المحتوى الرئيسى

مبارك الشرير

04/12 08:15

كنت أفضل رؤية رئيس مصر السابق وهو يلقى الكلمة التى بثتها قناة «العربية» بعد ساعات قليلة من مشهد حزين جرت وقائعه فى ميدان التحرير، وسجل نهاية مأساوية لمظاهرة سلمية مليونية كانت قد خرجت للمطالبة بمحاكمته رسميا ونظمت له محاكمة شعبية. ولأن الرئيس المخلوع لم يكن بعيدا عن مؤامرة الميدان، التى سعى مدبروها لدفع الجيش لاستخدام العنف ضد المتظاهرين، فى محاولة يائسة لتوسيع الهوة بين الجيش ومجلسه الأعلى وبين الشعب وثورته الظافرة، فقد نصحه مستشاروه بإخفاء وجهه عن أعين المشاهدين، خشية أن ينفضح أمره، وأن تفصح ملامحه الظاهرة عن مكنون أعماقه الشريرة. لذا فقد رئى الاكتفاء بسماع صوته دون رؤية ملامح وجهه! غير أن الصوت خان، والمؤامرة انفضحت، وشاءت إرادة الله أن ينقلب السحر على الساحر. لقد راهن سحرة الفرعون على طيبة الشعب المصرى، متصورين أنه يكفى أن يقوم الرئيس بنفى ما تردد عن امتلاكه، هو أو أى من أفراد أسرته، عقارات أو استثمارات أو أرصدة فى الخارج، لكى يبرئ ساحته ويستعيد تعاطف الشعب معه أو، على الأقل، قطاعات كبيرة منه، مستغلا تأثير ما وقع يوم الجمعة الماضى الحزين الذى لا نستبعد مشاركة الرئيس المخلوع وأعوانه فى تدبيره.. غير أن سحرة الفرعون لم يستطيعوا أن يميزوا بين طيبة شعب مصر - وهى صفة أصيلة فيه والسذاجة - وهى صفة ليست فيه ولا تليق بشعب لديه كل هذا العمق التاريخى والحضارى - لذا ما إن فرغ الرئيس المخلوع من إلقاء كلمته حتى أدرك الجميع أنه يكذب.  فلم يكن الرجل يتحدث كمواطن عادى، أو حتى كرئيس مخلوع، وإنما كرئيس مسنود واثق من نفسه، وقادر على تحريك الخيوط من وراء ستار. ولأن مجرد إقدامه على توجيه كلمة متلفزة إلى الشعب رغم الإعلان رسميا عن وجوده تحت الإقامة الجبرية، انطوى على إدانة واضحة له وأظهره بمظهر من يتعمد الوقيعة بين الشعب والجيش، بالإيحاء ضمناً بأنه حر طليق وبوسعه أن يفعل ما يشاء، فقد كان من الطبيعى أن يُقابل تصرفه هذا باستهجان شعبى عارم، وأن يرى فيه الشعب دليلا على ضلوع الرئيس شخصيا فى كل المؤامرات التى تحيكها الثورة المضادة، بدءاً من «موقعة الجمل والبغال» الشهيرة حتى «موقعة ضباط الكاكى» يوم الجمعة الماضى. لقد لاحظ شعب مصر أن الرئيس المخلوع حاول اختزال القضية كلها فى موضوع اتهامات تتعلق بسرقة وتهريب الأموال، ونسى أن شعبه ثار عليه، لأنه حنث وخان الوطن الذى أقسم على الولاء له ورعاية مصالحه بتزوير إرادة الشعب فى الانتخابات، وبإصراره على البقاء فى السلطة لمدة ثلاثين عاماً متوالية، ونقل السلطة لابنه من بعده عبر انتخابات مزورة، وبالسماح لحفنة من رجال الأعمال الفاسدين بتوجيه السياسات الاقتصادية وتسخيرها لخدمة مصالحهم الخاصة، وببيع الغاز للعدو الإسرائيلى وبأثمان بخسة.. وكلها جرائم أشد هولا من جرائم سرقة وتهريب الأموال. كما لاحظ شعب مصر أن أقوال الرئيس فى موضوع الأموال تتناقض مع ما هو معلوم بالضرورة لدى الكافة، فهناك حسابات سرية للرئيس وأفراد أسرته بالبنوك المصرية ثبت أن بها مئات الملايين من الجنيهات وغيرها من العملات الأجنبية، وأعلنت حكومات أوروبية عديدة تجميد أموال للرئيس مبارك وعائلته فى بنوكها، وحثت الحكومة المصرية على تقديم طلب رسمى لاستعادتها بالطرق القانونية المعروفة، واستمعتُ إلى السيدة هيلارى كلينتون وزيرة الخارجية الأمريكية وهى تؤكد - ردا على سؤال طرحته بنفسى - أن ثروة مبارك فى الولايات المتحدة «تقدر بمليارات الدولارات» لكنها «لا تستطيع أن تقدم رقما محددا لأن الحصر الكامل لم يتم حتى الآن». لو كان مبارك صادقا لما أقدم على خرق قواعد الإقامة الجبرية، بمخاطبة الرأى العام المصرى عبر فضائية سعودية، ولذهب بنفسه إلى النائب العام لإثبات براءته من التهم الموجهة إليه، ولكان قد طلب من محاميه منذ شهرين مقاضاة الصحف التى تحدثت عن تضخم ثروته، وفى مقدمتها صحيفة «جارديان» البريطانية، ولتحدى المسؤولين الرسميين الغربيين، وفى مقدمتهم هيلارى كلينتون، لإثبات صحة الأرقام التى قيلت عن ثروته. لقد كشف حديث مبارك فى قناة «العربية» عن الجانب «الشرير» فى شخصيته، بعد أن كنا نظن أن «العناد» هو أسوأ ما فيه.

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل