المحتوى الرئيسى

يحيا الفن المنحط

04/12 08:15

مع بداية القرن العشرين الميلادى كان العالم يبدو مستقراً بعد أربعة قرون من بداية النهضة الأوروبية، فالإمبراطورية البريطانية والإمبراطورية الفرنسية تتقاسمان آسيا وأفريقيا، حتى هولندا تحتل إندونيسيا وبلجيكا تحتل الكونغو، ومع نشوب الحرب العالمية الأولى عام 1914، أصبح ذلك الاستقرار وهماً، وأدت المذبحة الأولى إلى مذبحة ثانية أو الحرب العالمية الثانية عام 1939، وفى فترة ما بين الحربين عبرت التيارات الجديدة فى الآداب والفنون عن سقوط ما كان يعتبر استقراراً، وعن الخشية من المذبحة الثانية قبل أن تقع، وذلك من خلال التعبيرية فى المسرح والسينما، والدادية والتكعيبية فى الفنون التشكيلية، والسوريالية فى الشعر وفى كل الفنون، ورواية تيار الوعى، والمذاهب الحديثة فى النقد والفلسفة والعمارة، وعندما صعد الحزب النازى الذى أشعل الحرب العالمية الثانية إلى الحكم فى ألمانيا عام 1933، قال جوبلز، وزير ما نطلق عليه اليوم الثقافة والإعلام، إن التيارات الجديدة فى الفنون هى «فن منحط»، وردت عليه الجماعات الطليعية فى بيان شهير عنوانه «يحيا الفن المنحط». وفى مواجهة حركة الواقعية الجديدة فى السينما المصرية فى الثمانينيات، أعاد حسام الدين مصطفى صياغة قول جوبلز، وأطلق على هذه الحركة «سينما الصراصير»، ومنذ التسعينيات شهدت السينما المصرية بداية حركة السينما المستقلة، التى ساهمت مع الحركات المماثلة فى الفنون والآداب، ودور النشر المستقلة، والمجلات والصحف المستقلة، فى صنع وعى الشباب الذى قاد ثورة يناير 2011، والذى استخدم أدوات الثورة التكنولوجية وهى الكمبيوتر والإنترنت وكاميرا الديجيتال وكاميرا الموبايل أو الكاميرا الرابعة بعد كاميرا الفوتوغرافيا وكاميرا السينما. كان من شعارات جيل الستينيات، الذى أنتمى إليه، أن الكاميرا بندقية تطلق 24 كادراً فى الثانية (عدد الكادرات الذى يوحى بالحركة فى شريط السينما)، ولكنه ظل شعاراً ولم يتحقق إلا فى شتاء الغضب العربى الذى بدأ فى تونس ولم ينته فى مصر، حيث قامت كاميرا الديجيتال وكاميرا الموبايل - ولاتزالان - بدور «فاعل» بكل معنى الكلمة فى كل الثورات العربية، صحيح أن الصورة رديئة والصوت أكثر رداءة بالمفاهيم المختلفة لـ«علم الجمال»، وكان من شأن جوبلز وحسام الدين مصطفى اعتبار هذه اللقطات من «الفن المنحط»، كما يراها قذافى ليبيا وصالح اليمن وغيرهما من الطغاة، ولكنها تستمد جمالها الخاص من كونها حقيقية، ولا شىء أجمل من الحقيقة، بل أصبحت «دليلاً» يكشف القتلة أمام المحاكم الجنائية، هذه اللقطات تصنع التاريخ، ومنها سوف تُصنع الأفلام عن هذا التاريخ. samirmfarid@hotmail.com  

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل