المحتوى الرئيسى

رسالة مفتوحة إلى زعيم عربي بقلم:ياسين السعدي

04/12 21:51

هدير الضمير رسالة مفتوحة إلى زعيم عربي !! ياسين السعدي حضرة الزعيم العربي المحترم تحية طيبة وبعد؛ تعلم، يا سيادة الزعيم، أن حركة التاريخ تشبه مجرى النهر المتدفق بقوة وعنف وعمق أحياناً، والمنساب بهدوء وطمأنينة وتؤدة أحياناً كذلك. وتعرف أن النهر يجرف أمامه كل ما يمكن أن يعترض حركته، سواء كانت هذه الحركة غاضبة صاخبة، أو كانت هادئة مطمئنة. النهر يحمل معه كل الكائنات؛ من بنيان أو حيوان أو نبات أو إنسان؛ سواء كانت حركته متدفقة صاخبة، أو كانت هينة لينة. وهكذا يفعل مجرى التاريخ الذي يحمل معه كل البشر، سواء الحكام أم المحكومين، والأشرار والأخيار من الناس، ونتيجة لذلك تطوى الممالك وتهدم الدول، لتحل محلها دول جديدة، وتبنى مجتمعات جديدة كذلك. هذا هو منطق التاريخ، وهذه هي طبيعته؛ منذ كانت الحضارة، ومنذ أن بدأ تكوين المجتمعات على هذه الأرض، ومنذ أن بدأ إنشاء الدول. ولا نريد التذكير بهذه الحقيقة الواضحة، لأننا نعتقد أنكم من أهل البصر والبصيرة، ومن أصحاب الخبرة، ومن الذين يقرأون التاريخ ويستوعبون حقائقه، وأنكم تعون جيداً أنه لا يبقى شيء على حاله، وان حركة التاريخ متواصلة ولا تتوقف، وأن حركة التغيير مستمرة، وأن (كل ما هو آت آت)، كما قال قدماء الكهان. سيدي القائد غير الخالد أبداً؛ من حيث العمر الزمني، ولكن المخلد حمداً وثناء وذكرى جليلة بما تقوم به من أعمال طيبة في دنياك، تمنحك الذكر الحسن وتسبغ عليك لباس التقدير الكبير، وتجعلك مزموراً من أناشيد الثناء التي تنشدها الشعوب لقادتها العظماء، أو لعنة أبدية تصبها هذه الشعوب على الذين تبتلى بهم من القادة المتخاذلين والمستبدين، الذين لا يعرفون الله في تعاملهم مع مجتمعاتهم التي تنكب بهم. سيدي القائد العربي تستغرق مرحلة التحولات في تاريخ الأمم زماناً، قد يطول حتى يستغرق السنوات، كما نعرف جميعنا ما حدث في الثورة الفرنسية مثلاً، التي استغرقت عشر سنوات قبل أن تستقر بها الأوضاع، وقبل أن يجني الشعب الفرنسي ثمار ثورته التي كان لها التأثير الكبير على كل ما جاء بعدها من ثورات الشعوب المقموعة والمكبوتة. الأخ الزعيم العربي قبل أسابيع قليلة مضت، (... زُلْزِلت الأرض زِلْزالَها، وأخرجت الأرضُ أثقالها) في اليابان ودمر الزلزال البنيان، وأغرق الأجزاء المنكوبة هناك بطوفان (تسونامي) الذي جرف كثيراً من مظاهر الحياة والحضارة، وأوقع الخسائر المادية والبشرية الهائلة؛ بالرغم من تحرز المسئولين هناك، وأخذ الاحتياطات اللازمة لمواجهة الوضع المنتظر حدوثه دائماً في كل لحظة. وفي الفترة الزمنية نفسها تقريباً، حدث (الزلزال) الشعبي العربي الذي هز (البيت العربي) من جميع أركانه، ولكن بدرجات متفاوتة من القوة، كان أعنفها وأقواها في أرض الكنانة المباركة، التي هي عماد (البيت العربي) وأطاحت بالرئيس غير المبارك. وقبلها كان زلزال تونس الذي ذهب بالرئيس الذي لم يكن زيناً للعرب ولا لتونس. وتتابعت الزلازل بعد ذلك في كل أجزاء البيت العربي، من أقصاه إلى أقصاه، وإن كانت بعض الأجزاء لا تزال ساكنة، ولكنها تبدو فيها دلال تشير إلى توقع حدوث الزلزال الذي يمكن أن يحدث في أي وقت. يزعم بعض الزعماء العرب الذين تهز أركانهم تفاعلات الزلزال الشعبي العربي الكبير، أنهم مستهدفون من قبل (أجندات) خارجية، ولا نعتقد ذلك أبداً، وإنما هي انفجارات موضعية سببها الضغط الذي تعاني منه القاعدة العربية الشعبية العريضة، والتي تحملت وتتحمل ممارسات القادة والزعماء المستبدين ولم تجد من ينصفها، أو حتى يلتفت إليها ويخفف من معاناتها. قد نصدق أن بعض أركان (البيت العربي) مستهدفة؛ لأن أعداء الأمة ينظرون إليها على أنها آخر القلاع العربية التي لا تزال قائمة أمام الزلازل الأجنبية و (الأجندات) الخارجية؛ لأنها تهدف إلى إبعادها عن القضية الفلسطينية تمهيداً لتصفية القضية حسب هذه (الأجندات) التي يتحدثون عنها جميعهم. لكن لا بد أن نقول بوضوح وصراحة؛ بأن تحصين الجبهة الداخلية في أي ركن من أركان (البيت العربي) الكبير، يكون بإرساء دعائم الديموقراطية الحقيقية والصادقة، كما ينادي كل العرب، وكما وعد كل الزعماء العرب، ولكن وعودهم تأتي دائماً بعد حدوث الهزات، وبعد تتابع الزلازل في أركان هذا البيت الواسع الذي يطمع فيه الغرباء والأعداء. يدعو أصحاب (النوايا الحسنة) من الأصدقاء، إلى (الإصلاح) السياسي والاقتصادي والاجتماعي في البيت العربي. حتى أهل النوايا السيئة، والأهداف الخبيثة من الأعداء، والذين يتربصون شراً وغدراً بالعرب عموماً، يدعون إلى هذا (التغيير والإصلاح)، بينما هم في الحقيقة يتربصون بنا ويتحينون الفرص لكي يمارسوا المزيد من القضم والهضم من الركن الفلسطيني الممزق، خصوصاً في غمرة ما يحدث من هزات وتفاعلات وانشغال كل ركن بأوضاعه، وانشغال العالم بمتابعة ما يحدث، بينما يتخوف أدعياء مناصرة حقوق الشعوب في (حق تقرير المصير) من تأثير ما يحدث على مصالحهم ويعيق تحقيق أهدافهم. يتابع العالم كله باهتمام بالغ، ما يجري في (البيت) العربي الكبير من تطورات وتحولات جذرية. ونتابع، نحن الفلسطينيين، ما يحدث ولكن بقلق وتوجس وتخوف، لأننا ندرك أن أي اضطراب يحدث في أي ركن من أركان البيت العربي الكبير، يكون له تأثير سلبي مباشر على قضيتنا الفلسطينية، ويزيدها ضعفاً وهزالاً، ويزيد من الممارسات الظالمة ضد شعبنا الفلسطيني الأسير. من الواضح أن رياح التغيير قد هبت على المنطقة كلها، وأن زلزال (الإصلاح والتغيير) قد اجتاح البيت العربي. وهو مطلب يتناسب مع منطق التاريخ، ونعتقد أن القائد النبيه والزعيم المتيقظ، هو أول من يتلقف الراية ليقود المسيرة، وهو الذي يبدأ خطوات الإصلاح التي توافق منطق التاريخ، وأن يسير مع مجرى التاريخ، لا كما فعل الزعماء الذين لم (يفهموا) هذه المُسَلَّمات إلا متأخرين، ووقفوا يصدون التيار الدافق، ويسدون مجرى التاريخ الهادر بعناد وغباء، فجرفهم تيار التغيير، وألقى بهم بعيدا عن مركز القيادة، وأنزلهم عن كرسي الرئاسة في مواقف غير محمودة. ليتك أيها الزعيم العربي، أي زعيم، تدرك أن كل (ما هو آت آت)، ولا بد أن يحدث التجاوب مع إرادة الشعوب، ولا بد من مسايرة مجرى التاريخ الذي لا يتوقف ولا ينتظر. ليتك تفهم ذلك قبل فوات الأوان، وتجري المصالحة الصادقة مع الشعب، وعندها سوف تنقلب مسيرات الغضب التي تملأ الشارع العربي منددة متوعدة، إلى طوفان من المواطنين الذين يدعون للزعيم بطول العمر والبقاء إذا (فهمها)، ولا يدعون عليه بالموت والفناء وهم يكتبون على صدورهم العارية العبارات التي تدعوه إلى الرحيل، قبل أن يجبر عليه وهو تلاحقه لعنات شهداء الحرية وأنات الجرحى والمشوهين بفعل ممارسات (المرتزقة) و (البلطجية) الذين يستعين بهم النظام لقمع الذين يصرخون منادين بالحرية والعدالة الاجتماعية و (حقوق الإنسان). قال تعالى محذراً من المصير الذي ينتظر المتجبرين من غلاظ القلوب، والمستبدين الذين لا يحكمون بما أنزل الله من الهدى، فقال متوعداً في كثير من الآيات الكريمة، كما جاء في الآية 44 من سورة فاطر: (أولم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم، وكانوا أشد منهم قوة، وما كان الله ليعجزه من شيء في السماوات ولا في الأرض، إنه كان عليماً قديرا). وجاء في الحديث النبوي الشريف: (السعيد من وعظ بغيره والشقي من وعظ بنفسه). أما الشاعر الأندلسي أبو البقاء الرندي، فقد عبر عن تقلب الأيام وتبدل الأحول فقال واعظاً ومحذراً: وهذه الدار لا تبقي على أحدٍ ***** ولا يدومُ على حالٍ لها شانُ فأين ما حازه قارونُ من ذهب ***** وأين عادٌ وشدادٌ وقحطانُ أتى على الكُل أمرٌ لا مَردَّ له ***** حتى قَضَوا؛ فكأنَّ القومَ ما كانوا نشرت في جريدة القدس يوم الأحد بتاريخ 10/4/2011م؛ صفحة 44 yaseenalsadi@yahoo.com

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل