المحتوى الرئيسى

ثورة الأحرار و اللعب على الأوتار بقلم:م.طارق القرم

04/11 02:04

ما أعظم تلك الثورة التي ردت لكل مصري كرامته ورفعت وسط جميع الأمم هامته بعد أن عاش سنين طويلة بين براثن أنظمة هذيلة ألجمت فكره وحقرت شأنه وغرست فيه روح الإستسلام و جعلته يصرخ " على الدنيا السلام " أنظمة استمتعت بنشر الفساد ونحرت الأمل في النهوض بالإقتصاد أنظمة سرطنت الزروع و هشمت الضلوع وأفسدت الرغيف و أوحلت النظيف وغربت الشباب وكذبت في الخطاب رفع فيها الحاكم الديمقراطية شعلة ثم صرخ في الجميع (أنا ربكم الأعلى) ستون سنة عاشها المصريون مكبلين في درب الحزب الواحد والحاكم الواحد والرأي الواحد.. من صفق لهم اقترب من بلاط النظام ومن خالفهم دهسوه بالأقدام قهر وذل عاشتهما المنظومة المصرية إلى أن سطعت عليها شمس الحرية شمسٌ .. اصطدمت بأعين طالما عاشت في الظلام وألفت القهر و قصف الأقلام و من هنا دعوني أتساءل .. هل من السهل أن نتخلص من موروثات تلك الحقبة السوداء بما فيها من قناعات رسخت في عقولنا و تجري الآن مجرى الدم في عروقنا ؟؟ أصدقكم القول بأنني رغم روعة تلك الثورة و ما جنيناه من ورائها من نتائج رائعة ستأتي أكلها بعد حين بإذن الله إلا أنني أتحسر كثيراً على ما أسميه سياسة (التشفي) التي ظهرت على الساحة بين الجموع أو دعونا نسميها سياسة (نهش اللحوم) التي يتبعها البعض من خلال إطلاق اللاذع من الإتهامات على كل ما يمت بصلة للعهد السابق . أصبح عموم الناس على استعداد تام لتصديق أي شيء عن أي شخص في أي وقت . المهم .. أنهم يخرجون ما بداخلهم من غضب عارم لشفاء غلٍٍ بات يحرقنا بسبب سلبيات عشناها في فترات النهب والسلب والتعذيب في عهد النظام القديم .. وجدنا المئات يصدرون التصريحات على المسموع والمرئي من القنوات وتقمص البعض أدواراً للبطولة .. ورأيناهم جميعهاً بلا استثناء يصرحون بأنهم طالبوا الرئيس المخلوع في السابق لكي يفيق ويصلح أمور الحكم ولكنه ضرب بحديثهم عرض الحائط !! و جميعهم بلا استثناء اعترضوا بشدة على ما يحدث في القصر الجمهوري من فساد وسلبيات ولم يسمع لهم النظام!! حتى حراس القصر والمصورين الخصوصيين و عمال المطبخ و المستخدمين والسائق الخاص خرجوا علينا منذ أيام على الفضائيات بتصريحات نارية . هؤلاء الذين ذاب بعضهم في بلاط القصر في السابق وكانوا يقبلون الأيادي في بعض الأحيان حتى تسير عجلة حياتهم ليطالهم فتات من خيرات الحاكم و بطانته . فوجدنا منهم من خرج علينا بكلمات مثل (الست الهانم النبي حارسها) كانت تفعل كذا وكذا أو (سيدنا الأفندي) -- يقصد رئيس الجمهورية السابق -- كان يرسلني بكذا وكذا ورأينا استعراض للعضلات في رمي كل شيء بألذع التصريحات بما فيها من كشف حرمات أو هتك أسرار ليس عليها رقيب على صحتها سوى الله سبحانه وتعالى. ومن الطبيعي أن نجد القنوات الفضائية تستمتع بالسبق الإعلامي و يجد بعض المشاهدين متعة في الإستماع إلى وقائع من العهد القديم على ألسنة وجدتها فرصة ذهبية لكي تنطلق بكل الكلمات التي قد تكون للبعض مثل البلسم الذي يشفي ما في الصدور من غلٍ و غضب على كل ما يتعلق بالنظام السابق. هل يمكن أن يأتي اليوم – على سبيل المثال - الذي نذكر فيه ميزات في أعدائنا حتى ولو ظلمونا أو عيوب في أناس مقربين منا ؟ أشعر أننا أصبحنا يا سادة نتعامل مع الأمور بمبدأ الأرجوحة الثنائية التي إما أن ترفع الشيء إلى أعلى أو تهوي به إلى الحضيض . و ضاعت مبادئ الوسطية و غابت النظرة الموضوعية وكرهنا المواثيق و الأدلة و المرجعية وأصبحنا بين يوم وليلة ننتقل بين وجه يؤله وينعت بالكمال أشخاصاُ قد يتحول فجأة و يدوس عليهم بالنعال . تأملت حال أديبة كان يخصص لها صفحة أسبوعية كاملة في إحدى الصحف اليومية وتكتب تأملاتها الدينية ولها جمهورها .. و فور إسقاط النظام ألغوا صفحتها تماماً وأصبحت أثراً بعد عين لأنها زوجة أحد المسؤولين الذين خلعتهم الثورة . ناهيك عن سيدة مصر الأولى في السبعينات التي كانت عملاقة في علم الإجتماع - في نظر البعض - و نالت الماجيستير بدرجة الإمتياز في حضور أساتذة كبار من عظماء الجامعات المصرية وفجأة تحولت شهادتها إلى ورقة في سلة المهملات غير معترف بها ولا أتعجب إن جردوها من شهاداتها المدرسية أيضاَ . وأذكر مذيعاً يرى في نفسه من خفة الظل ما يكفي لكي يقول ما يريد أمام الملايين التي رفعت أسهمه وسط الإعلاميين .. رأيته منذ أشهر قليلة قبل الثورة وهو يغازل الحاكم المخلوع وأسرته الأصدقاء المقربين له في إحدى القنوات و قال عن الحاكم آنذاك أنه رمز من رموز الدولة ولا يصح أن نقترب منه أو ننقده وفور استشعار أخيه الإعلامي الهمام بأن ورقة هذا الرمز قد احترقت وأصبح على مشارف مغادرة الكرسي أعطى لأخيه الضوء الأخضر ليخرج إلى التحرير و يغرد برغبته الملحة في إسقاط النظام قبل أن يفوت الأوان وخوفاً من أن يصبح من المغضوب عليهم من أتباع السلطة القديمة الخونة . والأعجب أنني سمعته في نفس الفضائيات يقول كلمة لم أصدق أنها يمكن أن تقال على الشاشة عندما صرح وقال (ده احنا طلع ....نا من هذا البني آدم) في إسفاف شديد يتوافق مع نفس سياق سياسة النهش في اللحوم والتشفي التي ذكرتها في بداية حديثي. وأقول في الأخير أنني أحترم من التزموا الصمت عند مغادرة الرئيس المخلوع لأنهم أجبروهم في وقت سابق على السير في ركبه مضطرين وأحترم أيضاً الذين أخلصوا في العهد القديم وأدوا ما أسند إليهم من أعمال سعياً وراء الرزق في وقت كممت فيها الأفواه ولم يسمح لأحد بمجرد أن يدلي برأيه . وأرى أن هناك أناس شرفاء في الحزب الوطني الحاكم مثلاً ولديهم رؤى وأهداف إصلاحية للدولة وأرادوا البناء من خلال منبر اعتقدوا أنه يمكن أن يكون مناسباً لتوصيل رسالتهم . ومن جهة أخرى لا يشترط أن نتخذ من كل معارض للنظام السابق بطلاً وقدوة في الوقت الحالي. هي (الموضوعية) التي أريد أن نلتزم بها جميعاً لأن الإصلاح الحقيقي لن يكون بتغيير أسماء 450 مؤسسة حملت إسم الرئيس السابق ولن أتعجب حينما أقرأ في كتب تاريخ أبنائنا في السنوات القادمة أن صاحب الضربة الجوية الأولى في حرب أكتوبر كان أحد رجال المجلس العسكري الحالي . دعوني أكرر مرة أخرى حتى لا يساء فهمي .. أنا لا أدافع أبداً عن النظام السابق و لا أتمنى أن ترجع أيامه بما فيها من فساد مرة أخرى وأسعد كثيراً عندما أسرح بخيالي في مصر جديدة رائدةً في الصناعة والزراعة و التعدين والتعليم والسياحة والإقتصاد وسط جميع دول العالم . مصر بلا نباتات مسرطنة ولا محسوبيات تميز بين أفراد الشعب . أسرح في مصر التي كانت تدين المملكة المتحدة بالمليارات وصرفت على دول كثيرة في العالم الغالي والنفيس حتى نالوا استقلالهم. ولكن ... دعونا قبل كل شيء نسعى إلى نشر ثقافة الوسطية و الموضوعية بين أفراد الشعب حتى نخرجهم من دائرة (استخف قومه فأطاعوه) إلى دائرة أخرى تتعامل مع الأمور بحكمة وروية لا تؤله الحكومات وفي المقابل لا تذبح الآخرين عن طريق الغير موثق من المعلومات. طارق القرم مسؤول وحدتي الجودة والتدريب بالحاسب الآلي مستشفى الملك عبدالعزيز الجامعي TQERM@KSU.EDU.SA

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل