المحتوى الرئيسى

انقلاب غولدستون بقلم:محمد السهلي

04/10 23:53

محمد السهلي انقلب القاضي ريتشارد غولدستون على نفسه، وحاول من خلال مقالة نشرها في صحيفة «واشنطن بوست» الأميركية أن يحيل الإدانات التي حفل بها تقرير لجنة التحقيق الدولية حول وقائع العدوان على غزة إلى عدم تمكنه من الإطلاع بشكل كاف على تفاصيل ما جرى خلال الحرب على القطاع. وأضاف بأن استهداف الجيش الإسرائيلي للمدنيين لم يكن مقصوداً في حين كانت المقاومة الفلسطينية تتقصد إصابة المدنيين في إسرائيل خلال تصديها للعدوان. يحصل هذا بعد نحو أسبوع من اجتماع مجلس الأمم المتحدة لحقوق الإنسان (25/3) الذي أصدر أربعة قرارات تتصل بالصراع الإسرائيلي ـ الفلسطيني من بينها قرار يوصي بأن تقوم الجمعية العامة للأمم المتحدة بإعادة النظر في تقرير غولدستون خلال دورتها القادمة، مع ضرورة إحالته إلى مجلس الأمن للنظر فيه واتخاذ الإجراء المناسب بشأنه، وأدان عدم تجاوبها مع دعوات مجلس حقوق الإنسان والجمعية العامة بإجراء تحقيقات مستقلة ذات صدقية تستوفي المعايير الدولية. وعلى الرغم من أن غولدستون نفى نيته المطالبة بإلغاء التقرير (وهذا غير ممكن من الناحية القانونية) إلا أن بنيامين نتنياهو كان في مقدمة الذين تلقفوا انقلاب الموقف لدى غولدستون واعتبر أن ذلك يستدعي سحب التقرير من التداول في المؤسسات الدولية. وقامت وزارة الخارجية الإسرائيلية بطباعة نسخ من المقالة، وتوزيعها على جميع السفارات المعتمدة لديها. مما يشير إلى أن تل أبيب في معرض شن حملة إعلامية ودبلوماسية تستهدف المس بصدقية التقرير مع إدراكها عدم استطاعتها شطبه، إلا أنها تسعى إلى خلق تشكيكات بدقته، ربما تؤثر على مواقف الدول المترددة عند نقاشه في مؤسسات الأمم المتحدة والهيئات الدولية ذات الصلة. وتوزعت ردات فعل الأوساط السياسية والإعلامية الصهيونية على موقف غولدستون «الجديد» مابين الترحيب، بما أسموه «ندمة» على الاتهامات التي حملها التقرير ضد ممارسات الجيش الإسرائيلية خلال العدوان على غزة والتي اعتبرها «انتهاك للقانون الدولي والإنساني وتمثل جرائم حرب» في إشارة إلى استخدام الجيش الإسرائيلي للمدنيين الفلسطينيين دروعا بشرية في الوقت الذي برأ ساحة المقاومة الفلسطينية من هذا الاتهام. لكن معظم الأصوات التي علت في الأوساط الصهيونية رأت أن «ندم» غولدستون جاء متأخرا جدا وأن التقرير الذي صدر باسمه قد الحق ضررا بالغا بسمعة إسرائيل على المستوى الدولي، وأدى إلى أن يخشى المسؤولون الإسرائيليون السفر إلى عواصم أوروبية عدة خوفا من اعتقالهم وتقديمهم للمحاكمة. إلى جانب ذلك وجدت أصوات أخرى في تراجعات غولدستون فرصة من ذهب لشن حملة شعواء على مجلس الأمم المتحدة لحقوق الإنسان والجمعية العامة وغيرهما واعتبار هذه المؤسسات تفتقد إلى المصداقية وغير مؤهلة للتداول في شؤون الصراع القائم في المنطقة. وكشفت وسائل الإعلام العبرية ذاتها عن حملة واسعة ومنظمة من الضغط مورست على القاضي اليهودي الجنوب إفريقي غولدستون من قبل الجاليات الصهيونية وتم اعتباره معاديا للسامية ووصف بالخائن. من جانب آخر، فتحت تراجعات غولدستون ملفات تصفية الحساب بين عدد واسع من القيادات الصهيونية في المؤسستين السياسية والأمنية، ووجد أكثر هؤلاء في إيهود باراك دريئة مناسبة باعتباره الحاضر في المشهد السياسي الحالي ممن عايشوا تلك الفترة على خلفية توجيه النصيحة لإيهود أولمرت بعدم الاجتماع مع اللجنة التي شكلها مجلس الأمم المتحدة للتحقيق في وقائع العدوان على غزة، مقابل أن تقوم الحكومة الإسرائيلية بتحقيق خاص ولقي في حينها تشجيعا من الإدارة الأميركية برئاسة جورج بوش الابن. وفيما كانت ردات الفعل الإسرائيلية تتوالى حول انقلاب غولدستون على تقرير اللجنة الذي صاغه، تبرز هذه التفاعلات الملاحظات الآتية: • لم تهدأ التحركات الإسرائيلية عند حدود صدور التقرير بل تابعت الأصداء حوله على جبهتين متصلتين. ففي الأولى نسقت مواقفها مع واشنطن من أجل تجميد التقرير وعدم تداوله في المؤسسات الدولية ذات الصلة، وحشدت العاصمتان معا فريق ضاغطا على السلطة الفلسطينية من أجل سحب التقرير من نقاشات الأمم المتحدة تحت إغراءات تتصل بملف المفاوضات الثنائية، وقد تم لها ذلك مما أشعل تجاذبات حادة داخل الحالة الفلسطينية إلى أن تم تصحيح الموقف في وقت لاحق. • وفي الجبهة الثانية واصلت تل أبيب ومعها اللوبي الصهيوني في مناطق عدة ضغوطها على أعضاء اللجنة وبشكل خاص على القاضي غولدستون لحمله على تنصله من التقرير ومن الواضح أنها نجحت في ذلك مع صدور المقالة المذكورة في «واشنطن بوست» وستسعى إلى توظيف ما ورد فيها من أجل: • إعادة تسويق مقولة «الجيش النظيف» بعد ما أدين الجيش الإسرائيلي بارتكاب مجازر بحق المدنيين في محطات عدة، خلال العدوان على غزة وما بعدها (أسطول الحرية). • إحالة تهمة استهداف المدنيين عن قصد إلى المقاومة الفلسطينية مستفيدة مما قاله مؤخرا غولدستون بهذا الشأن، وهذا يعني أنها بصدد التأسيس لمناخ يسمح لها القيام بعدوان واسع على قطاع غزة واستهداف قادة المقاومة بدون ردات فعل غاضبة، وهي هنا تروج مجددا لمقولة «الدفاع عن النفس» التي سبق أن مهدت للعدوان على قطاع غزة أواخر العام 2008 وبداية العام الذي تلاه. • محاولة قطع الطريق على الجهود التي يبذلها الجانب الفلسطيني في متابعة ملف الجرائم الإسرائيلية أمام محكمة الجنايات ونقاش هذه الملفات في الجمعية العامة للأمم المتحدة ومجلس الأمن من أجل اتخاذ قرارات تدين هذه الجرائم وتمهد لتقديم مرتكبيها أمام المحاكم المختصة. وربما يجب الانتباه إلى عدم الركون للفتاوى التي تؤكد أن ما قاله غولدستون مؤخرا لن يؤدي إلى سحب التقرير أو إلغائه، لأن الهدف من الحملة الإسرائيلية الحالية خلق نوع من الارتباك والبلبة لدى أطراف عدة وتساندها في ذلك بشكل قوي الولايات المتحدة التي وقفت ضد القرارات التي أصدرها مجلس الأمم المتحدة لحقوق الإنسان مؤخرا وصبت لغير صالح إسرائيل. وهذا يعني بشكل بديهي أننا سنكون أمام جبهة ضغط متعددة الاتجاهات تهدف إلى تنحية تقرير غولدستون عن دائرة النقاش الدولي الفعال. وفي حال تم ذلك في الجمعية العامة للأمم المتحدة، فسيتم حصار التقرير في مجلس الأمن بمنع خروج أي قرار ينصف الفلسطينيين ولو أدى الأمر إلى استخدام الفيتو كما حصل مع مشروع القرار الذي يدين الاستيطان في الأراضي الفلسطينية المحتلة. أمام ذلك، نعتقد بأن الخيار الايجابي الوحيد أمام الحالة الفلسطينية يكمن في مواصلة التحرك السياسي والدبلوماسي من أجل رزمة من الأهداف المتكاملة، من بينها طلب الاعتراف بالدولة الفلسطينية بحدود 4 حزيران/ يونيو 67 وعاصمتها القدس إلى جانب المتابعة الحقوقية والقانونية من أجل محاسبة إسرائيل على الجرائم والانتهاكات الإسرائيلية بحق الشعب الفلسطيني بما فيها القتل والتدمير وهدم المنازل ومواصلة الاستيطان ومصادرة الأراضي وجميعها جرائم موصوفة في القانون الدولي، لكنها تحتاج إلى متابعة جدية توظف في سياقها الإمكانات المتوافرة لدى الشعب الفلسطيني ومؤيدي حقوقه على المستويين الإقليمي والدولي.. وهذا ممكن. الصورة:غولدستون: دم الفلسطينيين شهادة لا يمكن تجاوزها.

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل