المحتوى الرئيسى

د.حنان فاروق : مبارك .. بنجاح عظيم

04/12 22:15

ما الذي يفعله مبارك بالضبط؟..مازلت أرصد تأثيرات خطب ما قبل التنحي الثلاث وأفكر في توصيف لها؟ الخطبة الأولى جاءت يوم الثامن والعشرين من يناير المسماة بجمعة الغضب..لقد كانت تلك الخطبة فوق المحبطة إذ جاءت بعد الثانية عشرة مساءً وبعد أن اشتعلت مصر كلها فجأة وبدون سابق إنذار اشتعالاً منظماً بدأ بمجرد أن نزلت مدرعات الجيش إلى الشارع..وبدأت اللهجة الممجوجة المتعالية تتوعد من تظاهروا بالحساب ودماء أبنائهم لم تجف بعد والثكالى يرفضن تلقي العزاء في شجيراتهن التى راعينها حتى نضجت وتدلى الثمر وأصبح قاب قوسين أو أدنى للعمر ثم فجأة..اجتثت تلك الشجيرات وصارت صوراً في بكائية تنادي بالثورة وإسقاط النظام..أتذكر جيداً الحالة التي أصابتنا منذ أن رأيناه واقفاً على منصته القاسية في قلب قصره وهو يرمي لشعبه لقيمات علها تسد جوع غضبه..لكن الدم لا تغسله ولائم الدنيا…وظل يصرخ في الشارع يطالب بحقه… في الخطبة الثانية والتي أتت يوم الثلاثاء الذي سبق أربعاء جمعة الجمل تأرجح الخطاب الجديد القديم بين الاستعطاف والالتفاف على الثوار وبين تهديدهم بالمحاسبة..رأيت مذيعة أحد البرامج الحوارية والتي نجحت هي الأخرى في التأرجح بين مراضاة الثوار والتربيت على كتف النظام القديم رأيتها تبكي وترثي البطل الذي سيضحي بعرشه بالتقسيط من أجل حقن دماء شعبه الذي أراقه بالفعل..رأيت آخرين يقولون كفى وسلام على عباده الذين اصطفى..ثم بعد أقل من أربع وعشرين ساعة قامت معركة الجمل وسط دهشة الجميع فالحرب كانت متوقعة بين نظام يحتضر وشعب مصر على هدم الفساد لكن بهذه الطريقة وهذا الأسلوب الهمجي؟؟!! كان هذا فوق الاحتمال..صمت كثيرون..ثار كثيرون..تذبذب كثيرون..خرج علينا بعض رجال أعمال من قراصنة الحزب الوطني يقسمون أن ما حدث لم يكن مرتباً له وأن بعض التجار البسطاء من نزلة السمان ذهبوا حباً في الرئيس ليقولوا كلمتهم ولكن بطريقتهم التي تفتقر إلى الرقي والاحترام و…و…واشتعل الشعب ثانية..حتى وصلنا إلى خطاب ما قبل التنحي والذي أتى بعد أن وصلت الثورة حد الجنون وحد رفع الأكفان على صراخ القلوب ..كالعادة ظللنا ساعات طوال ننتظر إطلالة الرئيس البهية ونحن نرى المجلس العسكري المنعقد يوحي إلينا ببياناته المتتالية أن الأمر هذه المرة سيختلف وانبرت وكالات الأنباء وأمريكا والصحفيون من كل حدب وصوب يتوقعون التنحي..وتأتي رياح الخطبة كالعادة بما لا تشتهي سفن الثوار فيفقدون ما تبقى من عقل ويزحفون إلى محاصرة القصر بينما بيانات المجلس العسكري تنساب في بطء تؤرجحنا بين الأمل واليأس…وانتهى الأمر بالتنحي.. نعم كان انتصاراً لا ننكر..لكن من يومها ونحن ندور في طاحونة الوقت والأحداث طوال الوقت نشعر أن هناك من يلفتنا بحوادث وهمية مفتعلة عن طريقنا..طوال الوقت هناك من يريد توجيه أنظارنا لفيلم كارتوني بدلاً من التركيز على المطالب..لا أتهم أبداً أحداً بعينه ولا أتقن ألفاظاً متداولة مثل (فلول وأذيال وغيرها)..لكني أشعر طول الوقت أن هناك مؤامرة ما تجرى..سمعت كثيراً عن متلازمة ستوكهولم التي تصيب أسرى الديكتاتوريين والتي تتسبب في ولائهم التام لهم حتى وهم على يقين من إجرامهم وجنونهم..لكني لم أجد تفسيراً لتلك الحالة التي أصابتني وربما أصابتنا جميعاً في الشهرين الذين تبعا التنحي فقد أصبحنا عبيداً للشك وعدم الثقة..لا نثق في أحد مهما كان ولا حتى في أنفسنا..التخوين هو الرئيس..هو القائد مهما بذل الذي يتكلم فقط ما أن ينطق برأي مخالف حتى تنبت له قرون ويصبح في رأي البعض ممن ركبوا الثورة أو يريدون..ربما الذي ساعد على تضخم تلك الحالة هو تباطؤ المحاسبات للفساد الذي انهالت أخباره علينا كالسيول والفيضانات من وقت التنحي وربما أيضاً هذا السخف الإعلامي الملحوظ الذي يحرص على نشر أخبار بعينها بقصد أو بدون قصد ثم لا تمر ساعات حتى يتم تكذيبها..لقد أصبحنا نعيش عصر الكذب الإعلامي الأعظم ولم يعد الأمر مقصوراً على التلفزيونات الحكومية بل إنه تعدى ذلك إلى الصحافة والإعلام العالمي..لاشيء موثوق به..لقد ظللنا أكثر من شهرين ونصف الشهر نتكلم عن ثروة مبارك وآله..لسنا نحن فقط بل الإعلام العالمي وقنوات لها وزنها مثل الإيه بي سي وجرائد مثل الجارديان و الواشنطن بوست وغيرها..سمعنا عن تجميد أرصدة وسمعنا عن واحد من آل مبارك شرب شمبانيا فقط بستة عشر ألف جنيهاً استرلينياً في ليلة واحدة بملهى بانجلترا..سمعنا عن آثار نهبت..وبلاغات عن أرصدة عامة انقلبت خاصة تتحكم فيها واحدة من آل بيت الرئاسة..ثم فجأة وبدون سابق إنذار يخرج شبح الرئيس ذو الخطب الثلاث ليعيد الكابوس القديم علينا في إحدى القنوات العربية ينفي بنفس الاستعلاء امتلاكه لأرصدة ضخمة بل ويهدد ويتوعد من نشر أو روج عنه وعن عائلته أية أخبار مكذوبة عن ثروته..ويفوض وزارة الخارجية في البحث والتقصي..أين كان ذلك الخطاب منذ ما يقرب من ثلاثة أشهر؟ولماذا الآن وسط كل تلك الاضطرابات والتخوينات والانقسامات؟..وأين ما كان يقال عن الغيبوبة التي أصابت السيد الرئيس وأنه بين أيادي الله وكلنا كذلك بل وصل الأمر لأن قال أحد مذيعي برامج الحوار المشهورين بصوتهم العالي ولجاجتهم: الذي أنا متأكد منه قط أنه يتنفس… بنجاح عظيم يتم حقننا بالإحباط.. لكن الحقن لا يكون فقط بالإحباط بل بالجنون أيضاً فاحذروا..مواضيع ذات صلة

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل