المحتوى الرئيسى

سوريا حالة مختلفة نوعيا حقا بقلم نقولا ناصر

04/11 20:46

(سوريا ما زالت في حالة حرب وما زالت أراضيها محتلة وهذا فارق جوهري عن بقية الدول العربية الأخرى يجعل من سوريا حالة مختلفة نوعيا حقا. وهذه حقيقة يدركها المعارضون ربما أكثر من الحكم ذاته) بقلم نقولا ناصر* صحيح أن تبادل السلطة وتثبيت آليات دستورية لتبادلها، وفصل الدولة وأجهزتها الوطنية عن النظام الحاكم ثم الفصل بين سلطاتها التنفيذية والتشريعية والقضائية، واحترام الحريات المدنية والعامة والفردية في هذا الإطار، وإنهاء توريث الحكم وعبادة الفرد في إطار حكم الحزب الواحد أو الأسرة المالكة أو الحاكمة والانتقال إلى الشراكة السياسية عبر التعددية الوطنية لا التعددية العرقية والدينية والطائفية والقبلية، وإنهاء الدمج بين الحزب الحاكم وبين الأجهزة الأمنية، وإنهاء تغول المؤسسة الأمنية على المجتمع ومؤسسات الدولة الوطنية ومنها القوات المسلحة، ووضع أسس دستورية تضمن أن يكون صانع القرار الوطني ممثلا للشعب ومسؤولا أمامه وخاضعا لرقابته، والعدالة الاجتماعية في توزيع الثروة الوطنية ومشاريع التنمية، وغير ذلك مثل حالة الطوارئ المعلنة والفساد والبطالة المستشريين، إنما هي قواسم مشتركة بين الانتفاضات الشعبية المستعرة الآن أو الكامنة بانتظار ظروف موضوعية للتعبير نفسها والتي تجتاح الوطن العربي، بغض النظر عن الأنظمة جمهورية كانت أم ملكية. وسوريا جزء من الوطن الكبير وشعبها جزء من الأمة الأكبر، وبالتالي فإن هذه القواسم المشتركة تنطبق عليها كما تنطبق على غيرها، لكنها بالرغم من ذلك تظل حالة خاصة مختلفة نوعيا. في مقابلة أجرتها معه الوول ستريت جورنال الأميركية آخر كانون الثاني / يناير الماضي لم يجانب الرئيس السوري بشار الأسد الصواب عندما قال إن سوريا "خارج" ما كان يحدث في تونس ومصر، ولاحقا في أقطار عربية أخرى، من ثورة شعبية من أجل تغيير أنظمة الحكم فيها، ليس بمعنى أنها "خارج" تلك القواسم المشتركة، فالأسد وحزب البعث الحاكم الذي يقوده تميزا عن كل الأنظمة الأخرى التي واجهت انتفاضات من أجل المطالبة بهذه القواسم المشتركة بالاعتراف بالحاجة الماسة إلى التغيير والتحديث والإصلاح، منذ تولى الرئيس السوري الحكم في بداية الألفية الجديدة ثم منذ أقر الحزب الحاكم خططا لذلك قبل ست سنوات، وتميزا بالمسارعة إلى الاستجابة لهذه المطالب قبل اندلاع الاحتجاجات الشعبية ثم بالوعد بالاستجابة لها ضمن مدد زمنية محددة في الأجل القصير بعد اندلاعها. ومع أن معظم المراقبين يكادوا يتفقون مع النظام الحاكم في القول إن هذه الاحتجاجات تطالب بإصلاح النظام لا بتغييره فإن طرح قانون للأحزاب يشرك النظام بعض معارضيه في وضعه لإقراره في استفتاء عام وليس في مؤتمر للحزب الحاكم إلى جانب قرار سابق للرئيس بالفصل بين مؤسسات الدولة وبين الحزب الحاكم هو، على سبيل المثال، مؤشر واضح إلى تغيير جذري مرتقب في النظام باتجاه المشاركة والتعددية السياسية يفتح الباب واسعا أمام تعديلات دستورية تضع المادة الثامنة من الدستور النافذ حاليا، التي تضمن لحزب البعث قيادة الحكم، على جدول أعمال الإصلاح المطلوب لتحوله عمليا إلى عملية تغيير تاريخية تتجاوز كثيرا الحدود الإصلاحية. غير أن هناك أسبابا أعمق وأهم من الناحية الاستراتيجية ل"الخصوصية" التي تجعل سوريا حالة مختلفة في مسلسل "الربيع العربي" الذي تتبرعم ورود الحرية فيه الآن مخضبة بالأحمر القاني لشهداء الحرية، والتي تضع الحكم والمحتجين عليه على حد سواء أمام مسؤولية تاريخية لاتخاذ القرار الصعب الصحيح للموازنة بين مستحقات شعبية داخلية وبين استحقاقات وطنية خارجية. إن سقوط الشهداء من الحكم ومن المطالبين بإصلاحه أو بتغييره لا فرق هو نذير شر مستطير يهدد بتطاير سريع لشرارة العنف. ومن المؤكد أن المحتجين والحكم وكل العرب الذين يدركون الأهمية التاريخية للدور السوري الحاسم في القضايا العربية الساخنة وبخاصة الصراع العربي الإسرائيلي، وكذلك العرب المعنيين بالسلام مع دولة الاحتلال الإسرائيلي وبالتطبيع مع الاحتلال الأميركي والنظام المنبثق عنه في العراق وبالتالي فإنهم معنيين بانتهاء هذا الدور لكنهم يدركون المخاطر المحتملة لانهيار النظام العام في سوريا على الاستقرار الإقليمي والوطني في أقطارهم نفسها، يضعون جميعهم الآن أياديهم على قلوبهم خشية تكرار السيناريو العراقي أو الليبي في سوريا بحيث تنهار الدولة والحكم المركزي وتعود الحدود الوطنية بلا حراسة وينعدم الأمن العام والأمان الشخصي وتندلع حرب أهلية يصول ويجول في رحابها الجواسيس وعملاء المخابرات الأجنبية ومهربو المخدرات والسلاح والمتجرون بالبشر والمرأة، فتنفتح بذلك الأبواب على مصاريعها للتدخل الأجنبي العسكري وغير العسكري. ومن المؤكد أن لا مصلحة لأحد من العرب في سوريا وفي غيرها في أي سيناريو كهذا، وإذا كان لا بد من الاختيار بين استمرار الوضع الراهن وبين سيناريو كهذا فإن من المؤكد أن منع أي سيناريو كهذا يخدم المصلحة الوطنية السورية والعربية على حد سواء، فالوضع الراهن لن يدوم وسوف يتغير إن عاجلا أو آجلا لأن الحكم والمحكومين متفقون على أن تغييره قد أصبح استحقاقا متأخرا أكثر من اللازم، لكن استبداله بالنموذج العراقي أو الليبي أو حتى اليمني الراهن هو تماما السيناريو الذي يأمل فيه ويعمل من أجله كل الأعداء المشتركين للعرب جميعا، حكاما ومحكومين، في سوريا وفي غيرها. وإذا كانت الدول العربية الأخرى تستطيع أن تتمتع برفاهية صراع اجتماعي يطول أمده من أجل إسقاط النظام أو تغييره أو إصلاحه كما هي الحالة اليمنية، أو يمكنها أن تتحمل إسقاط النظام السياسي فيها ثم تنتظر لفترة قد تطول أو تقصر حتى يتبلور نظام جديد فيها كما هي الحالة المصرية، أو يمكنها حتى أن تتحمل حربا أهلية نهايتها غير منظورة كما تطور إليه الوضع في الحالة الليبية، دون أن يمس ذلك بوحدة أراضيها الإقليمية وسيادتها الوطنية إما لأنها مستندة إلى معاهدات صلح مع دولة الاحتلال الإسرائيلي أو محمية بالمظلة الأمنية الأميركية أو بكلا الأمرين، فإن سوريا ليس في وسعها أي رفاهية كهذه. فسوريا على تماس مباشر مع الاحتلال الأميركي في الشرق الذي يعتبرها الهدف الثاني والأخير بعد العراق الذي ما زال يقف عقبة أمام بسط هيمنة الولايات المتحدة على المنطقة بكاملها، وعلى تماس مباشر مع الاحتلال الإسرائيلي في الغرب الذي ينتظر فرصة سانحة على الطريقة العراقية أو الليبية لفرض شروط الاستسلام عليها باسم السلام. فقد خاضت سوريا أربعة حروب رئيسية مع دولة الاحتلال الإسرائيلي في اعوام 1948 و1967 و1973 و1982 تفصل بينها اتفاقيات لوقف إطلاق النار دون أن تنجح خلالها أي من الاتصالات أو المفاوضات في إنهاء حالة الحرب ليس فقط بسبب أطماع دولة الاحتلال التوسعية بل أيضا لأن الراعي الأميركي لهذه الدولة يسعى إلى تغيير النظام السوري بآخر يستسلم للشروط الإسرائيلية مع أن الولايات المتحدة قادرة على إلزام دولة الاحتلال بالانسحاب الكامل من هضبة الجولان السورية المحتلة كي تغير المشهد السياسي الإقليمي بكامله وليس فقط تغيير سياسات هذا النظام التي تتمحور داخليا وخارجيا حول تحرير أراضيه المحتلة. وسوريا ما زالت في حالة حرب وما زالت أراضيها محتلة وهذا فارق جوهري عن بقية الدول العربية الأخرى يجعل من سوريا حالة مختلفة نوعيا حقا. وهذه حقيقة يدركها المعارضون ربما أكثر من الحكم ذاته بدليل أن بعضهم يأخذ على الحكم حالة وقف إطلاق النار التي طالت على الجبهة. ومن هنا المسؤولية المشتركة على الحكم ومعارضيه كي لا يغطي الغبار المتطاير تحت أقدام المتظاهرين وأرجل الأمن التي تلاحقهم على هذه الحقيقة، وكي لا يقود الصراع على استحقاقات داخلية إلى تغليب التناقض الثانوي على خطر التناقض الرئيسي الذي يتربص بهم جميعا من الشرق ومن الغرب. وإذا كان انهيار النظام العام أو تغيير النظام الحاكم في تونس أو مصر أو اليمن أو ليبيا لا يغير في معادلة الصراع الإقليمية الكثير في الأجل القريب فإن انهيار النظام أو تغييره في سوريا سوف يقلب هذه المعادلة راسا على عقب ويقود إلى نتائج استراتيجية سوف تدوم آثارها لفترة طويلة مقبلة. ومن هنا أهمية البديل الذي تريده المعارضة. فالفصل بين المستحقات الداخلية وبين الاستحقاقات الخارجية غير ممكن في سوريا، وليس بالسهولة التي كان عليها الحال في تونس ومصر مثلا، مما يلقي على كاهل المعارضين عبء توضيح أجندتهم الخارجية قبل أن ينزلوا إلى الشوارع، خصوصا وأن أسباب كثير من همومهم الداخلية خارجية أساسا. فحصة الدفاع الكبيرة من الميزانية على حساب التنمية، وأسباب "التأخير" الذي أشار إليه الرئيس الأسد في تنفيذ إصلاحات مقرة حزبيا، كمثالين، سببهما الاحتلالان الإسرائيلي والأميركي. كما أن أجندتهم الداخلية ليست أقل أهمية، فعلى سبيل المثال، ماذا لديهم غير ما لدى النظام من حلول للنتائج السلبية التي خلفها الجفاف منذ حوالي عشر سنوات على الزراعة فتأثر به ثلاثة ملايين سوري (الرئيس الأسد) وقاد إلى نزوح مئات الآلاف من الريف إلى المدينة، والجفاف رباني وليس من صنع النظام، أي نظام، أو لمتوالية ارتفاع أسعار الوقود وملحقاته نتيجة لنضوب الموارد النفطية، ونضوبها سببه إما الطبيعة أو الاحتلال الأميركي الذي عطل الحل العراقي لهذه المشكلة لا النظام، ناهيك عن تحرير الاقتصاد وتغول القطاع الخاص وفساده الذي أفسد القطاع العام بدوره بسبب العولمة الأميركية التي لا تترك لأي نظام غير التأقلم معها، ناهيك عن كون النظام الحالي قد ورث حالة الطوارئ ومشكلة تجنيس الأكراد ولم تكونا من صنعه مع أنه يتحمل المسؤولية عن تفاقم المشكلتين بإطالة أمدهما. إن استهلاك أي نظام لذاته سبب كاف للانتفاض ضده، لكن عدم توفير بديل مقنع له لا يسوغ أبدا سياسة "علي وعلى أعدائي". وربما لهذا السبب يظل النظام موحدا ومتماسكا في مواجهة احتجاجات متسعة يصفها بأنها مشروعة، فلم يستقل أحد من مسؤوليه أو يغادر البلاد كما حدث في ليبيا، والجيش يظل مواليا للرئيس والنظام خلافا لما حدث في تونس ومصر واليمن، والاحتجاجات لم تتسع في المدن الكبرى التي تضم أكثر من نصف السكان حيث ما زال حوالي ستة ملايين في العاصمة وخمسة ملايين في حلب مثلا مراقبيين سلبيين أو يحشدون جماهير موالية تزيد اضعافا على عديد المحتجين، وجبل العرب وجبال العلويين والجزيرة السورية هادئة تماما (كندا فري برس)، بينما خرج السوريون في هضبة الجولان المحتلة بالآلاف تاييدا للنظام. كما يلاحظ أن النقابات العمالية الممثلة للطبقة العاملة الكبيرة في البلاد التي تعتمد على القطاع العام ودعم النظام للمواد الأساسية والمتضررة من تحرير الاقتصاد وتخفيض الدعم الذي يطالب بهما الإصلاحيون الليبراليون تتمسك بالنظام والحزب الحاكم (جوشوا لانديس مدير مركز دراسات الشرق الأوسط الأميركي والأستاذ بجامعة أوكلاهوما). وفي المقابل فإن البديل غير واضح المعالم لدى المحتجين في الشوارع بينما المعارضة ضعيفة ومهمشة ومنقسمة ودون قاعدة اجتماعية تستند إليها وبخاصة أن الرأسمالية التجارية متحالفة مع النظام أيضا وبينما تحرك القوة الأهم فيها ثارات دموية تنذر بإجهاض سلمية اي تحرك جماهيري. وكما قال الأسد للوول ستريت جورنال، فإن "سوريا تقع في وسط الشرق الأوسط جغرافيا وسياسيا"، وتتقاطع فيها كل مبادرات السياسة الخارجية الأميركية او معظمها، وهذه السياسة هي السبب الرئيسي في عدم الاستقرار الإقليمي، وتقع سوريا في عقدة تقاطع هذه المبادرات، لذلك فإن التطورات فيها لن تظل حدثا داخليا معزولا كالحدث الليبي الذي يحظى بمعظم الاهتمام الإعلامي حاليا. في الثالث والعشرين من الشهر الماضي علقت ال"جويش جورنال" على "الربيع العربي" بقولها إن "الكثير جدا يعتمد على سوريا، حيث المراهنات أعلى، والمخاطر والمكافآت المحتملة أكبر كثيرا. ففي مسيرة الديموقراطية عبر العالم العربي كل الطرق تقود الآن إلى دمشق". وبينما اجتاز الحكم ومعارضيه خطا كان أحمر طوال أربعة عقود من الزمن، فإن النظام ذاته في سوريا يمتلك إمكانيات قيادة عملية التحول الديموقراطي أكثر مما يمتلكها معارضوه، وهذا امتحان تستدعيه خصوصية الحالة السورية وربما يعتمد بقاء النظام ودوره الإقليمي ونجاح الاستراتيجية الأميركية – الإسرائيلية في المنطقة على نجاح النظام فيه، فكل العيون متجهة الآن نحو دمشق، حيث الجائزة الأكبر سواء للحريصين على إسقاط النظام أم الحريصين على تطويره، وهنا مكمن الحذر في مواقف كل الأطراف المعنية بالفصل السوري من الربيع العربي. ف"الأفضل .. تجنب اي رد فعل ومراقبة التطورات" كما قال الميجر جنرال احتياط أموس جلعاد الذي يرأس دائرة الأمن الدبلوماسي بوزارة الحرب الإسرائيلية الذي تنبأ بخروج النظام سالما من "الاضطرابات"، مع أن وزير الدفاع الأميركي روبرت غيتس يرى "باننا في منطقة معتمة ولا أحد يعرف ما ستكون نتيجتها". * كاتب عربي من فلسطين nicolanasser@yahoo.com*

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل