المحتوى الرئيسى

ِالثورة بين رومانسية الحلم وواقع المجتمع المصرى بقلم:سمير الأمير

04/12 21:34

ِالثورة بين رومانسية الحلم وواقع المجتمع المصرى بقلم/ سمير الأمير لا أستطيع أن أفهم لماذا نقع دائما أسرى نقيِضين إما الإفراط فى التفاؤل أو المبالغة فى التشاؤم إلى حد الخوف من المستقبل أو ربما الحنين للماضى الذى ألفناه رغم اتفاقنا على انحطاط وفساد هذا العهد الذى عشناه تحت قهراقتصادى واجتماعى وسياسى لم تشهد له مصر مثيلا على مدى تاريخها القديم والحديث ولا حتى فى العهدين المملوكى والعثمانى إذ كان الحكام المماليك رغم تسلطهم ينقلبون على طبقة الأثرياء حين يشتد العوز والفقر بجماهير الشعب "فيكبسون" على مخازنهم وعلى ثرواتهم لكى يعيدوا توزيع الدخل بطريقتهم التى لم تكن تخلو من فساد أيضا ولكن ما شهدته مصر فى عهد الرئيس مبارك ولا سيما فى العشرين سنة الأخيرة ليس مسبوقا بالفعل، ولعل التحليل القائل بأن الرئيس مبارك هو مفجر ثورة 25 يناير هو تحليل صحيح بالمعنى الساخر وأيضا بأكثر التحليلات جدية ، إن اتفاق الفرقاء على الإطاحة بالنظام السياسى ليس له من سبب واضح إلا الغباء الشديد لنظام السلب والنهب وهذا ما يثبت أنه بالفعل لم يكن نظاما بأى معنى ولكنه كان يتألف من عصابة من بلطجية الشوارع كبنى تحتية وبلطجية الاقتصاد والسياسة كتعبير فوقى عن طبقة البلطجية التى تضاعفت أعدادها فى عهد الرئيس السابق، إذ لا يصح مطلقا أن نطلق علي هؤلاء تسمية "رجال أعمال" فنهب الأراضى وتفكيك البنى الاقتصادية الوطنية وبيعها للأجانب وتدمير الزراعة المصرية والإهمال المتعمد للرى وتحويل الجامعات إلى عزب خاصة وتدمير التعليم الوطنى تحت شعار مبارك " التعليم هو قضية أمن قومى" هذا الشعار الذى شهد تطبيقا عمليا يتناقض مع كلماته إذ تكاثرت المدارس الأجنبية والخاصة وتعددت أنواع التعليم فأصبح لدينا تعليم بريطانى وأمريكى وفرنسى وألمانى إلى درجة أن أمى الفلاحة المثقفة قالت لى ذات مرة " يبدو أن زيمبابوى هى البلد الوحيد الذى لم تفتح سفارته مدارس فى مصر" وطبعا لدينا جيوش من أصحاب المصالح المرتبطين بتلك المؤسسات ومنهم من ينتمى إلى الطبقات الشعبية ولكنه لايعرف طريقا آخرا للرزق فى حال تفكيك تلك المؤسسات، وهؤلاء طبعا يتحولون إلى خلايا نائمة ولكنهم يظلون مستعدين للمشاركة فى الانقضاض على الثورة فى اللحظة الحاسمة ، أليس من المدهش بعد اختطاف مصر لمدة ثلاثين عاما أن تعود لأهلها ؟ ألا يجدر بنا أن نعى خطورة ما حدث وأن لا نفرط فيه بأنانيتنا التى توشك أن تنهى ما بدأناه فى ميدان التحرير وكل ميادين مصر ، أخشى على الثورة من أن لايتبقى منها غير صور الشهداء ، إننى أكاد أرى ما حدث فى معركة " أُحد" يتكرر بنفس الكيفية إذ يبرح المصريون المنتصرون حالة وحدتهم التى مكنتهم من النصر إلى حالة أنانيتهم التى ستلحق بهم الهزيمة على أيدى أركان النظام الذين ما زالوا قادرين بأموالهم وأعاونهم فى كل المؤسسات على إجهاض ما أنجزه المصريون الشرفاء ، ألم تمثل معركة" نعم ولا "فى التعديلات الدستورية بما شابها من استقطاب شديد ارتدادا على الثورة ليس بسبب تباين المواقف ولكن بسبب قسمة المصريين إلى " متدينين وغير متدينين " من وجهة نظر معسكر " نعم , ولا " تقدميين ورجعيين" من وجهة نظر معسكر "لا" ألا يشبه سلوك بعض القوى التى تتمتع بوزن جماهيرى نسبى ما حدث فى معركة "أُحد" كما أسلفت حين غادر المسلمون مواقعهم فوق الجبل وهبطوا إلى الوادى من أجل الغنائم متجاهلين تحذير الرسول الكريم بألا يبرحوا مواقعهم فتمت هزيمتهم ، أعتقد أن علينا جميعا الآن أن نرتفع إلى مستوى اللحظة العصيبة التى تمر بتاريخ بلادنا ، علينا ألا ننساق خلف الدعاوى التى تشكك فى أداء المجلس الأعلى للقوات المسلحة وألا ننسى أن القوات المسلحة حسمت موقفها منذ البداية واتخذت جانب الثورة حفاظا على الثورة وحفاظا على وحدتها وألا ننسى أيضا أن القوات المسلحة هى المؤسسة الوحيدة الآن التى تتمتع بقدر أكبر من الصلابة ومن ثم يصبح الحفاظ عليها هو حفاظ على تماسك المجتمع المصرى برمته ولا يعنى هذا عدم مطالبتها بالإسراع باتخاذ الإجراءات الكفيلة بلجم قوى الثورة المضادة و بمحاكمة رموز النظام الفاسد حتى يرتدع من ينشرون فى مصر الخراب بعد أن تتم السيطرة التامة على رؤوس الفتنة الذين مازالوا يتمتعون بالقدرة على الحركة ربما أكثر من قوى الشباب الناهضة التى مازالت بعيدة إلى حد ما عن أن يكون لها تأثير فى عمق الريف المصرى الذى قد يصبح معقلا قادما لآخر هجمات النظام السابق، إننى من هذا المنطلق أتمنى على القوات المسلحة أن تعترف بأن الثورات فعل استثنائى فى التاريخ ومن ثم تتولى هى بنفسها التحقيق فى قضايا الفساد الكبيرة وأنا على يقين أن ذلك سيكون مبررا إذ أن الإجراءات البطيئة قد يستفاد منها فى الانقضاض على الثورة ونحن نرى كيف أن "فيروسات الفساد" لديها القدرة على التحول إلى حد أن بعضهم يقوم الآن ببناء أحزاب تحمل أسماء تشى بأنهم ثوريون أكثر من شباب الثورة أنفسهم!! فى تقديرى أن على جيش مصر العظيم إذن أن يتحفظ فى مكان أمين على كل الرموز السياسية البارزة والتى كانت فاعلة فى إفساد الحياة السياسية والاقتصادية فى الثلاثين عاما المنصرمة وإلا فإننا سنكون كمن يحرث فى البحر إذ لا أعرف ثورة تصر على مواجهة جرائم الفساد بنفس الأدوات القانونية للنظام السابق التى فشلت على مدى عقود طويلة فى وقف عمليات بيع مصر بأكملها رغم أن هذا البيع كان يتم جهارا نهارا وعلى رؤوس الأشهاد، أليس ما حدث فى ميدان التحرير من محاولات الوقيعة بين الجيش والشعب دليلا على ما أذهب إليه من ضرورة الإسراع بمحاكمة المفسدين استثنائيا ودليلا على أن القوات المسلحة التى تبنت الثورة هى الجهة القادرة على القيام بتلك الإجراءات الاستثنائية الثورية ؟وإلا فإن وجودها ذاته ووحدتها يصبحان مهددين لأن سيناريو الفوضى هو السيناريو الوحيد الآن الذى تسعى إليه قوى إقليمية ودولية لا تريد لمصر قلب العالم العربى أن يتعافى لأن دقات عافيته كفيلة بأن تعيد صياغة المجتمع المصرى بل والعالم على أسس أكثر عدلا ومساواة.

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل