المحتوى الرئيسى

العار.. عنوان مرحلة!!

04/12 17:23

بقلم: القاضي/ فؤاد راشد لكل زمن سمة يعرف بها؛ لأنها تكون الأبرز بين كل السمات، كالعدل في عهد سيدي عمر بن الخطاب، ومظاهر العز في زمن هارون الرشيد، والنهب والسرقة في نهايات عصر المماليك, وهكذا ما إن يأتي ذكر هارون الرشيد حتى تقفز إلى الخيال صورة نمطية حاضرة سلفًا يتم استدعاؤها تلقائيًّا بمجرد ذكر هارون الرشيد برغم سمات لا تعد عن العلم ومظاهر الحضارة، وازدهار الفنون والآداب والفتوحات والقوة العسكرية والحروب ضد الروم سنويًّا.   ولو أردنا إطلاق وصف شامل جامع على زمن مبارك فإنني أعتقد أن كلمة "العار" هي وحدها- وليس غيرها- الكافية الشافية، فكل سمة لازمت توجهًا أو خطوة كبرى لمبارك كانت معها سمة أخرى هي وصف العار, والقائمة طويلة.   قل ما شئت في وضع مبارك يده في يد الصهاينة، وإهدائهم الغاز تقربًا إلى الولايات المتحدة لتمرير مشروع التوريث، وتحدث ما شئت عن الخسائر الاقتصادية، وضياع نحو ثمانين مليار دولار جراء الهدية السحت ممن لا يملك لمن لا يستحق، ويبقى الأبقى والدائم عبر التاريخ هو وصف العار؛ لأن الهدية قدمت جزية من يدٍ صاغرة ذليلة.   وقل ما شئت عن التحريض على ضرب العراق؛ بزعم مبارك أن لدى العراق أسلحة دمار شامل، كما أوحى لسادته الأمريكان، وضرب العراق، وقتل أهلنا به من الشباب إلى الشيوخ إلى النساء إلى الأطفال، ودمّر وعاد للعصر الحجري ولوّثته أقدام الغزاة وحشد من الصهاينة يعيث هناك لليوم فسادًا، ويثير صنوف الفتن سعيًا لتقسيم العراق، وخسر العرب قوةً وسندًا في مواجهة "إسرائيل" عدوة الشعب العربي، وحبيبة معظم حكامه، وخسرت مصر دار ترحيب بالمصريين يدخلون بلا قيد ولا شرط، ويعيشون بين أهلهم في أرض العراق الحبيب آمنين..قل عن ذلك ما شئت، ولكن يبقى العار هو الوصف الخالد، ومكمن العار هو تحريض الأخ عدوه على أخيه طلبًا للأمان، ونفس الحكم إزاء تمويل الانفصاليين في جنوب السودان بالسلاح، حتى كان جارانج زعيم الانفصاليين ضيفًا دائمًا على مبارك، ولنا أن نتخيل تأثير قيام دولة في الجنوب في أمننا الوطني والمائي خاصةً، واليد الصهيونية هناك ترتب الأوضاع منذ عقود، بينما رقد مبارك زمنا طويلاً في منتجعه في شرم الشيخ لا يحفل إلا بنفسه وأسرته الضيقة، ويعد العدة لتوريث الحكم إلى ولده الذي لم يشعر الناس يومًا أنه نبت أرضهم، وكان كلما حاول التقرب منهم ازدادوا منه نفورًا ليترسخ يقين في الوجدان العام أن المصريين ليسوا همه ولا شاغله، وقد ارتبط ظهوره بتوحش النهب العام، وقد كان بعض أصدقائه القريبين أبرز أعضاء التشكيل العصابي!.   وقل ما شئت عن وصف عن حصار غزة وخنقها وتجويع أهلنا بها وبناء حائط الخنق بيننا وبين ذوينا قربانًا، ولو أنني عشت ألف عام فلن أنسى مظاهر الوحشية والهمجية التي مارس بها العار مهمة الخنق ومطاردة واعتقال من يحاول المرور إلى غزة لمؤازرة أهلنا بها وقد كنت شاهد عيان على بعض وقائع ما جرى وكتبت وقتها مقالات نشرت عن الفجيعة!   من الطبيعي والمفهوم أن يخنق الصهاينة غزة، ولكن ما لا يفهم أن يكون في عونهم رئيس أكبر دولة عربية، وأن تكون هذه الدولة هي الكنانة العزيزة الأبية، ومن الطبيعي أن تشن العصابات الصهيونية حربًا ضروسًا على غزة، ولكن من العار أن تعلن الحرب من أرض الكنانة على لسان الصهيونية "ليفني" إعلانًا يقطع أن دم مبارك وعصابته هو من فصيلة دم الخنازير؛ باعتبار أن الخنزير هو الكائن الفريد في انعدام الغيرة حتى على أنثاه!.   إن للأمر بعدًا غير بعده الإستراتيجي، وهو الشرف والكرامة الوطنية؛ فمن غير المعقول أن يعلن أحد عن شروعه في قتل أخي، وعائلته من بيتي، بينما أقف ساكنًا لا يتغير لون وجهي!.   أليس من العار أنه بينما كانت طائرات الصهاينة تقذف حمم الموت على أهلنا فتقتل الأطفال والنساء والشيوخ، كما تقتل الشباب في أرض لبنان، كان زبانية مبارك يحرِّضون على لبنان حتى إن بعض خطباء المساجد- المدعومين من أمن الدولة- كانوا يدعون بنصرة "إسرائيل" في نهاية خطبة الجمعة بينما يردد المصلون- بحكم الاعتياد-: "آمين"!.   في الجانب الداخلي من الصورة العامة، تبدو مصر وطنًا استبيح لمبارك قائد التشكيل العصابي المجرم ومن حوله أعضاء التشكيل وأتباعهم في كل البقاع، وتجمع الأرقام على مليارات منهوبة وإن اختلفت التقديرات، حتى إن بعض الأرقام تشير إلى مئات مليارات الدولارات، فضلاً عن الأراضي والشركات والمؤسسات والبنوك وعقود الهبة المستورة بعقود بيع، وإن كان هناك ثمن أدِّي فقد ذهب إلى خزائن اللص الأكبر مبارك وأفراد التشكيل، ولنا أن نتحدث عن ملايين جاعوا وتشردوا بلا عمل ولا مأوى وملايين من الآكلين من القمامة، وملايين من أطفال الشوارع، وتلك أمور مفزعة بلا ريب، ولكنَّ للأمر بعدًا آخر هو العار, والعار هنا شديد الوطأة عظيم المرارة والقسوة على النفس.   إنني- ككل مصري- غارق حتى آخر طاقتي على الإحساس بشعور يجللني وهو شعور بالعار والصدمة!.   كان العار في غزة ولبنان والسودان والعراق عارًا قوميًّا مما يتفاوت فيه الإحساس بين مصري وآخر، ولكن العار هنا عار شخصي مفزع مميت!.   لقد أفاق المصريون من حلم الثورة الجميل على الحقائق المروعة وحجم الدمار الاقتصادي من جرَّاء سياسات النهب العام، ولكن أعظم شعور بين المصريين الآن هو العار الموجع للقلوب!.   كيف يحكمنا على مدى ثلاثين عامًا لص، ومن حوله لصوص، ومن تحته لصوص بلا ضمير ولا شرف؟ أليس من البشاعة أن كل من كانوا حول مبارك من الكبار يتساقطون ويرحلون إلى السجون؟ أليس من العار أن التهم تتعدد وتتفاوت بين متهم وآخر، ومع هذا تبقى تهمة جامعة شاملة هي السرقة؟!   لقد تمنيت- على كراهيتي الحادة لمبارك وعصابته- أن يكون بين الكبار واحد تعفف عن المال السحت الحرام، ولو من باب خوفه على ذريته وحبه لهم حبًّا عفيًّا صحيحًا يحول دون إطعامهم نار الحرام، أو يكون بين الكبار من لديه إحساس حقيقي بالكرامة، وعزة النفس؛ لأن اللص مهما علا مركزه هو حقير وضيع دنيء النفس فاقد الكرامة! أذكر أن رجلاً من صعيد مصر راح يجيب بهدوء عن اتهامات متتالية بالضرب واتهامًا بالقتل في مشاجرة، وبينما كان وكيل النيابة يقلب الأوراق وجد اتهامًا بالسرقة، وما إن قال له أنت متهم بالسرقة حتى دخل الرجل في نوبة صراخ هستيري وراح يردِّد: "كله إلا السرقة.. إلا السرقة"!.   ألم يكن بين كبار المتساقطين من أدرك ما أدركه الصعيدي البسيط؛ من أن السرقة فضلاً عن كونها جريمة فإنها عار وخزي أبدي، حتى إنه لم يهتز لتهم قد تودي به إلى حبل المشنقة، بينما ارتعد من هول الإحساس بالعار لما اتهم بالسرقة؟!   أكان هؤلاء جميعًا يستخفُّون بنا طوال الوقت، يصلون كما نصلي ويصومون كما نصوم، وفي صلاة الجمعة والعيدين يتحلَّقون حول زعيم العصابة، وقد بدت عليهم وعليه آثار الخشوع بينما هم يصلون بملابس مختلط ثمنها بمال سحت، ويصومون ويفطرون على السحت، ويحج بعضهم البيت الحرام من دم المصريين، ثم إنهم طوال الوقت يلقون إليَّ وإلى أمثالي دروسهم الكئيبة عن حب مصر والوطنية!.   أليس من العار أن مبارك ما زال لليوم يستمتع بمنظر البحر ونسيمه العليل بشرم الشيخ ومن حوله كل أسرته ويقيمون في بناء فخيم أُقيم من دمنا ويتمتعون بما سفحوا من مالنا ثم يطل علينا ليهين عقولنا ومشاعرنا، ويحدثنا عن طهارة ذمته، بينما الأرقام التي لا تكذب ولا تتجمل ناطقةٌ بأنه لصٌّ "تاريخيٌّ"، وما أخفي من مال عن دهاء وخبرات أدهى وأعظم، فقد رتب الرجل أمره لما تحقق من السقوط مستعينًا بشياطين الأنس ثم راح يحدثنا عن براءة ذمته.   إننا لا نملك بين عشية وضحاها أن نعالج الدمار والنكبات الممتدة بطول ثلاثين عامًا، ولكن ما نملكه أن تمتدَّ يد العدالة فورًا- وبلا إبطاء- إلى كل الرءوس، بدايةً من مبارك وعائلته، وانتهاءً بكل الأذناب، وإلا فإن العار هذه المرة يكون من صنع أيدينا!.

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل