المحتوى الرئيسى

عودة إلى الدراما الليبيّة بقلم:عبد الرزاق قيراط

04/12 22:16

في مقالة سابقة أكّدنا أنّ جميع الحسابات و التنبّآت بخصوص ليببا تعقّدت فخيّرنا التعامل معها باعتبارها دراما مأساويّة بكلّ الأبعاد. و كما توقّعنا من خلال تحليل الصراع الدائر بين مختلف الشخوص في البنية القصصيّة الليبيّة، ظهر جليّا أنّ الحلّ الذي يكون بغلبة أحد الأطراف المتصارعة مازال بعيدا، شديد الغموض بشهادة كلّ من تحدّث عن الجمود الذي عرفته المعارك في الأيام الأخيرة بين الثوّار و كتائب القذّافي. جمود لم ينجح الوفد الإفريقيّ في تحريكه فقد خرج من الأحداث بسرعة إذ رفض الثوّار الراغبون في تغيير المصير هذا الطرف الجديد و أقصوه من حساباتهم متمسّكين بمطالبهم في الإطاحة بعدوّهم الأوحد ليتولّوا دور الزعامة من بعد سقوطه. و هكذا يستمرّ الصراع بين ذات القطبين: أنصار القذّافي المتمسّكون بزعامـته و بلون رايته الخضراء و أنصار الثورة و التغيير. و في غياب النصر المطلق لأحد القطبين، تتواصل المعركة و تتوالى أيّامها و أسابيعها ممّا يؤثّر على حبكتها بسبب تكرار الأحداث نفسها، فمعارك الكرّ و الفرّ متواصلة إلى اليوم و سيطرة الثوار على راس لانوف أو البريقة أو إجدابيا تستغرق يوما أو اثنين لتعود كتائب القذافي إلى زعزعة ذلك النصر المعلن ثمّ يتكرّر المشهد و يدخل الجميع في دائرة مفرغة تعمّق حيرة الجمهور و عجزه عن فهم المسار الذي يحكم ذلك الصراع الدمويّ. حتّى استبدّ الملل بنفوس المتابعين لهذه الدراما المؤسفة و تحوّلت كتابتها إلى ما يشبه العبث. فما الذي حصل ليصل الجميع إلى هذا الجمود الذي أعلن عنه جنرال أمريكي بارز أمام أعضاء الكونغرس؟ الجواب كان على لسان ذلك الخبير ففسّر الوضع بغياب الخبرة القتاليّة لدى الثوّار و عجز كتائب القذّافي عن السيطرة بسبب القصف الجوّي لقوات الحلف الأطلسيّ. إنّ هذا التفسير هو مجرّد ملاحظة لا تحتاج إلى خبرة كبيرة للوصول إليها و لكنّها ملاحظة خطيرة لأنّها تؤكّد أنّ هذا الوضع كان مخطّطا له بكلّ تأكيد و الدليل على ذلك السيناريوهات الثلاثة التي أعلنها ذلك الخبير و هو يتحدّث عن أفق ذلك الصراع و مآله على المدى القريب و البعيد. فالسيناريو الأوّل الذي يقوم على استمرار الجمود مدّة طويلة قد تستغرق سنوات سيؤدّي في نظره إلى تقسيم ليبيا إلى جزء شرقيّ سيتميّز بسوء التسيير إداريّا ثمّ يصبح ملاذا للميليشيات المسلّحة التي ستصدّر عنفها و إجرامها إلى دول الجوار، و جزء غربيّ يتشبّث فيه القذافي بحكمه كما فعل صدّام حسين بعد حرب الخليج الأولى. و السناريو الثاني يقوم على التسوية عن طريق التفاوض الذي قد يقبل به الجميع إذا ما تواصلت حالة الجمود الأمر الذي قد يفضي إلى ما يشبه اتّفاقيّة "دايتون" لعام 1995 و التي وُقّعت بعد أكثر من عام من حملة القصف الجوّي للناتو في البوسنة. أمّا السيناريو الثالث و الأخير فيكون بنصر ساحق لأحد الطرفين و هو أمر مستبعد لا بتحقّق إلاّ بدعم من قوّة أجنبيّة لطرف على حساب الآخر. قلنا في مقالتنا السابقة إنّ الكتابة مازالت متواصلة و العبرة ليست بالنهاية كيف ستكون؟ و إنّما من الذي سيكتبها؟ فحينها فقط سنعرف من هو البطل و سنعرف النهاية. و اليوم عرفنا هذا الكاتب فالولايات المتّحدة الأمريكيّة انسحبت فجأة من ساحة القتال و سحبت طائراتها و أسلحتها الذكيّة و اختارت ذكاء العقول لدى خبرائها. خرجت من المشهد لمراقبة الصورة بكلّ خلفيّاتها و بادرت إلى التدخّل في كتابة أحداث القصّة الرهيبة التي مازلنا نتابعها فاقترحت لها سيناريوهات ثلاثة و خطّطت لنهايتها. لقد تراجعت أمريكا عن تقديم النصر للثوّار الأمر لا يشكّ أحد في قدرتها عليه. و لم نر الناتو عازما على ذلك و هو لا يستثني الثوّار من قصفه! و كلّ ذلك يدلّ على أنّ الكاتب الجديد أراد فجأة أن يغيّر مجرى الأحداث برؤية أمريكيّة. و لعلّنا لا نختلف أنّ الدراما الأمريكيّة كانت و مازالت متفوّقة نظرا لنجاح مبدعيها من الكتّاب و الممثّلين و الفنيّين الذين يدعمون سحرها بشتّى المؤثّرات، فلا تستغربوا حيال المشهد الرتيب للدراما الليبيّة الفاشلة بسبب "غياب الخبرة القتاليّة للثوّار و انعدام التنسيق بينهم". و لكنّ يحقّ لكم أن تستعدّوا لجميع المفاجآت تماما كما يحدث لكم عندما تشاهدون دراما أمريكيّة. عبد الرزاق قيراط- تونس. abder.guirat@yahoo.fr

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل