المحتوى الرئيسى

محمد حماد يكتب: ضياء الدين داود الذي فقدناه

04/11 20:33

ظل يعمل محامياً حتى النهاية، لم يرتزق من عمله السياسي، نظيف اليد عفيف اللسان، صلب الموقف، وكان يرحمه الله لين الجانب، يألفه ويألفك بسرعة من يعرفون بعضهم البعض من زمن طويل، اقتربت منه منذ خرج من السجن وحتى ما قبل أيامه الأخيرة، التي دخل فيها امتحانه النهائي قبل أن تصعد روحه الطاهرة إلى بارئها، وكان له عادة المرور صباحاً حين يكون في القاهرة على مكتب أستاذنا العزيز عبدالعظيم مناف في مجلة الموقف العربي، وكان لنا معه حوارات وحوارات لا تنتهي إلا لتبدأ من جديد، حين تتجدد المواعيد التي كان يحرص عليها أسبوعياً، وكان يرحمه الله صاحب رؤية خاصة في الكثير من الموضوعات الجارية، كنا نختلف معه ونتفق، ويبقى هو في الحالين ودوداً وأبوياً وقابلاً حتى لحدة النقاش، لجأ إليَّ أحد الزملاء لكي أكلم الأستاذ ضياء ليتوسط له في التعيين في جهة إعلامية حكومية، وكنت في حينها مشتبكًا معه في خلاف ما، لم أعد أذكر تفاصيله، وخشيت أن أتكلم مع الرجل في حاجة زميلي حتى لا يتأثر طلبي بما بيننا من خلاف كان يراني مخطئا فيه، ولكني قررت أن أقول له وليفعل الله ما يريد، ولم يكن غريباً على أخلاق ضياء الدين داود أن يهتم بالأمر حتى انتهى إلى تحقيق مطلوب زميلي العزيز.ذاكرتي عامرة بالكثير من المواقف التي تؤكد كم كان ضياء الدين داود متواضعا بدون تكلف، كأنها سليقته التي فطر عليها، رأيته وهو يتعامل مع أقل الناس وأعلاهم شأنا، فلم تختلف أخلاقه في الحالين، كان هو الرجل نفسه، سماحة نفس وقلب مفتوح على الرغبة في التفهم، كان حين يقبل علينا وهو يمسك بكومة ورق فيها طلبات الناس الغلابة من قريته ودائرته، تحس بالهموم تركب رأسه حين لا يستطيع أن يحل مسألة لسائل، أو يحقق طلباً من مطالب الحياة لمواطن.أدرت معه حوارات على الورق وحوارات غير منشورة، كان إيمانه بالحرية والديمقراطية لا حدود له، وربما لأنه احتك بالصحافة والإعلام سابقاً، وهو في موقع عضو اللجنة التنفيذية العليا مشرفاً على الإعلام، ربما لهذا كان هو الأفضل على الإطلاق في التعامل مع مهنة الصحافة وفهماً لدورها وتقديراً لحرية الكاتب ومسئوليته، حين تقرر أن تسند رئاسة تحرير العربي إلى صديقي الأعز عبدالله السناوي قلت له بالحرف: لو أنك بحثت في الدنيا كلها عن أفضل رجل تعمل معه في موقع رئيس مجلس إدارة الجريدة فلن تجد أفضل من الأستاذ ضياء الدين داود. رغم أننا لم نكن من المحسوبين على ضياء الدين داود، لكني كنت ومعي زملاء كثيرون نشعر بأننا أقرب إلى قلبه من غيرنا، والله كنت أحسها صادقة في مشاعرنا نحوه رغم خلافنا معه، ومشاعره نحونا رغم خلافه معنا، وهذه شهادة مني لوجه الله، قلتها كثيراً ورددتها أمام خلق كثيرين، والآن أكتبها مسجلة عليَّ، إن وجود ضياء الدين داود في قيادة الحزب الناصري وفي موقع رئيس مجلس إدارة جريدة العربي، كان هو الضمانة الوحيدة لاستمرار الجريدة على نهجها الذي انتهجته وسقفها الأعلى الذي ارتفعت به فوق كل جريدة وقبل أي جريدة، في مواجهة التمديد لحسني مبارك منذ دورته الرئاسية الثالثة وحتى آخر يوم له في الرئاسة، وفي مواجهة مشروع التوريث، وكنا نحن السباقين إلى فضحه والتنديد به، منذ العام 2000، كتبنا ضد التمديد والتوريث تصريحاً وبالأسماء، لا تلميحاً ولا مداراة، بالكلام المباشر، الصريح والواضح والفاضح كانت العربي سباقة وسابقة، حتى اتهمنا من البعض بأننا نحن الذي ننفخ في موضوع التوريث، وذهب بعضهم إلى أننا الذين اخترعناه وصدقناه.وكان ضياء الدين داود هو الغطاء الشرعي والوحيد لسقف العربي العالي، رحم الله فقيدنا الكبير رحمة واسعة، وأسكنه فسيح جنانه، وغفر لنا وله.

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل