المحتوى الرئيسى

عيد ميلاد الشهيدة مريم.. وأمها

04/11 08:18

«أم الشهيدة مريم»، هكذا أحفظ رقمها فى هاتفى. أقرأ اسمَها على شاشتى، فأعرفُ أننى على وشك تجرّع شحنة عالية من الشجن، والشعور بالذنب، هو الذنب الذى يشعر به كل مصرى، حينما يشاهد صور شهداء الثورة الذين بذلوا دماءهم لكى يهبونا مصرَ حرةً، بعد عقود من الأسر فى جبّة السلطان وحاشيته، لكن الشهداء فرحون إذ طاروا إلى حيث تطير الأرواح الطيبة إلى ملكوت الله، غير آسفين على مبارحة أرضنا الموبوءة بالآثام والدموية، فطوبى لهم وهنيئًا، أما أمهاتهم، فهن اللواتى يتجرعن الوجع الأبدى، فاستحققن بهذا أن نقبّل أياديهن وأقدامهن، فيما نتذكر أنهنّ جُدْنَ بفلذاتهن راضياتٍ صابرات، من أجلنا، ومن أجل مصر الطيبة، يجول فى خلدى كل هذا بمجرد أن أرى اسمها على شاشة هاتفى. بدأت صداقتنا حين ظهر شهداء جدد لم تذكرهم «المصرى اليوم» فى صفحات «الورد اللى فتّح فى جناين مصر»، كلمتُ الأستاذ مجدى الجلاد فطلب إلى مهاتفة أسرهم وجلب معلومات، بدأتُ بالفتاة الوحيدة بينهم: «مريم مكرم»، وحين حدّثتُ أمَّها وسمعتُ نشيجها، لم أستطع إكمال المهمة، وتولّتها الزميلة مروة ياسين التى صنعت لهم صفحة جميلة بالجريدة. 30 أبريل عيد ميلاد مريم السادس عشر، التى ضاعت فى لحظة، أمام عينى أمها يوم جمعة الغضب 28 يناير، التقطتها رصاصةُ أحد القناصة العميان فاخترقت صدغها وخرجت من رأسها الجميل، هرع بها أبوها إلى «مستشفى اليوم الواحد» فوجد 28 مصابًا، وطبيبًا واحدًا!  لم يستطع سوى تضميد وجهها النازف، وأمر بعملية فورية، وفى «الدمرداش» انتظروا ساعات حتى تفرغ غرفةٌ، بسبب الأعداد المهولة للمصابين والقتلى، وبعد دس فوطة فى حلقها لوقف النزيف الهادر بدأت رحلة العذاب بين الأقسام: أنف وأذن وحنجرة، جراحة، طوابق عالية صعودًا وهبوطًا يحملون الصغيرة المحتضرة، طرقات طوال، بين العنابر والأقسام ثم اشتد النزيف جراء كسر الفك وتهتك شرايين الوجه، وعند الصباح، أسلمتِ الصغيرةُ روحَها لبارئها لتبدأ مأساةُ أسرتها البسيطة رقيقة الحال، فى انتظار تصريح الدفن كان ثمة أربعون شهيدًا ينتظرون تصاريحهم، ولما عيل صبر أبيها انتظارًا لوكيل نيابة لا يأتى، قرر أن يستخرج لها شهادة وفاة طبيعية، نصحوه: «سيضيع حق ابنتك!» فأجابهم: «أريد ستر ابنتى، وحقُّها عند الله لا عند البشر»، تلك هى الأسرة النبيلة التى أنجبت وربّت الطفلة مريم، حتى أسلمتها إلى مصر شهيدةً فى عمر الزهور. لم تكن مريم الابنةَ الكبرى لأمها، وفقط، بل صديقتها الوحيدة وحُلم عمرها، فى الصف الأول الثانوى، لكن أمها سارعت بخطبتها وشرعت فى تجهيزها لتفرح بذريتها التى لن تأتى أبدًا.. ماذا تفعل أمُّ مريم الآن؟ تدخل غرفة ابنتها لتتفقد أشياءها البسيطة التى جلبتها من أجل زفافها، وتبكى.. تدخل الشرفة فى الصباح، فترى زميلات مريم فى طريقهن للمدرسة، يرفعن رؤوسهن إلى حيث شرفة مريم، فلا يشاهدن إلا دموع الأم تطفر عليهن فى وجع.. فابنتها لم تعد بينهن فى زيها المدرسى تحمل حقيبتها وتلوح لها.. هى حتى لم تحظ بكلمة وداع من ابنتها التى اقتنصتها الرصاصةُ أمام عجزها عن لهفتها.. كل ما تذكره منها تلك الصرخة المبتورة، والعينان تغفوان غفوةَ الموت. أمُّ مريم لا تقدر أن تواصل حياتها فى البيت الذى يحمل رائحة الشهيدة بين أرجائه.. تريد أن تنتقل إلى بيت آخر علّها تنسى، فتقدر على تربية طفليها المتبقيين.. لكن القرش شحيحٌ يضنُّ بالقليل من الكثير الذى فى جيوب مَن أهدروا دمَ ابنتها.. كل ما تتمناه الآن هو الانتقال إلى شقة فى بيت أهل زوجها.. لكن عشرين ألف جنيه تحول دون ذلك! فهل أطمع أن يكون هذا هديةَ عيد ميلاد مريم، يقدمها أحدُ شرفاء مصر لتحقيق هذا الحلم البسيط؟ علّه يكون جزءًا ضئيلاً من دَيننا الضخم تجاه تلك الأمِّ، وكل أمهات وآباء شهداء مصر. fatma_naoot@hotmail.com  

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل