لأسعار النفط. حيث لعبت هذه العوامل مجتمعة على زيادة استغلال مصادر النفط غير التقليدية، وبالتحديد ازداد الاهتمام أخيرا بتطوير مصادر النفط من الطبقات (المكامن النفطية) الواطئة النفاذية أو ما يعرف Tight Oil. إن مصطلح Tight Oil يطلق عادة لوصف تجمعات النفط الموجودة في التكوينات الصخرية واطئة النفاذية جدا أو عديمة النفاذية Impermeable Rock Formation مثل النفط المتواجد في طبقات الرمال المتراصة أو المحكمة Tight Sands، أو في طبقات السجيل الزيتي Shale Oil. وجاء هذا التوسع بعد أن تمكّنت الصناعة النفطية من تطوير العديد من التقنيات التي يمكن من خلالها استخراج هذه الموارد من مكامنها، من الأساليب الرئيسة التي أسهمت في هذا المجال هي تقنيات الحفر الأفقي وتقنيات التكسير Fracturing Techniques الحديثة. بعد الكارثة التي حدثت في إحدى آبار النفط في المياه العميقة في خليج المكسيك في الولايات المتحدة توجهت الأنظار في أمريكا الشمالية أكثر إلى تطوير الموارد النفطية على السواحل on-shore، التي طالما كانت تعتبر مناطق مستكشفة جيدا وناضبة نوعا ما، لكن برز فيها موارد نفطية جديدة واعدة، وإن لم يكن مقرا بها تماما، يمكن في مجملها أن تضيف احتياطيات نفطية مهمة مساوية لتلك التي كانت موجودة أصلا في حقل برودو باي في ألاسكا، الذي يعتبر أكبر حقل نفط في الولايات المتحدة. السوائل النفطية المحصورة بين طبقات الرمال المتراصة أو المحكمة Tight Oil تجد صعوبة كبيرة في التدفق من خلالها، وينطبق مصطلح السجيل الزيتي أيضا على هذا النوع من المكامن النفطية، على الرغم من أن معظم التراكيب الصخرية قيد الدراسة حاليا هي ليست من نوع السجيل، لكن هي من الحجر الرملي والصخور الكربونية. لقد تعرف الجيولوجيون على هذا النوع من المكامن النفطية منذ فترة طويلة. لكن لم يكن بالإمكان إنتاجها بصورة اقتصادية حتى وقت قريب. لكن كما أسلفنا التقدم التكنولوجي الذي حصل في الحفر الأفقي وتقنيات التكسير الحديثة، جعلت من الممكن استخراج النفط من هذه المكامن الواطئة النفاذية جدا التي لم يمكن الوصول إليها واستخراج النفط منها من قبل. المنطقة الأولى التي تم إنتاج النفط منها بكميات كبيرة هي من الطبقات الجيولوجية في حوض باكن Bakken في ولاية داكوتا الشمالية. لكن حتى عام 2003، كان إنتاج النفط من طبقات الرمال المتراصة في هذا الحوض ضئيل جدا لا يتجاوز عشرة آلاف برميل يوميا من النفط في ذلك الوقت. لقد أحدث استخدم تقنيات الحفر الأفقي وتقنيات التكسير نجاحا كبيرا في إنتاج الغاز من طبقات السجيل الغازي الذي مهد الطريق لما يعرف اليوم بطفرة السجيل الغازي، التي نقلت صناعة الغاز الطبيعي في الولايات المتحدة نقلة نوعية كبيرة وحولتها من مستوردة إلى مكتفية ذاتيا وربما مصدرة في المستقبل. منذ عقدٍ من الزمن فقط، إنتاج الغاز من طبقات السجيل كان يمثل حصة متواضعة جدا من إنتاج الغاز في الولايات المتحدة، لكن في العام الماضي، مثل إنتاج الغاز من طبقات السجيل ما يقرب من ربع إنتاجها الكلي، وكان لهذا التطور تأثير كبير ومفاجئ على صناعة الطاقة في أمريكا الشمالية، حيث أصبح يعرف ''بثورة السجيل الغازي''. التقنيات نفسها طبقت لاحقا على حوض باكن، وأحدثت تأثيرا دراماتيكيا على الإنتاج النفطي منها، حيث ارتفع الإنتاج النفطي من هذا الحوض منذ عام 2003 أكثر من 40 ضعفا، إلى ما يقرب من 400 ألف برميل يوميا بحلول نهاية العام الماضي. من مجموع الزيادة التي حصلت في الإنتاج الأمريكي في عام 2009 والتي تقدر بنحو 200 ألف برميل في اليوم، أكثر من ربع هذه الزيادة جاء من طبقات الرمال المتراصة لحوض باكن. في الوقت الحالي تم تحديد أكثر من 20 موقعا واعدا للنفط المتواجد في طبقات الرمال المتراصة في جميع أنحاء أمريكا الشمالية، مثل مناطق جبال الروكي في الولايات المتحدة وكندا وتكساس وكاليفورنيا، ساحل الخليج، أبالاتشيا وحتى في ميشيجان وكيبيك. تشير الدراسات الأخيرة في هذا المجال إلى أن كميات النفط القابلة للاستخراج اقتصاديا من حوض باكن وخمسة أحواض أخرى من هذا النوع تقدر بنحو 17 مليار برميل من النفط القابل للاسترداد، من حيث الحجم تعتبر أكبر من الاحتياطيات المكتشفة في حقل برودو باي في ألاسكا. إضافة إلى هذه الأحواض هناك عشرين حوضا آخر من هذا النوع يجري التنقيب فيها وتقيميها حاليا، هذه الأحواض يمكن أن تضيف مليارات البراميل من النفط القابل للاسترداد من طبقات الرمال المتراصة أو المحكمة في أمريكا الشمالية وحدها. حتى الآن، لا يوجد هناك أي إنتاج من النفط ملحوظ من هذه المصادر خارج أمريكا الشمالية. ولكن، كما هو الحال مع الغاز المنتج من طبقات السجيل، التقنيات المستخدمة لإنتاج النفط من طبقات الرمال المتراصة يمكن تصديرها، كما يمكن العثور على التكوينات الجيولوجية الواعدة من هذا النوع في أجزاء كثيرة من العالم. هناك عمليات تنقيب مبكرة عن النفط في التراكيب الجيولوجية المتراصة تجرى بالفعل حاليا في شمال شرق الصين وفرنسا. ومع ذلك، لا يزال هناك العديد من التحديات والعقبات الرئيسة التي يمكن أن تقلل من معدل التوسع في إنتاج هذه المصادر: فعلى سبيل المثال البنية التحتية للنقل قد تحد من جدوى الإنتاج. لكن هذه المشكلة تم التعامل معها في عدد من المواقع عن طريق التوسع في مشاريع خطوط الأنابيب. الحصول على تراخيص التنقيب في الأراضي المملوكة للدولة هو تحدٍ محتمل آخر، إن معظم أحواض السجيل الغازي مملوكة للقطاع الخاص، لكن معظم الترسبات الواعدة من طبقات الرمال المتراصة التي تحوي كميات من النفط مملوكة للدولة. في الوقت الحاضر أظهرت حكومات الولايات في أمريكا استعدادا كبيرا لتأجير الأراضي كوسيلة لمعالجة العجز في الميزانية. من العقبات أظهرت حكومات الولايات حتى الآن استعدادا كبيرا لتأجير أراضيهم كوسيلة لمعالجة العجز في الميزانية. المحتملة الأخرى التي تجابه التوسع في استثمار هذه الموارد النفطية هي ارتفاع تكاليف عمليات الحفر. بعد انخفاض تكاليف الحفر وتكاليف عمليات الإنتاج الأخرى في أعقاب الأزمة الاقتصادية والمالية التي اجتاحت العالم، عادت هذه التكاليف إلى الارتفاع من جديد بعد استئناف عمليات الحفر بصورة كبيرة. إن ارتفاع التكاليف الرأس مالية للمشاريع قد يضر بالجدوى الاقتصادية لبعض مشاريع طبقات الرمال المتراصة أو المحكمة Tight Oil. وأخيرا القلق بشأن التأثير البيئي لتقنيات التكسير المستخدمة بكثافة في عمليات الإنتاج في مثل هذه الموارد، بما فيها تدهور نوعية المياه السطحية وتسرب الأحماض إلى التربة والمياه على حد سواء، قد تبطئ عمليات تطوير هذه الموارد في بعض الأجزاء من أمريكا الشمالية. لكن معظم هذه التحديات يجري التعامل معها والتخفيف من آثارها، حيث لم تشكل أي من هذه التحديات لحد الآن معوقا كبيرا تجاه تطوير هذه المصادر. كما توفر عمليات تطوير هذه المصادر فرص مختلفة للمشغلين والمنتجين. عموما، على الرغم من هذه التحديات، فإن عمليات تطوير مصادر النفط من الرمال المتراصة سوف تستمر قدما على ساق. حيث يعتبر تطوير هذه المصادر انطلاقة كبيرة وواعدة لمستقبل إنتاج النفط في الولايات المتحدة. لكن هل سيكون لتطوير هذه المصادر تأثير مشابه لذلك الذي أحدثته ثورة السجيل الغازي؟ تشير معظم التقديرات إلى أن إنتاج النفط من حوض باكن قد يرتفع إلى 800 أو 900 ألف برميل يوميا بحلول عام 2015 أو 2016 على أبعد تقدير، كما أن الأحواض الواعدة المشابهة قد تضيف هي الأخرى نحو مليون برميل أخر في اليوم إلى إجمالي إنتاج النفط في الولايات المتحدة في مرحلة ما في المستقبل، بذلك من المتوقع أن يصل إنتاج النفط في الولايات المتحدة من هذه المصادر إلى نحو 2.0 مليون برميل يوميا في وقت ما من العقد المقبل. يمكن للكميات المتوقعة حاليا من حوض باكن وحده أن تمثل ما يقرب من 15 في المائة من إنتاج الولايات المتحدة من النفط الخام بحلول نهاية العقد الحالي. إن إنتاج النفط من طبقات الرمال المتراصة Tight Oil قد لا يؤدي إلى طفرة نوعية أو ثورة على مستوى الصناعة النفطية العالمية، كما فعل السجيل الغازي، لكن بالتأكيد سيكون له أثر كبير في الصناعة النفطية في الولايات المتحدة وفي وارداتها الخارجية. *نقلا عن صحيفة الاقتصادية السعودية.

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل