المحتوى الرئيسى

الأسرة الفلسطينية في ضوء تشريعات وقوانين القضاء الشرعي بقلم القاضي الدكتور/ ماهرعليان خضير

04/11 01:47

بسم الله الرحمن الرحيم الأسرة الفلسطينية في ضوء تشريعات وقوانين القضاء الشرعي بقلم/ القاضي الدكتور/ ماهرعليان خضير عضوالمحكمة العليا الشرعية- فلسطين لايختلف اثنان على أن قوة أي مجتمع يعتمد بالأساس على قوة العلاقة بين أفراد الأسرة داخله لأن الأسرة هي نواة المجتمع واللبنة الأساسية في بنائه .وفي داخل الأسرة المحترمة تتجلى المودة المتبادلة والتراحم والتعاون سواء بين الاقارب او الابناء او الزوجين امتثالا وتطبيقا لقول الرسول صلى الله عليه وسلم (خيركم خيركم لاهله...) فان ذلك يتيح الفرصة كاملة للاسهام في نهضة المجتمع واستقراره وانشاء مجتمع وجيل يتربى على القيم والاخلاق وفي جو خال من العراك والجدال والاختلاف في تطبيق قوانين الاسرة وتشريعاتها ، ولأن الأسرة الفلسطينية تعيش في جو وظروف تكاد تكون مختلفة عن جو وظروف الأسر في العالم العربي والاسلامي نظرا للاحتلال الجاثم على صدور المجتمع والارض الفلسطينية والذي يحاول أن يتغلغل في المجتمع الفلسطيني وتفكيكه من خلال العامل الاقتصادي والاجتماعي والصحي والسياسي والاعلامي وغير ذلك حتى يسيطير على الارض وينسبها لنفسه زورا وبهتانا . وهنا سألقي الضوء على بعض تشريعات الاسرة الفلسطينية الخاصة بالاحوال الشخصية وتطبيقاتها في المحاكم الشرعية ،فمعلوم أن القضاء الشرعي الفلسطيني هو المرجع الوحيد للفصل في جميع الخصومات وقطع المنازعات الخاصة بمسائل الأسرة الفلسطينية ولقد كان الفقه الاسلامي في فلسطين والقدس هو المرجع الأول للفصل في كل الخصومات الجنائية والمدنية والشرعية وذلك لشموله وعمومه وصلاحيته لكل زمان ومكان وخصوبة قواعده ومبادئه واتساع مصادره لكن بعد أن أصدر السلطان عبد المجيد بن السلطان محمود الثاني في عهد الدولة العثمانية المرسوم الاصلاحي الذي يعرف (بخط كلخانة سنة 1839) والذي بموجبه عمل على وجود قوانين وضعية بجانب أحكام الشريعة الإسلامية ولأجل ذلك أنشئت المحاكم النظامية لتطبيق هذه القوانين باستثناء دعاوى الأحوال الشخصية وسميت بالمحاكم النظامية لانها أنشئت بنظام خاص وتطبق القوانين الوضعية وحتى تتميز عن المحاكم الشرعية التي أصبحت مختصة بنظر مسائل الأسرة والتي اصطلح على تسميتها بالاحوال الشخصية وهو اصطلاح حديث لم يستعمل في فلسطين الا في اواخر القرن الثامن عشر حينما ألف محمد قدري باشا كتابه الأحكام الشرعية في الأحوال الشخصية وقام بشرحه محمد زيد الأبياني بكتابه المشهور شرح الأحكام الشرعية في الأحوال الشخصية ،ومعلوم أيضا أن الفقه الإسلامي عرف موضوعات الأحوال الشخصية كالزواج والطلاق والنفقات والحضانة والإرث والوصية والهبة والحجر ونحو ذلك عرفها وأولاها عناية خاصة منذ نشأة الدولة الإسلامية وانه لم يعرف تقنينا خاصا بالاحوال الشخصية الا في عام 1917 حينما أصدرت الدولة العثمانية قرار حقوق العائلة الذي يعتبر أول محاولة لتوحيد الأحوال الشخصية في قانون خاص .وبنظرة موجزة على النظام القضائي الشرعي الفلسطيني نجد أنه نظام اسلامي عثماني مستمد من المذهب الحنفي والمقنن في مجلة الأحكام العدلية سواء كان ذلك في الإجراءات أو الأحكام حيث ان الاختصاص المذهبي ظهر في ظل الدولة العثمانية والزمت محاكم البلاد بالمذهب الحنفي ووضعت تقنينا له هو مجلة الاحكام العدلية .كما أن قانون أصول المحاكمات الشرعية رقم 12لسنة 1965 المطبق في غزة يعتمد في جميع مواده على قانون الأصول الشرعي العثماني المتمثل في مجلة الأحكام العدلية وكذا قانون أصول المحاكمات الشرعية رقم 31لسنة 1959 والمطبق في محافظات الضفة الغربية ومنها القدس حيث ان القدس حاليا بها محكمتان شرعيتان واحدة تتبع للسلطة الوطنية وواحدة تتبع للاردن من الناحية الادارية وللاحتلال من الناحية القضائية و تفصل في قضايا فلسطيني ال 48، كما ان تلك القوانين هي مزيج من قانون الأحوال الشخصية على المذهب الحنفي وقانون حقوق العائلة وقانون الاحوال الشخصية رقم 61 لسنة 1976 المطبق في الضفة وبعضها كان مطبقا زمن الانتداب البريطاني وأحكام المواريث في كتاب الفريدة في حساب الفريضة لمؤلفه محمد نسيب البيطار قاضي القدس الشرعي السابق، وبعض قوانين الأوقاف وقرارات ادارية كانت سابقا تصدر من ضابط ركن الاديان الذي جمد بعض النظم المتعلقة بادارة الاوقاف الاسلامية واعتدى بذلك على كثير من صلاحيات القضاء الشرعي.ثم بعد انشاء منصب قاضي القضاة في عهد السلطة الوطنية الفلسطينية سنة 1994 أخذ قاضي القضاة في اصدار القرارات التي تعمل على توحيد الاجتهاد القضائي بين الضفة وغزة والعمل على الاشراف على المحاكم وقضاتها لتأمين سير العدالة طبقا للقواعد الشرعية والقانونية .ولكن يؤسفني أن اقول أنه حتى الان لايوجد أي قانون فلسطيني يتعلق بالاحوال الشخصية أو اصول المحاكمات الشرعية أنجز بأياد وعقول فلسطينية وان القوانين الشرعية التي يعمل بها القضاء الشرعي الفلسطيني اما اردنية كقانون الاحوال الشخصية رقم 61 لسنة 1976 ويطبق في الضفة واما عثمانية بريطانية مصرية تطبق في قطاع غزة ولم يجر عليهم اي تعديل أو تطوير رغم أن أصحاب هذه القوانين الأصليين قد بدلوا وغيروا وجددوا في قوانينهم بما يتطابق ويواكب تطور مجتمعاتهم، وأما نحن فقد تم اعداد مشاريع لهذه القوانين كمشروع تشكيل القضاء الشرعي ومشروع لقانون الاحوال الشخصية ومشروع لقانون اصول المحاكمات الشرعية ونتيجة للانقسام الفلسطيني الفلسطيني وتعطيل المجلس التشريعي لم تقر هذه القوانين حتى اللحظة ،ومن هنا لونظرنا الى تلك المأساة والتناقض في تطبيق قوانين وتشريعات الاحوال الشخصية واصول المحاكمات الشرعية القديم و والتى عفا عليها الزمن و لم تواكب العصر والتطور والتجديد والانسجام مع مطالب المجتمع الحالية وظروفه فقد تبدلت وتغيرت احوال الناس والمجتمع من عصر الى عصر ومن زمن الى زمن ولم تتبدل هذه القوانين رغم ان البلاد التي وضعت هذه القوانين –الاردن ومصر- قد غيرت وجددت في قوانين الاسرة بما يواكب تطور مجتمعها كما ذكرت، وسأضرب بعض الأمثلة لهذا التناقض والتخبط في بعض الاجراءات التي تتعامل فيها المحاكم الشرعية الفلسطينية فمثلا ان المدة القانونية للاستئناف في الدعوى المنظورة في محاكم الضفة الغربية هي ثلاثون يوما طبقا لنص المادة 136 من قانون أصول المحاكمات الشرعية رقم 31 لسنة 1959 تبتدئ من تاريخ صدور الحكم الابتدائي اذا كان وجاهيا ومن تاريخ تبليغ الحكم المستأنف اذا كان غيابيا أما المحاكم الشرعية في غزة والتي تطبق قانونا آخر فتنص المادة 183 من قانون الاصول رقم 12 لسنة 1965 على أن ميعاد الأستئناف هو عشرون يوما من تاريخ تبلغ الحكم اذا كان وجاهيا او معتبرا أو من تاريخ صيرورة الحكم الغيابي وجاهيا . والحقيقة أن سبب هذا الخلاف يعود الى ظروف فلسطين في تطبيق قانونين لاصول المحاكمات الشرعية واحد في الضفة الغربية رقم 31 لسنة59 نتيجة لتبعيتها قانونيا للاردن وواحد في قطاع غزة نتيجة لتبعيتها قانونا لمصر ورغم انه قد تم اعداد مشروع موحد لقانون اصول محاكمات شرعية لجناحي الوطن بعد قيام السلطة الوطنية الفلسطينية وتم عرضة على المجلس التشريعي لاقراره كما ذكرت الا ان الانقسام الفلسطيني الفلسطيني وتعطيل عمل التشريعي يحول دون اصدار هذا المشروع على ارض الواقع ، وانظر مدى التخبط لو أنه صدر حكم قضائي ابتدائي في محاكم الضفة الغربية بين متداعيين واحد من غزه وآخر من الضفة وتم تقييد استئنافها في محاكم غزة او العكس فعلى اي مدة تسير محكمة الاستئناف؟؟هناك امور وثغرات كثيرة وكبيرة في هذه القوانين لاتناسب هذا العصر والواقع مما يجعلها عبئ على الاسرة الفلسطينية وليست مساعده وحامية لها ، ولو طالعنا امرا آخر كدعاوى الحضانة فمعلوم ان الحضانة شرعت بالاساس لمصلحة الطفل المحضون وليس لمصلحة الحاضن حيث أن مصلحة الطفل تقتضي أن يكون في كنف والديه فحضانة والديه له هي من أهم حقوق الانسان في سني حياته الأولى وهي واجبة على الوالدين لأن فيهما حفظ حياته ورعاية مصلحته في دينه ودنياه فالاصل أن الوالدين يقومان معا وسويا بمسؤوليات حضانة الصغير مادام في كنفهما أما في حالة الانفصال بالطلاق او بوفاة الاب فالاولوية للأم في حضانته ان كانت اهلا لذلك ثم من يليها من الحاضنات وان الاب او من يلية في حق الحضانة يكون المشرف والمتابع للمحضون ولذلك لايحق للام مثلا السفر بالمحضون مدة مسافة القصر بدون اذن ولية والا سقطت الحضانة. ومن هنا لو دققنا النظر في القوانين الفلسطسينية المنظمة للحضانة سنجد مدى التناقض والتباين في نصوصها وتأثير ذلك على التطبيق ومدى انعكاسه على الصغير المحضون وتنشئته تنشئة مستقرة في حضانة امه ومتابعة ابيه. فقانون حقوق العائلة الصادر بالامر رقم 303 لسنة 1954 والمطبق في غزة تنص المادة 118 فيه على" ان القاضي يأذن بحضانة النساء للصغير بعد سبع سنين وللصغيرة بعد تسع سنين الى احدى عشرة اذا تبين أن مصلحتها تقتضي ذلك " ويستند هذا القانون على ما جاء في قانون الاحوال الشخصية المبني على مذهب الامام ابو حنيفة حيث نصت المادة 391 "تنتهي مدة الحضانة باستغناء الغلام عن خدمة النساء وذلك اذا بلغ سبع سنين وتنتهي مدة حضانة الصبية ببلوغها تسع سنين وللاب حينئذ أخذهما من الحاضنة....الخ" وأما في الضفة الغربية ومعها محكمة القدس فتنص المادة 161 من قانون الاحوال الشخصية رقم61 لسنة 76 على" انتهاء حضانة غير الام من النساء للصغير اذا أتم التاسعة وللصغيرة اذا أتمت الحادية عشر وتمتد حضانة الأم التي حبست نفسها على تربية وحضانة أولادها الى بلوغهم " ونتيجة للتناقض بين هذين القانونين اجتهدت المحكمة العليا الشرعية الفلسطينية لتوحيد العمل بين الضفة وغزة فاصدرت القرار رقم 60 لسنة 2005 بتاريخ 5/6/2005 بتمديد حضانة الأم التي حبست نفسها على تربية أولادها الصغار ذكورا واناثا الى بلوغهم الخامسة عشرة . ولم يطبق هذا القرار في أحكام وقرارات المحاكم ورفعت ضده الدعاوى لدى محكمة العدل العليا لابطالة وعدم قانونيته مسببين ذلك بأن هذا القرار لايلغي القانون . وبعد الانقسام الفلسطيني انقسمت المحاكم الشرعية الفلسطينية على نفسها وانقطعت الصلة تماما بين المحاكم الشرعية بغزة والمحاكم الشرعية بالضفة والقدس حتى الان وعلى اثر ذلك اقر المجلس التشريعي الفلسطيني في غزة القانون رقم 1 لسنة 2009 بتاريخ 5/1/2009 معدل لقانون الاحوال الشخصية والذي ينص على تعديل المادة 391 من قانون الاحوال الشخصية والمادة 118 من قانون حقوق العائلة والمادة 162 الواردة في قانون الاحوال الشخصية رقم 61 لسنة 76 وتصبح هذه المواد على النحو التالي : -" للقاضي أن يأذن بحضانة النساء للصغير بعد سبع سنين الى تسع سنين وللصغيرة بعد تسع سنين الى احدى عشرة سنة اذا تبين أن مصلحتهما تقتضي ذلك. - للقاضي أن يأذن باستمرار حضانة الأم المتوفى عنها زوجها وحبست نفسها على تربية أولادها ورعايتهم اذا اقتضت مصلحتهم ذلك مع اشتراط الأهلية في الحضانة والمشاهدة والمتابعة للعصبة. - للمتضرر الطعن في قرار استمرار الحضانة حسب الأصول القانونية المتبعة واستثناء اعادة الطعن بناء على حيثيات جديدة . " فاسثنى هذا القانون عن سابقه فقط الارملة التي توفى عنها زوجها باستمرارها للحضانة طالما حبست نفسها لاجلها ولم تتزوح وكانت اهلا لذلك ولم يستثن المطلقة مع العلم أن هذا القانون مطبق فقط في غزة ولم يطبق في الضفة او القدس على اعتبار أن المجلس التشريعي في الضفة لايعترف بقانونية جلسات التشريعي في غزة وبالتالي اي قانون يقره هو غير قانوني ولم يتم المصادقه علية من رئيس السلطة . وعلى ذلك فالخاسر والمتضرر هو المجتمع الفلسطيني و الأسرة الفلسطينية واستقرارها وعدم احساسها بالامان نتيجة التناقض الحاصل في قوانين تنظيم حياتها وهناك الكثير من هذه الثغرات التي يجب سدها باصدار تشريعات جديدة مناسبة لاوضاع المجتمع الفلسطيني والاسرة الفلسطينية لتعويضها معاناتها الكثيرة والعديدة الناتجة عن الاحتلال وتعرضها الدائم للخطر وفقدان الأبناء والأحبة والزوج والأقرباء الناتجة عن الاعتداءات من الاحتلال المتكررة والذي ترك اثرا في كل جوانب حياة الاسرة الفلسطينية من جميع النواحي الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والصحية . فنسأل الله تعالى أن يحرر الارض الفلسطينية وعلى رأسها القدس الشريف وأن يحقق الوحدة بين شطري الوطن وانهاء الانقسام الخطير على القضية الفلسطينية والقدس وتوحد ابناء الشعب الفلسطيني وعودة المجلس التشريعي لاداء مهامه واقرار القوانين المتعلقة بالقضاء الشرعي للحفاظ على الاستقرار والأمان للاسرة الفلسطينية.

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل