المحتوى الرئيسى

المأزق التاريخي للتنمية قبل الثورة المصرية

04/11 23:00

دون إنكار حقيقة أن السياسات الاقتصادية في عهد مبارك وخاصة مع صعود سيناريو التوريث قد أهدرت فرص استثنائية لتحقيق التنمية والتصنيع والتقدم‏,‏ فان مشكلات التنمية الاقتصادية قد عكست علاقة سببية بين أسباب ونتائج التخلف الاقتصادي المزمن‏.‏  وهذا التخلف, الكامن خلف ما تعانيه مصر من مشكلات اقتصادية واجتماعية, تقتضي الأمانة العلمية أن نبحث عن جذوره في زمن أبعد من عهد مبارك. وهذه المشكلات وإن عبرت عن نفسها بعد الثورة في حركات احتجاجية فئوية, وظفتها قوي الثورة المضادة في محاولة لوأد الثورة, علينا أن نتعلم من دروس التاريخ لماذا تم تكريسه ومن ثم كيف نتجاوزه, وهو ما يتبين من الحقائق التالية. والحقيقة الأولي, أنه رغم سبق مصر الصناعي من فجر الحضارة الفرعونية وحتي العصر الهيليني بعد فتح الإسكندر الأكبر لمصر, ورغم ومضات وإنجازات مبكرة ومبادرة في العصور الوسطي الإسلامية, فقد تأخرت مصر, وسادها ظلام زمن الانحطاط العثماني المملوكي في زمن الثورة الصناعية المبكرة. وقد ظهر بمصر نمط انتاج رأسمالي- وإن كان غير أساسي- في العصر الهليني أو البطلمي قبل الميلاد, ثم في العهد الفاطمي, كما بين أحمد صادق سعد في كتابه نمط الإنتاج الآسيوي, وهو النمط الذي ظهر في مدن مصر الفرعونية في عصرها المتأخر, وإن كان جنينيا, كما نعرف من موسوعة سليم حسن مصر القديمة وغيرها من البحوث العلمية الرصينة المنشورة عن مصر القديمة. والحقيقة الثانية, أن كشف طريق رأس الرجاء الصالح قد وجه ضربة قاصمة للرأسمالية التجارية المصرية وللصناعة الحرفية المصرية, وهي المقدمة التاريخية والمنطقية لظهور الرأسمالية الصناعية. ورغم هذا فان نخبة التجار والحرفيين قد تمتعت في نهاية العصر العثماني المملوكي بقوة اقتصادية كبيرة نسبيا, كما يبين أندريه ريمون في بحثه الرائد عن التجار والحرفيون في مصر في القرنين17 و.18 ولكن في ظروف فوضي الحكم, وإهمال أعمال الري, وانحطاط الإنتاج الزراعي, وسيادة الاقتصاد الطبيعي, وتدهور المدن والحرفة, والتقلص المخيف لعدد السكان, لم تتوافر لمصر المقدمات السياسية والاقتصادية والاجتماعية للثورة الصناعية. ولم تعرف مصر الطريق الثوري لميلاد الرأسمالية في الصناعة, حيث يظهر كبار الرأسماليين الصناعيين من بين صفوف الحرفيين. كما لم تعرف مصر تحول رأس المال الربوي ورأس المال التجاري الي رأس المال الصناعي إلا استثناء, وكان الابتزاز المملوكي لرؤوس أموال التجار والحرفيين وأعيان الفلاحين عاملا حاسم الأهمية في تدمير الفرص المتاحة للتراكم الرأسمالي الصناعي. والحقيقة الثالثة, أن دروس التاريخ المعاصر وحقائق الواقع الراهن تؤكد صحة أن الحاضر صورة الماضي, وأن المستقبل صورة الحاضر. ويتضح هذا الاستنتاج العميق من الإطلالة علي تأثير كل من البيئة الخارجية والمسئولية الوطنية علي التصنيع والتنمية في تاريخ مصر الحديثة. أقصد ما تعاقب من انجازات وإخفاقات خلال القرنين الماضيين منذ تولي عهد محمد علي باشا حكم مصر في عام1805 وحتي الآن. وبإيجاز فانه رغم ما حققته المشروعات المصرية للتصنيع والتنمية من انجازات رائدة- بمقاييس زمنها ومقارنة بنقاط انطلاقها- فقد أخفقت جميعها في استكمال مهامها وفق المعايير العالمية في عصرها ومقارنة بالتطلعات الوطنية في حينها. والحقيقة الرابعة, أن مصر قد شهدت في زمن ولاية محمد علي باشا انجازا تاريخيا للتصنيع الآلي والتنمية الاقتصادية الشاملة قبل غالبية البلدان الأكثر تقدما من مصر حاليا. لكن سياسة الباب المفتوح, التي فرضها التدخل الأجنبي مع صعود النظام الاستعماري العالمي, كانت عاملا رئيسيا في إخفاق هذه المحاولة الرائدة للتصنيع الحكومي في مصر. وحالت البيئة الداخلية والسياسة الخارجية دون التطور الرأسمالي اللاحق للتصنيع الاقطاعي الحكومي في عهد محمد علي, حيث أدت سياسة احتكار الدولة الي حرمان الصناعات الحرفية المصرية من فرص تحقيق التراكم الرأسمالي, بل وكادت تصفيها. وفضل الأجانب الحائزون علي رأس المال التجاري والربوي الاستفادة من فرص الريع الأعلي والآمن للإقراض الربوي ومكاسب التجارة الخارجية علي المخاطرة أو تحقيق ربح أقل بتوظيف أموالهم في تمويل الصناعة الرأسمالية الحديثة. وساهم في تكريس هذا الإخفاق التأثير السلبي للسياسة الخارجية لمحمد علي, التي وفرت الذريعة للصدام المحتم بين اصطدام طموحاته الإمبراطورية والأطماع الأوروبية التوسعية في زمن تكوين الإمبراطوريات الاستعمارية. والحقيقة الخامسة, ان كبار ملاك الأرض من الإقطاعيين وأشباه الإقطاعيين المصريين; الحائزون علي الثروة النقدية المتراكمة من إنتاج وتصدير القطن; لم يقدموا علي الاستثمار الصناعي, وفضلوا الاستخدامات الاستهلاكية التبذيرية اقطاعية الطابع, في عهود خلفاء محمد علي إذا استثنينا التصنيع علي نطاق ضيق في عهد الخديوي إسماعيل. لكن سياسة الإدارة الاستعمارية البريطانية المناوئة لتصنيع مصر, وخاصة بتقييده لتصنيع القطن محصول الأمة الرئيسي, كانت العامل الحاسم في تأخر الانقلاب الصناعي الرأسمالي في مصر. ورغم هذا, فان مصر- قبل غالبية البلدان الصناعية الجديدة والصاعدة حاليا- عرفت مبادرة رائدة للتصنيع الرأسمالي وطني الركائز بفضل الدور التأسيسي للصناعة الآلية الحديثة في مجال الغزل والنسيج بمبادرة بنك مصر تحت قيادة طلعت حرب, وتمكنت الصناعة التحويلية المصرية من شغل موقع متقدم بين البلدان المستعمرة وشبه المستعمرة والتابعة. وقد تحقق هذا الانجاز التاريخي في ظل الاستقلال النسبي في مجال صنع السياسة الاقتصادية الذي انتزعته مصر بفضل ثورة.1919 لكن املاءات البنك الأهلي المصري الانجليزي وتواطؤ الأسرة المالكة وغيرها من كبار ملاك الارض أشباه الإقطاعيين, والنخبة الرأسمالية الأجنبية المهيمنة في الاقتصاد المصري ووكلائها المصريين والمتمصرين, كانت العامل الرئيسي في فرض الحكومة المصرية قانون دعم بنك مصر بشروطه التي جمدت دوره التاريخي التأسيسي للصناعة الرأسمالية الوطنية. والحقيقة السادسة, أن مصر قد شهدت في عهد ثورة يوليو محاولة طموحة لتصنيع المستقل والتنمية الشاملة وضعت مصر في مقدمة البلدان النامية المستقلة من حيث مستوي التصنيع. وتحقق هذا الانجاز ارتكازا الي قيادة الدولة والقطاع العام وبرامج وخطط الاستثمار, وما أتاحته علاقات التعاون الاقتصادي والفني مع الاتحاد السوفيتي السابق من فرص لتصنيع مصر, والاستفادة من علاقات التجارة والتمويل والاستثمار مع الغرب في ظروف التنافس بين المعسكرين الرأسمالي والإشتراكي في زمن الحرب الباردة. لكن الاقتصاد المصري حرم من التراكم التاريخي لخبرة رواد التصنيع الرأسمالي الوطني بقرارات التأميم الإشتراكي, حيث شمل الرأسمالية الصناعية الوطنية التي كان يمكن أن تمثل إضافة إلي الاستثمار الجديد الأوسع للقطاع العام الصناعي. ودخل اقتصاد الأوامر, الملازم لهيمنة الدولة في مراكز المال والصناعة والاقتصاد, مأزقا حادا بعد استنفاد قدرته علي تعبئة وتنمية الموارد اللازمة لمضاعفة الاستثمار. كما دفعت خيارات السياسة الخارجية إلي احتدام التناقض وتصاعد الصدام بين النظام الناصري والمصالح الأمريكية إلي مدي تجاوز قدرات مصر علي مجابهة تداعياته وتخطي حدود مساندة الحليف السوفيتي, ووفر الأسباب والذرائع للعدوان الاسرائيلي المدعوم أمريكيا في يونيو1967, الذي وجه الضربة الغادرة والقاصمة وقاد الي الهزيمة الأليمة للمشروع الناصري. وبإيجاز فان علينا أن نبحث عن جذور مأزق التنمية الاقتصادية المصرية ليس فقط في العوامل الخارجية, وإنما أيضا في الأوضاع الداخلية. وللحديث بقية عن مأزق التنمية قبل ثورة25 يناير, وإستراتيجية التنمية المنشودة بعدها.taleem@ahram.org.eg المزيد من مقالات د‏.‏ طه عبد العليم

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل