المحتوى الرئيسى
worldcup2018

السوبر فلسفة: تزاوج الفلسفة والعلوم بقلم:حسن عجمي

04/11 02:04

السوبر فلسفة: تزاوج الفلسفة والعلوم حسن عجمي السوبر فلسفة هي تحوّل الفلسفة تدريجياً الى علم. وهذا ما يحدث بالضبط. تعتمد السوبر فلسفة على مقولة أن الفلسفة والعلم زوجان لا فراق بينهما. لذا حين تزدهر الفلسفة تتطور العلوم والعكس صحيح. هذا يفسّر ازدهار كل من الفلسفة والعلم معاً في الغرب المعاصر، وازدهارهما معاً في تراثنا العربي. أما إذا انحطت الفلسفة فالإنحطاط أيضاً من نصيب العلوم والعكس صحيح، وهذا يفسّر بدوره لماذا لا فلسفة كما لا علم في عصرنا العربي الحاضر. لكن ما سبب الارتباط الضروري بين الفلسفة والعلم؟ العلم عملية تصحيح مستمرة، وبذلك لا يقينيّات في العلم فتُستبدَل النظريات العلمية بأخرى عبر تاريخ العلوم. أما الفلسفة فلا تعترف بأي يقينيّات، وعلى هذا الأساس تستمر بشكل لا نهائي في طرح أسئلتها وإشكالياتها. من هنا تتحد الفلسفة والعلوم وترتبط برابط عضوي ضروري. فالميزة الأساسية للعلم والفلسفة كامنة في أنهما يواجهان اليقينيّات من خلال الاستمرار الدائم في تحليل المفاهيم وتفسير الظواهر وحل المشكلات الفكرية. الأكوان الممكنة في الفلسفة والعلم تكثر الأمثلة على التزاوج المثمر بين الفلسفة والعلوم ومنها المثل التالي: نما الاتجاه الفلسفي القائل بأنه توجد أكوان ممكنة بالإضافة الى عالمنا الواقعي. والحجة وراء ذلك هي أنه فقط من خلال الأكوان الممكنة ننجح في تحليل المفاهيم التي أشكلت على الفلاسفة كمفهومي الممكن والمستحيل. قدّم هذا الموقف الفيلسوف ديفيد لويس ودافع عنه بشراسة. يقول لويس: بما أننا ننجح في تحليل مفهومي الممكن والمستحيل من خلال الأكوان الممكنة، هذا يستدعي إذن أن نقبل فكرة أن الأكوان الممكنة حقاً موجودة. ثمة أكوان ممكنة، وهي مفيدة في تحليل المفاهيم (David lewis: on the plurality of Worlds. 2001. Blackwell). الآن، الأكوان الممكنة تختلف عن بعضها البعض في قوانينها الطبيعية وفي حقائقها، وهي منفصلة عن بعضها البعض، كما أنها تختلف عن عالمنا الواقعي. فكل عالم ممكن له قوانينه الطبيعية وحقائقه المختلفة عن قوانين وحقائق الأكوان الأخرى. على هذا الأساس، من الممكن تحليل الممكن والمستحيل من خلال الأكوان الممكنة على النحو التالي: من الممكن أن نطير فوق الأرض من دون الإستعانة بأي آلة إذا كنا، وفقط "إذا" في عالم ممكن. نحن حقاً نطير فوق الأرض من دون الإستعانة بأي آلة. هكذا تم تعريف هذا الممكن من خلال تحققه في عالم ممكن. ومن المستحيل أن يكون 1+1=4، إذا كان وفقط "إذا" كان في كل عالم ممكن من الخطأ أن 1+1=4. هكذا تم تعريف هذا المستحيل من خلال كذبه في كل عالم ممكن. وبما أن هذه الأكوان الممكنة موجودة بالفعل كوجود عالمنا الواقعي، فهي لا تحتاج الى تحليل إضافي لها، وبذلك نكتفي بتحليل مفهومي الممكن والمستحيل من خلال الأكوان الممكنة الموجودة فعلاً كما يؤكد لويس (المرجع السابق). لكن إذا أردنا أن نعرّف الممكن والمستحيل بطرق مختلفة فسنقع في مشاكل عديدة منها: إذا عرّفنا الممكن من خلال العبارة المنسجمة كأن نقول إنه من الممكن أن يطير الإنسان من دون آلة إذا كانت العبارة "يطير الإنسان من دون آلة" هي عبارة منسجمة ذاتياً، فحينها نقع في الدور المرفوض منطقياً ألا وهو تعريف المفهوم بالمفهوم نفسه كتعريف الماء بالماء. هذا لأن العبارة المنسجمة ذاتياً هي التي من الممكن أن تكون صادقة، وبذلك تعريف الانسجام يتم من خلال مفهوم الممكن. من هنا، إذا عرّفنا الممكن من خلال مفهوم الانسجام، وبما أن تعريف الانسجام يتم من خلال مفهوم الممكن، نكون قد عرّفنا الممكن من خلال الممكن، وهذا دور مرفوض. على هذا الأساس، يستنتج لويس أن من الأفضل الاعتراف بوجود أكوان ممكنة وعلى ضوئها نحلل المفاهيم كمفهومي الممكن والمستحيل (المرجع السابق). من المنطلق ذاته، لا يسع العلم المعاصر إلا أن يعترف بوجود الأكوان الممكنة اعتماداً على نظرياته الفيزيائية المختلفة. وبذلك يتفق العلم والفلسفة في طرح فرضية وجود الأكوان الممكنة، ما يشير بقوة الى تزاوجهما غير القابل للفصل والتفريق. تتنوع النظريات العلمية التي تؤدي الى نتيجة أنه توجد أكوان ممكنة عديدة ومختلفة منها: أولاً، بالنسبة الى الفيزيائي آلن غوث يولد الكون من العدم من جراء التقلبات الكمية. فالعدم يتكوّن من طاقات متعارضة يختزل بعضها البعض فيحدث العدم. ولكن لأن التقلب الكمي يصيب العدم فمن الممكن أن لا تختزل طاقة معينة فيه وبذلك ينمو الكون بفضلها. الآن، بما أن الكون ينشأ من نقطة ما من العدم، وبما أن العدم يتشكل من نقاط عدة إن لم تكن لامتناهية، من الممكن إذن أن تنشأ أكوان ممكنة عديدة إن لم تكن لامتناهية في نقاط مختلفة من العدم. هكذا تؤكد هذه النظرية العلمية على وجود الأكوان الممكنة (Alan Guth: The Inflationary Universe. 1998. Perseus). ثانياً، بالنسبة الى ميكانيكا الكم، من غير المحدد سرعة الجسيم ومكانه في آن، كما من غير المحدد ما إذا كان الجسيم جسيماً أم موجة. وبكلام آخر، من غير المحدد ما إذا كانت قطة شرودنغر حية أم ميتة. وأحد تفاسير ذلك أنه يوجد عالمان: عالم حيث قطة شرودنغر حية، وعالم آخر مختلف حيث القطة نفسها ميتة. هكذا تصر ميكانيكا الكم على وجود الأكوان الممكنة. ثالثاً، تعتبر نظرية الأوتار العلمية أن الكون يتكوّن من أوتار وأنغامها، ومع اختلاف ذبذبات الأوتار تختلف المواد والطاقات في الكون. لكن ثمة بلايين من الحلول لمعادلات نظرية الأوتار، وكلها حلول مقبولة رغم اختلافها وتعارضها. من هنا، كل حلّ من حلول معادلات نظرية الأوتار يصف عالماً ممكناً مختلفاً عن العوالم الممكنة التي تصفها الحلول الأخرى لنظرية الأوتار. وبذلك تشير نظرية الأوتار بقوة الى وجود الأكوان الممكنة المختلفة. كل هذا يدل على اتفاق العلم والفلسفة في قبول وجود الأكوان الممكنة، وبذلك يتم الزواج الناجح بين العلم والفلسفة. الأقوال التحليلية والممكنات من جهة أخرى، تميّز الفلسفة التقليدية بين الأقوال التحليلية والأقوال التركيبية. بالنسبة إليها، القول التحليلي هو القول الصادق من جراء معناه، وبذلك هو صادق في كل عالم ممكن. مثل ذلك القول "القطط حيوانات". فبفضل معنى مفهوم "القطط" ومعنى مفهوم "حيوانات" تغدو جملة "القطط حيوانات" جملة تحليلية صادقة في كل عالم ممكن. أما القول التركيبي فهو القول الذي قد يكون صادقاً أو كاذباً على ضوء ما يوجد في الواقع. مثل ذلك القول "الشجرة في الدار". فهذا القول ليس صادقاً في كل عالم ممكن؛ فمن الممكن أن لا تكون الشجرة في الدار، بينما من غير الممكن أن تكون القطط ليست حيوانات بالنسبة الى الفلسفة التقليدية. لكن الفلسفة المعاصرة تحدّت هذا التقليد وأظهرت أنه لا يوجد فرق جذري بين الأقوال التحليلية والأقوال التركيبية. وسعى كل من الفيلسوف كوين وبتنم في إثبات ذلك. نستطيع تقديم الحجة الأساسية على مقبولية هذا الاتجاه الفلسفي على النحو الآتي: من الممكن للقطط أن لا تكون حيوانات بل بدلاً من ذلك من الممكن لها أن تكون آلات. ففي عالم ممكن القططُ آلات لأن من الممكن صناعة آلات شبيهة بمظاهرها كما تشبه القطط في تصرفاتها وأفعالها. وبما أن من الممكن للقطط أن لا تكون حيوانات، إذن القول التحليلي "القطط حيوانات" لا يختلف جذرياً عن أي قول تركيبي آخر، علماً بأن القول التركيبي كالقول "الشجرة في الدار" من الممكن أن يكون قولاً كاذباً تماماً كما أن القول "القطط حيوانات" قد يكون كاذباً حيث في عالم ممكن القطط ليست حيوانات بل آلات. من هنا لا يوجد تمييز حاسم بين الأقوال التحليلية والتركيبية (Cory Juhl & Eric Loomis" Analyticity/ 2009/ Routledge). عدم التمييز الجذري بين الأقوال التحليلية والتركيبية كما جاء لدى الفلاسفة يطابق عدم التمييز الحاسم بين الممكنات والمستحيلات كما جاء لدى الفيزيائي ميشيو كاكو. هذا لأن القول التحليلي، بالنسبة الى الفلسفة التقليدية، هو الذي من المستحيل أن يكون كاذباً بينما القول التركيبي هو الذي من الممكن أن يكون كاذباً. وبذلك إذا رفضنا التمييز بين القول التحليلي والقول التركيبي نرفض التمييز بين المستحيل والممكن ما يدل على تطابق الموقف الفلسفي الرافض للتمييز بين القول التحليلي والتركيبي والموقف العلمي الرافض للتمييز بين المستحيل والممكن. هكذا تتزاوج الفلسفة والعلم وتنجب السوبر فلسفة التي هي تحوّل الفلسفة تدريجياً الى علوم. فمثلاً، الجدل الفلسفي حول التفريق أو عدم التفريق بين الأقوال التحليلية والتركيبية تحوّل الى جدل علمي حول التفريق أو عدم التفريق بين المستحيلات والممكنات. كما أن الفرضية الفلسفية القائلة بوجود الأكوان الممكنة تحوّلت الى فرضية علمية تعترف بوجود الأكوان الممكنة. هكذا أظهر الفلاسفة المعاصرون أنه لا يوجد فرق جذري بين القول التحليلي والتركيبي. أكد الفيزيائي ميشيو كاكو على أنه لا يوجد فرق حقيقي بين الممكنات والمستحيلات. بالنسبة لميشيو كاكو، المستحيل والممكن مفهومان نسبيان؛ فما هو ممكن أو مستحيل هو كذلك بالنسبة الى حضارتنا، لكن بالنسبة الى حضارة أخرى أكثر تطوراً من حضارتنا يغدو المستحيل لدينا ممكناً بالنسبة إليها. من هنا لا يوجد تمييز جذري بين المستحيل والممكن. يوضح ميشيو كاكو نظريته من خلال بعض الأمثلة على النحو الآتي: ثمة مستحيلات من الممكن أن تصبح ممكنات، فوقائع في هذا القرن أو الذي يليه، مثل ذلك الانتقال عن بُعد من نقطة الى أخرى من دون المرور بالمسافة الفاصلة بين النقطتين. كما ثمة مستحيلات أخرى من الممكن أن تمسي ممكنات وتتحقق بعد آلاف أو ملايين من السنين كآلة الزمن التي تمكننا من السفر الى الماضي والمستقبل. من هنا لا فرق بين المستحيلات والممكنات، تماماً كما لا فرق جدي بين الأقوال التحليلية والتركيبية (Michio kaku: physics of the Impossible. 2008. Double day). الوجود والعدم بالإضافة الى ذلك، تحوّل السؤال الفلسفي "لماذا يوجد الوجود بل لماذا يوجد شيء بدلاً من لا شيء؟" الى سؤال علمي بعد أن كان مجرد سؤال فلسفي لآلاف من السنين. هكذا تتحوّل الفسلفة ببعض أسئلتها وأجوبتها الى علوم مقبولة ما يدل على نمو السوبر فلسفة التي تزاوج بين الفلسفة والعلوم. ولقد طرح الفيزيائيون المعاصرون هذا السؤال، وأجاب عليه الفيزيائي آلن غوث بجواب شبيه بجواب الفلسفة التقليدية. بالنسبة الى اتجاه مسيطر في الفلسفة، الوجود موجود لأنه ضروري الوجود. وهو ضروري الوجود لأن من غير الممكن تصوّر عدم وجوده. فمن المستحيل أن نتصور العدم لأننا كلما حاولنا ذلك تصوّرنا وجوده في مكان أو تصوّرناه محاطاً بوجود. من المنطلق ذاته، يقول الفيزيائي آلن غوث إن الوجود موجود لأنه عدم. وبذلك إذا وجد العدم بدلاً من الوجود، لا بد من وجود الوجود لأنه عدم، وبذلك الوجود ضروري الوجود ولذا يوجد. هكذا تتطابق الإجابة الفلسفة مع الإجابة العلمية كما يتطابق السؤال الفلسفي مع السؤال العلمي ما يشير بقوة الى تزاوج الفلسفة والعلوم. وتفصيل ذلك أننا إذا جمعنا طاقات الكون مع بعضها البعض فسوف تساوي صفراً، لأن الطاقة السالبة للكون متساوية مع الطاقة الإيجابية فيه. وبما أن طاقة الكون صفر، يستنتج آلن غوث أن الكون موجود لأنه عدم. وبذلك من الضروري وجود الوجود. من الضروري أن يوجد لأن العدم أيضاً يتكوّن من طاقات مختلفة ومتعارضة كما يؤكد آلن غوث (Alan Guth: The Inflationary Universe. 1998. Perseus). هكذا يمتزج العلم مع الفلسفة وينتجان السوبر فلسفة. ماهية العلم وميكانيكا الكم من جهة أخرى، مثل واضح أيضاً على تحوّل الفلسفة تدريجياً الى علم هو الآتي: لقد تحوّل الخلاف الفلسفي حول ماهية العلم الى خلاف علمي حول مقبولية ميكانيكا الكم أم عدم مقبوليتها. بالنسبة الى ميكانيكا الكم، الكون غير حتمي فمن غير المحدد ما إذا كان الجسيم جسيماً أم لا ومن غير المحدد ما إذا كانت قطة شرودنغر حية أم ميتة. لكننا نرى أن العالم الذي نشاهده حتمي فهو محكوم بقوانين حتمية على نقيض مما تقول ميكانيكا الكم. هذا أدى الى خلاف جوهري بين العلماء فمنهم من رفض ميكانيكا الكم كالفيزيائي بنروز وأينشتاين ومنهم من قبل ميكانيكا الكم كالفيزيائي هوكنغ والفيزيائي بوهر. فمثلاً، رفض أينشتاين ميكانيكا الكم قائلاً إن الله لا يلعب بالنرد؛ فالكون حتمي بالنسبة الى أينشتاين ما يعارض ميكانيكا الكم بشدة. لكن لماذا اختلف العلماء حول مقبولية ميكانيكا الكم؟ الجواب كامن في أنهم اختلفوا أصلاً حول ماهية العلم. بالنسبة الى أينشتاين وبنروز، لا بد أن تكون النظريات العلمية صادقة أي مطابقة للواقع، والواقع الذي نراه حتمياً، وبذلك لا بد من رفض ميكانيكا الكم التي تصور الكون على أنه غير حتمي. أما بالنسبة الى هوكنغ وبوهر، ليس من الضروري أن تكون النظريات العلمية صادقة، أي مطابقة للواقع، لأن النظريات العلمية بالنسبة إليهما مجرد أدوات لتفسير الظواهر الطبيعية والتنبؤ بها، وبذلك لا يستدعي عدم تطابق ميكانيكا الكم مع ما نراه في الواقع رفضها. من هنا كل من هوكنغ وبوهر يقبل ميكانيكا الكم (Hawking & Penrose The Nature of Space and Time. 1996. Princeton Press). على هذا الأساس، الخلاف حول ماهية العلم أساس الخلاف حول قبول أو عدم قبول ميكانيكا الكم. لكن الخلاف حول ماهية العلم خلاف فلسفي بينما الخلاف حول قبول أو عدم قبول ميكانيكا الكم خلاف علمي. من هنا تحوّل الخلاف الفلسفي الى خلاف علمي. هذا مثل واضح على تزاوج الفلسفة والعلوم وانتقالنا الى مرحلة السوبر فلسفة.

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل