المحتوى الرئيسى

هى فوضى

04/12 08:15

أسترجع فيلم العبقرى المصرى يوسف شاهين وأنا أتابع مشهد الوطن.. دون تزويق، دون مجاملة، دون محاولة لتجنب الواقع المرير: الآن نحن نعيش فى فوضى. أرجوكم سموا الأمور بمسمياتها ولا تحدثونا عن فلول النظام أو الثورة المضادة.. إنه الفشل فى إدارة الدولة، والضعف والتراخى فى التعامل مع كل الظواهر الخطرة والمزعجة والمرعبة. مشهد مبادرة كرة القدم بين الزمالك والفريق التونسى كانت قمة هرم الفوضى. والحقيقة أننى لا أميل إلى نظرية «الفلول» والمؤامرة. إنهم مجرد مجموعة من بلطجية «الكرة» موجودون فى كل مكان.. ليس السؤال لماذا جاءوا إلى المباراة بالشماريخ والشوم والعصى، لكن السؤال لماذا سُمح لهم بدخول المباراة بتلك هذه الأدوات «غير الرياضية»؟ ولماذا لم يتم تفتيشهم؟ ولماذا نزلوا يعيثون العبث والرعب والجريمة فى كل مكان على أرض ملعب استاد القاهرة؟ لماذا تُركوا يحطمون دكك البدلاء، وينزعون الشباك والنجيلة، ويكسرون المقاعد؟! هل هناك أى معنى لذلك سوى الفوضى وغياب الأمن والانضباط؟! فإذا سألت عن الأمن فلن تجد إجابة واضحة.. أين عشرات بل مئات أفراد الأمن المركزى الذين كانوا يؤمّنون المباريات؟ هل هؤلاء أيضاً يمتنعون عن العمل؟! إن قوات مكافحة الشغب معروفة فى العالم أجمع بكل أدواتها، ومشهد تفريق مظاهرة لندن الأخيرة موجود على جميع الشاشات.. لماذا يرهبنا رجال الشرطة بأن الخيارات غير واضحة: فإما تعذيب الناس أو تركهم فى حالة فوضى؟! هل هذا هو الخيار، أم أن الخيار الوحيد أمامنا قد أصبح الاعتذار المستمر؟! وليس مشهد المباراة هو المشهد الوحيد، فمسلسل الجرائم والخطف مستمر، أرقام رسمية تؤكد وجود 40 ضحية لجرائم بلطجة يومياً بالقاهرة، مؤخراً خُطفت ابنة السياسى عفت السادات من أمام منزلها واضطر الأب لدفع الفدية لاسترجاع ابنته.. لم يعد أحد يفكر حتى فى الاتصال بالشرطة.. فالشرطة لن تحمى أحداً.. لا غنى ولا فقير. ولا يبتعد المشهد كثيرا عن مشهد الشارع الذى تتكدس فيه السيارات دون شرطى مرور، ويضطر المواطنون كثيراً للنزول إلى الشارع لتنظيم المرور بأنفسهم.. تلك هى الفوضى.. وأنظر إلى الميادين الكبرى وكوبرى قصر النيل الذى تقف السيارات على جانبيه بكل بساطة وكل هدوء، وباعة الترمس والبطاطا وغزل البنات على كوبرى قصر النيل.. تلك هى الفوضى. يغيب الإحساس بالأمان، يغيب الانضباط، ترتفع معدلات الجريمة والبلطجة ونحن منشغلون بالحوار الوطنى الذى يبدو وكأنه حوار الطرشان.. ماذا نسمى كل ذلك: إنها الفوضى. والأسئلة تتوالى: أين الحكومة، أين القيادة؟ وتتوالى التفسيرات والشكوك لدى الناس: الحكومة ضعيفة، والقيادة تهدف إلى بقاء الأمور كما هى كى يكون بقاؤها دائماً وليس مؤقتاً كما يشاع. وبين تلك التفسيرات تتعالى الفوضى حتى فى القوانين: يصدر مجلس الوزراء مرسوماً بقانون لتجريم التظاهر، وتستمر التظاهرات، ولا نعرف مصير القانون؟! إنها الفوضى فى أعلى صورها.. تتزايد لتأكل الثورة - عن قصد أو غير قصد - فتأكل مكاسبها وتأكل أحداثها وتبقى هى - الفوضى - راسخة لتهدد مقدراتنا ومستقبلنا.  فلا سائح سيأتى فى بلد تعمه الفوضى، ولا مستثمر سيضع أمواله فى بلد تعمه الفوضى، ولا مستثمر مصرى سيتوسع فى بلد تسوده الفوضى. إنه داء نُتهم به جميعاً، نحن المواطنين، بسلوكنا المريض، والآمن بغيابه المستمر غير المبرر، والحكومة بضعفها واعتذاراتها المتكررة.. والقيادة بما لا تفعله فى وقت نحتاج فيه إلى الفعل وليس إلى اللافعل. تلك جميعاً هى صفات الدولة «الرخوة» وهى كذلك.

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل