المحتوى الرئيسى

سبل الإعلان عن حالات الوفاة من البدع بقلم:موسى حجيرات

04/11 21:20

سبل الإعلان عن حالات الوفاة من البدع موسى حجيرات كلّ بني البشر يعرفون إنّ الموت حقيقة لا مفرّ منها، ويدركونها على اختلاف دياناتهم ومعتقداتهم ومدى إيمانهم، وأجناسهم وألوانهم وأماكن تواجدهم. ومع كراهيتهم له، وإدراك تأثيره السلبي على حياتهم يقرّون به وبقدومه إليهم. يعرفون أنّه آت لا محالة، ويدركون أنّهم لا يستطيعون أن يفرّوا منه مهما تحصّنوا بحصونهم، ومهما بلغوا من التقدّم والتطوّر والرقيّ، والسيطرة على التقنيات الحديثة فلا مجال لمحاربته والتغلب عليه. والغريب، إنّ قليلا منهم من يعدّ له عدّته، فالغالب يغفلون عنه ولا يذكرونه أبدا، وإن ذكروه لا يتصوّرونه كما يجب، ولا يتخيّلون أنفسهم بعد أن يهاجمهم ويتغلب عليهم. فمن يتصوّر جسده الرشيق الأنيق ذا العضلات المفتولة وهو مسجّى في حفرة لا تتّسع إلا له. ومن يتخيّل الجسد الناعم المعطر المزخرف وهو جثّة مسجّاة على التراب الخشن، يتناوشها الدود، داخلا وخارجا، بغير إذن ولا تصريح. ومن يتخيّل الصوت الشجي المغني المغرد أو المرتفع في الجدال والمراء، وهو أخرس أمام أسئلة منكر ونكير. ومن يتصوّر من لا يطيق الضوء الخفيف لاعتياده على الأضواء المبهرة بألوانها ومدى حدّتها أنّه ينام في الظلمة الموحشة التي لا يرى فيها أصبعا وإن مُدّ. ومن يتخيّل المخلوق الاجتماعي الذي يعيش في أكناف الأهل، وأحضان الزوجة، ومسامرة الأصدقاء، والخلان، والمعارف، والزملاء أن ينفرد لوحده، لا أنيس ولا رفيق. كلّ ذلك يبعد بني البشر عن الخوف من الموت، ومن رهبته، ويجعلهم في غفلة عنه. وإن سئل أحدهم عن الأسباب وجد أنّها تكمن في وساوس النفس، والشيطان الذي يزيّن للناس حياتهم الدنيا بما فيها من مال وولد ونساء وجاه حتّى يربطهم، ويشد وثاقهم في هذه الأمور؛ فيصعب عليهم التخلّص منها، ولو شغلتهم عن الموت وذكراه. وهكذا فقلّ من يعدّ نفسه للموت وينتظره، وغالبا ما يكون هؤلاء من المرضى بمرض خبيث مزمن، يقعد صاحبه عن أيّ عمل أو حركة أو فعاليّة، فيشعر هذا وكأنّه قريب من الموت، لذلك ينتظره كل لحظة؛ فيكون قدومه سهلا على أهل الميت وأقاربه. وفي حالات معيّنة تطول فترة الانتظار حتّى يتمنون قدومه وينشدونه، وكأنّهم يريدون التخلّص من قريبهم المحتضر ليس إلا. ولكن غيرهم يداهمهم الموت فجأة؛ فيكون وقعه أصعب على الأهل والأقارب، وكأنّه أخذهم على حين غرّة وهم في غفلة. ففي حالة انتظار موت المحتضر الذي طال انتظاره للموت نجد الأهل والأقارب يتقبلون خبر الوفاة بشكل عادي. وأحيانا ربّما يضمرون فرحا كبيرا بأنّ العبء قد زال عنهم. وكلّ ما كلّفوا به من خدمة المحتضر ورعايته قد انتهى، وهم يدركون إنّما يفعلون ذلك ليس ابتغاء للأجر إنّما تحاشيا لكلام الناس. وهنا يكون هؤلاء قد تخلصوا من محتضرهم وسلموا من كلام الآخرين. أمّا في حالات الموت المفاجئ؛ فيستقبلون نبأ الوفاة بالجزع والصراخ والعويل. ومنهم من يكون وقع الخبر عليه سيئا جدا، فلا يتمالك نفسه ويغمى عليه ويفقد الوعي. ومنهم من يشقّ الجيوب، ويلطم الخدود، ويعلو صراخه. والناس يتفاوتون في ردود الفعل. ومعروف أنّ النساء أكثر عاطفيّة من الرجال، مثلا، فهذه الرّدود مألوفة لديهنّ، وإن بالغن أحيانا في ذلك يزجرهنّ الرجال ويسكتونهنّ، لأنّ ذلك بزعمهم عيب ليس إلا، ولا يأبهون بأنّ ذلك حراما أو مكروها شرعا إنّما تحاشيا للخروج عن المألوف من العادات والتقاليد بأنّ النساء لا يصرخن، وإن فعلن ذلك ففي خدورهنّ. وهناك من يتقبّل أمر الموت بأنّه قدر الله؛ فيكون قبوله حسنا مرضيا، وإن حزن ففي سرّه. فالحزن هو عاطفة خلقها الله، وبالرغم من الإمكانيّة المحدودة للتحكم بها، فهي تجيش أحيانا فتطفو، فيبدو المرء حزينا، وقد يتمكن من إخفاء الحزن فيبقيه في داخله، فيراه الآخرون عاديّا بسلوكه وتصرفه الظاهر، ولكنّه يتقطّع بداخله حزنا وأسى. أمّا الشرع فلا يحارب الحزن ولا يحرمه، وكذا البكاء أيضا. ويعتبره أمرا طبيعيّا ويسهل وطأة الخطب. فالرسول صلى الله عليه وسلم بكى إثر فراق ابنه إبراهيم، وحين نبهه أحد صحابته قائلا: "وهل يجوز ذلك؟ فقال:"إن العين تدمع والقلب يحزن ولا نقول إلا ما يرضى ربنا، وإنا بفراقك يا إبراهيم لمحزونون" (مسلم: 4/1807). أمّا ما حرّمه الشرع وحاربه فهو مظاهر الحزن السلبي، كالصراخ والعويل والنياحة، ولطم الخدود، وشق الجيوب أو التوحّد والابتعاد عن الناس، والجزع وسوء ردّ الفعل. فقد اثر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنّه حين جاءه نعي أحد أحفاده، بحضور أسامة بن زيد، قال للرسول الذي جاءه: "ارجع إليها (إلى إحدى بناته التي بعثت إليه) فأخبرها: إنا لله ما أخذ، وله ما أعطى، وكل شيء عنده بأجل مسمى، فمرها أن تصبر وتحتسب "(البخاري: 1284؛ مسلم: 923). ومن الناس من يتقبّل أمر الوفاة، وبشكل عاديّ طبيعيّ، فلا يحزن ولا يصرخ ولا يبكي، ولا يهتم أبدا، فالموت بالنسبة له فقد إنسان، وعليه تقبّله، وكلّ المظاهر المصاحبة هي مراسيم ليس إلا. ومهما كان من أمر تقبّل حالة الوفاة أو عدم قبول الأمر بالشكل الصحيح فالأمر حاصل، والمحتضر مات، ولا بدّ من بداية الإعداد لأمر الغسل والتشييع والدفن، وكل المراسيم المصاحبة. فقد اعتاد الناس في العصر الحديث على الإعلان عن حالات الوفاة وبوسائل عدّة. فنادى مناد في الحارات يخبر بوفاة فلان، وبساعة الدفن. فيهرع من يسمع إلى بيت أهل الميّت، ويجلس هناك حتى يتمّ إعداد الميت للتشييع، ومن ثمّ إلى الدفن؛ فيشيعونه إلى مثواه الأخير ويعودون. وقد تطور ذلك فنادى المؤذن من مئذنة المسجد للناس في كلّ حيّ فهرعوا كذلك. وحين وضعت مكبّرات الصوت في المساجد، بدأ المؤذن يعلن بصوته في مكبّر الصوت عن موت فلان، وعن ساعة دفنه. أو أن تطبع دعوات في مطبعة معيّنة، وتوزّع لتعلق في المساجد أو الأماكن العامة. وفي بعض الحالات ينشر خبر الوفاة في الجرائد وفي الصحف المحليّة. وحين تطورت وسائل الاتّصال والإعلام أصبح يذاع الخبر في الراديو والتلفزيون، وفي مواقع الكترونيّة. أمّا أمر الإعلان فهو موجّه إلى جمهور أصدقاء الميّت، ومعارفه، وزملائه، ورفاقه في العلم والعمل، وغيرهم. وأصبح مألوفا أنّ أمر الإعلان ليس للتعريف فقط إنّما يتضمن ذلك دعوة إلى حضور مراسيم الجنازة، والوفود إلى بيت العزاء المفتوح لثلاثة أيام، والجلوس لتقديم التعازي. وهذا ما لم يفعله الرسول صلى الله عليه وسلم، ولا صحابته، ولا التابعين الأولين، فكيف يفعله المسلمون في هذه الأيام؟ إذن أليس ذلك بدعة مشؤومة؟ إنّ في دعوة هؤلاء أمر مكلف جدّا من ناحية الوقت وتضييعه، ومن الناحية الماديّة أيضا، وكذلك في التأثير السلبي على شعورهم بالخوف في وقت يجب فيه الفرح والانبساط. وكذلك في الأمر مآخذ شرعيّة أيضا، ومخلّات بالمنطق السليم، أيضا. فإنّ كثرة المدعويين فيها نوع من التباهي والتبجح، وقد درج ذلك على ألسنة العامّة بأنّ قيمة الميّت بكثرة المشيعين والوافدين إلى بيت العزاء حتّى صار الناس يكثرون من مدعوييهم لنيل القدر والقيمة الاجتماعيّة للميّت ولأهله وأقربائه. وإن هذا أمر لا يجوز شرعا، وإن قيل إنّ الإكثار من المدعويين لنيل الأجر، وذلك عملا بما أثر عن رسول الله ‏ ‏صلى الله عليه وسلم، بأنّه قال: "‏ما من رجل مسلم يموت فيقوم على جنازته أربعون رجلا لا يشركون بالله شيئا إلا شفّعهم الله فيه" (مسلم: 1577). ولكن لكلّ ظرف ما يناسبه، ولكل حالة خواصها وخصوصياتها. ولو كان الأمر محتّما وجود أربعين رجلا، لكان ردّ فعل الرسول صلى الله عليه وسلم حين مات عبد الله ذو البجادين في غزوة تبوك ردّا آخر. فقد قال عبد الله بن مسعود في ذلك: قمت من جوف الليل، وأنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك، فرأيت شعلة من النار في ناحية العسكر. قال: فأتّبعتها أنظر إليها، فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر، وإذا عبد الله ذو البجادين المزنيّ قد مات، وإذا هم قد حفروا له، ورسول الله صلى الله عليه وسلم في حفرته وأبو بكر وعمر يدليانه إليه، وهو يقول: أدنيا إلي أخاكما، فدلياه إليه، فلما هيأه لشقّه قال: اللهم إني أمسيت راضيا عنه، فارض عنه" (الطبراني: 11165). فقد قام أبو بكر وعمر والرسول صلى الله عليه وسلم بدفنه ولم يوقظوا أحدا من النائمين، وهذا دليل بأن لا يكلّف إلا من حضر، ولا يدعى لذلك أحد. وإن سأل سائل، فكيف التعزية إذن؟ وكيف يجب أن يسلك من مات أحد أقربائه؟ فللإسلام في ذلك تعليمات واضحة استنادا إلى سنّة الرسول صلى الله عليه وسلم، والى هدي الصحابة بما فهموا من السنّة، وعلينا نحن إتباعها ولزومها. ولكن في هذه الأيام قد يجتمع أربعون شخصا من أهل الميت فقط، وكلّهم يعلمون بخبر وفاة قريبهم بدون مكبّرات صوت، ولا مناشير، ولا جرائد، ولا راديو أو تلفزيون، ولا فضائيات أو مواقع الكترونيّة. وهذا إثبات قاطع إنّ العمليّة ليست لنيل الأجر لأنّ ذلك حاصل بدونها إنّما هي للمباهاة، ولهذا فهي بدعة، ويجب التخلص منها. وكذلك فإنّ دعوة هؤلاء تتضمّن إلزامهم بالحضور، وهكذا فالأمر هو تضييع لأوقاتهم في عمل لا يرضاه الله، ولا الرسول، وربّما لديهم أعمال أهمّ منه بكثير. وهكذا فالدعوة تشغلهم وتبعدهم عن إعمالهم، وقضاء حوائجهم، وهذا لا يجوز شرعا. وكذا أيضا فقدومهم يلزم استقبالهم، والجلوس إليهم، وتقديم الواجبات لهم، وهذا ما يشغل المرء المتوفى قريبه عن خصوصيّاته، وعن أموره الشخصيّة. أمّا الناحية الماديّة فهي مؤثرة جدا؛ فالناس القادمين إلى بيت العزاء يكلفهم ذلك مصروف سياراتهم، وتعطيل أعمالهم، وكذلك يكلف أقرباء الميّت مثل ذلك، وربّما أكثر من المصاريف البعيدة عن شرع الله، وهذا إضاعة للمال في غير وجه شرعيّ وهذا من البدع الخطرة أيضا. ومنهم من لا يجد مالا لتمويل سفره بمركبته أو بالمواصلات العموميّة فيحرج، ويقترض من الآخرين لهذا الهدف، وكذا يشقّ عليه الأمر كثيرا. أمّا من الناحية الدينيّة الشرعيّة فإنّ الجلوس في بيت العزاء خلاف السنّة، كما قال علماء هذا الزمان، ولم يفعله الصحابة أبدا، فإن كان مخالفا للسنّة، أليس ذلك بحرام؟ إذن أصبحت دعوة الناس إلى بيت العزاء هي دعوة إلى حرام، وما الدعوة إلى الحرام إلا حرام أيضا. كما أنّ في دعوتهم تكليف بما لا يطيق معظمهم، والله تعالى يقول: "لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا" (البقرة: 286). وأخيرا فإنّ ما اعتاد عليه الناس في هذا الزمان وألفوه هو بدعة مستحدثة، والبدعة ضلالة، والضلالة في النار، ومن ابتدعها ومن اتّبعها ومن فعلها فهو مخالف لسنّة المصطفى صلى الله عليه وسلم. وإن تحجج المبتدع أو التابع أنّ هذه من الصغائر، ولا يجب أن نولي لها اهتماما فليعلم أنّ الصغائر إذا اجتمعت تحوّلت إلى كبائر، و"ما النار إلا من مستصغر الشرر". وكذلك فالإصرار على الصغيرة هو كبيرة والواجب تجنبّها. ولينتبه من يحقّرون الأمر ولا يهتمون به، ويقولون بلسان طويل: "إنّ الناس قد اعتادوا على ذلك"، ولا يمكن تغييره، بل يحتجّ البعض، ويقول: "لن أكون من يبدأ بذلك"، خوف انتقاد الآخرين، وهذا سلوك جاهليّ ليس إلا. ويتلخص في "هذا ما وجدنا عليه آباءنا". ولهذا فمن يمت قريبه يكفيه فراقه، وحزنه عليه، فليدعو له خير من أن يجلب لنفسه المشقة والعناء والتعب في الدنيا، ونقد الناس إثر أيّ تقصير في أمورهم في هذه الفترة، وكذلك يجلب له السيئات والآثام في الآخرة، وما ذلك بنافعه شيئا أبدا. وأن كان المرء يظنّ إن فعل ذلك، حتّى وأن كان بدعة هو ابتغاء مرضاة الله؛ فهذا أشدّ وأقسى لأنّ شرّ البدع ما اعتقد مبتدعها وتابعها بأنّها تقرّب لله، فالله شرع سبل عبادته، ولم يبق أمرا غامضا أو غير مفهوم إنّما أكمل الدين ورضي الإسلام.

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل