المحتوى الرئيسى

الفجوة بين الأجيال وآليات احتوائها

04/10 21:48

بقلم: د. محمد المحمدي الماضي حتى لا تحدث صدمة المستقبل   إن الشباب هم أمل الأمة ومستقبلها الواعد، كما أنهم ثروة الأمة الحقيقية وعدتها وذخيرتها في الوجود، وعلى أكتافهم تكون نهضتها، وفيهم يكمن سر قوتها، وبصلاحهم ينصلح حالها ويستقيم أمرها، والعكس بالعكس؛ فهم بمثابة المقياس، أو المعيار الذي يحدد تقدم الأمة أو تأخرها، أو رقيها أو انحطاطها.   ونظرًا لسرعة تطور الأحداث والمستجدات حولنا في جميع المناحي، وما تمثله من مؤثرات واضحة، وخاصة على الأجيال الشابة التي تنشأ عليها كمعطيات طبيعية، أكثر مما يتأثر بها الكبار الذين نشئوا في بيئة مختلفة وتعودوا على أطر مختلفة؛ تجعلهم أقل استيعابًا لها، أو تأثرًا بها؛ مما يخلق فجوةً حقيقيةً لا يمكن تجاهلها بين الأجيال.   وهذه الفجوة تمثل مشكلة مؤرقة لكلِّ المجتمعات البشرية الآن، ولقد بات كثير من علماء النفس والاجتماع والسلوك عمومًا مهمومين بالبحث عن وسائل وأساليب لتقليل هذه الفجوة بين الأجيال، وتحويلها إلى عنصر قوة تصب في مصلحة أوطانها ومجتمعاتها، وليس نقطة صراع أو خلاف يشل طاقاتها أو يضعف قوتها.   ونحن الآن سواء في مصر أو في المنطقة العربية، في أشد الحاجة لوقفة من جميع العلماء والساسة والقادة والمعنيين عمومًا بشأن الوطن، لحسن إدارة والتعامل مع هذه المشكلة قبل استفحالها، خاصة بعد ما رأينا- وما زلنا نرى- من حركة غير مسبوقة للشباب أذهلت الكبار، ليس في الوطن العربي فحسب بل في العالم كله، بعدما حطم كل الحواجز، وبادر بحركة ثورية قادت المجتمع بأثره لاجتثاث قلاع الظلم والفساد والاستبداد التي سادت عقودًا طويلةً، وقد أدت حالة النجاح في كل من مصر وتونس إلى زيادة واضحة في شعور جيل الشباب بذاتيته وقدرته واستعداده- من ثمّ- للتمرد على سابقيه.   ومن هنا تأتي أهمية أن نعيد النظر في أسلوب تعاملنا مع الشباب من كل الجوانب، وحسن توجيههم والاستفادة من طاقاتهم وإمكانياتهم؛ لأننا في ذلك إنما نُعد الأمة نفسها، وخاصة أنها في معترك صراع ثقافي، وأيديولوجي يهدد كينونتها وأصالتها!   ومن الملاحظ في تربية الشباب عمومًا أننا قد نهتم بجوانب معينة، ونهمل جوانب أخرى مهمة، فنهتم مثلاً ببناء الأجسام وتلبية الحاجات، وننسى أن هناك مثلاً طاقة جبارة يجب تفعيلها، وعقولاً متوقدةً يجب تزكيتها واستيعابها، وشهوة متأججة يتحتم ترشيدها.. مما يستتبعه إخراج جيل محصَّن ومتوازن، وبعيد عن المجون والفتون، ومحفوظ من مضلات الهوى وبواعث الفتن, وجدير بأن يكون كمن جاء فيهم وصف ربهم: ﴿إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى﴾ (الكهف: من الآية 13).   فنحن الآن أمام أمرين: الأول: أننا بصدد أخطر مرحلة في عمر الإنسان، وهي مرحلة النشأة والشباب. والثاني: أننا بصدد مهمة من شأنها أن تساعد على استقرار الأمة وتُدعِّمها، أو على انحرافها وفساد منظومتها، وهي النتيجة المترتبة على نجاح، أو فشل مهمة إعادة فهمنا للأجيال الناشئة عمومًا وللشباب على وجه الخصوص.   وخلاصة هذين الأمرين تتمثل في كيفية إعداد المربين للشباب بصفة عامة، وفن احتوائهم والتعامل معهم، ثم كيفية إعدادهم لتحمل المسئولية الاجتماعية للمشاركة الفعالة في تحمل أعباء بناء المجتمع على أُسس صحيحة.   وعسى من سائل هنا يسأل ويقول: وهل الشباب في حاجة لمعاملة خاصة وفن احتواء؟ وهل هم بالفعل في حاجة للإعداد لتحمل دورهم في المستقبل؟ ثم من الذي يمكنه أن يُعدَّ الشباب هذا الإعداد الخاص، وتلك التهيئة المبتكرة؟ وإن وُجد فكيف له بأمر هذا الإعداد؟!   تقدم تكنولوجي.. وتطور إنساني واجتماعي لعلنا- في صدد الإجابة على الأسئلة السابقة- نكون متفقين على أن العصر الحالي، وما حدث فيه من انفتاح فضائي، وإعلامي ومعلوماتي واجتماعي، قد نتج عنه وجود أكثر من مربٍّ، وأكثر من جهة تُدلي بدلوها في عقليات فئة كبيرة من المتلقين الشباب، وهو الأمر الذي أدى إلى اختلاط في القيم وتعدد في المفاهيم، ومن ثم صعوبة في التوجيه والتربية.فطبيعة الحياة في العصر الحديث قد اتصفت بما لم تتصف به أي حقبة تاريخية سابقة، وخاصة فيما يتعلق بالحجم الهائل للتغيير والتطور في كل مناحي الحياة، وبالأخص في الجانب المادي والتقني منها.   ولعل الأكثر أهمية في ذلك هو أن هذا التغيير الهائل يتميز بصفة التسارع والاستمرارية والتنوع، والذي يؤدي بدوره إلى سرعة التلاشي، أو ما يمكن تسميته "ظاهرة التقادم المتسارع"، والتي تؤدي إلى فقدان الأشياء لقيمتها، حتى وإن كانت لا تزال صالحة للعمل، وهو ما يطلق عليه "التقادم التكنولوجي".   وإن هذا التقادم نجده أكثر وضوحًا وبصورة ملموسة في حياتنا اليومية، وبنظرة واحدة على ما نستعمله من أجهزة وتقنيات- كالمحمول مثلاً- نعلم كم هي طبيعة التغيير، وكم هي درجة سرعتها في حياتنا؛ الأمر الذي يعلله ملاحقة هذا التغيير السريع، ومواكبة ذاك التطور المذهل في هذا المجال.   وهو الأمر الذي يوضح حجم الفجوة الكبيرة التي يمكن أن تترتب على درجة التوافق بين التطور التكنولوجي في عالم الأشياء، والتطور الاجتماعي والإنساني في عالم العلاقات والإنسانيات المكافئة لذلك، خاصة أن حجم التطور في عالم الأشياء أكثر سرعة من مثيله في عالم الأفكار والإنسانيات والاجتماعيات.   وهنا تظهر العلامات المهمة التالية: * فجوة عامة بين عالم الأشياء وعالم الإنسانيات والاجتماعيات والأفكار. * فجوة فرعية هائلة بين الأجيال، وهذه الفجوة هي الأهم والأخطر فيما يتعلق بموضوعنا.   ولا شك أن هذه الفجوة تتمثل فيما قدمته المعارف والتقنيات الحديثة، والذي يصحبها عادات وسلوكيات مختلفة، تعتبر مؤثرات مباشرة وغير مباشرة في تكوين الشخصية، بما فيها من سلبيات وإيجابيات، وبما تحمله في طياتها من قيمٍ دفينة تعبر عن منتجيها وليس متلقيها، وخاصة ونحن في بيئة يقل وعيها بأثر المدخلات المختلفة على تكوين الشخصية في المراحل الأولى من العمر، وهو ما يضاعف من مشكلة شباب اليوم، سواء من حيث تكيفهم مع من يحيط بهم من أجيال سابقة من المربين والآباء والعشيرة، أو مع المجتمع عمومًا، وعاداته وأعرافه الذي تربى عليه لسنوات، أو مع المستقبل وما يحمله من أدوار متعددة، وخاصة فيما يتعلق بانتقال الشباب من طور الاعتمادية الكاملة في مراحل التعليم المختلفة، وما أطولها، إلى طور الاستقلالية الظاهرية المرتبطة بمرحلة المراهقة، ثم الاستقلالية الافتراضية فيما بعد التخرج، وتولي عبء إدارة حياة زوجية ومهنية مستقلة ومتكاملة.   كل ذلك يبرز التحديات الكبيرة التي تواجه الشباب، والتي هي في الآن نفسه عوائق ومشكلات صعبة في طريق المربي.   تجفيف المنابع والتدويخ الحياتي إذا كان ما سبق من تحديات يمثل واقعًا عامًّا يواجه كل الشعوب والأمم نظرًا لطبيعة خاصة تواجه عصرنا الحديث، فإن من أكبر التحديات الأخرى التي كان لها أكبر الأثر على أجيالنا المتعاقبة في مصر، والمنطقة العربية، خاصة منذ بداية التسعينيات ثم ازدادت ذروتها بعد أحداث سبتمبر 2001م، وحتى الآن، هو ما سُمي حينئذٍ وبشكل واضح وصريح بـ"إستراتيجية تجفيف المنابع"، والتي اتخذت صورًا متعددةً لقطع صلة الأجيال الناشئة بمنابع دينهم وقيمهم، وتاريخهم وروائع حضارتهم، ومكارم أخلاقهم؛ تعليميًّا، وإعلاميًّا، ودعويًّا، وثقافيًّا... إلخ، وهي من أنجع الوسائل والأساليب التي تدشن البنية الأساسية لثقافة الفرد ومنظومته القيمية والأخلاقية، خاصة أنها تتغلغل في لا شعوره بشكل غير مباشر، كما يحدث مثلاً في فيلم، أو مسلسل، أو خطبة جمعة من أفراد أصحاب رسالة يمثلون قادة رأي حقيقيين يحرصون على حراسة هذا النشء من روافد الغزو الثقافي التي تعددت أوجهه.   فإذا كانت هذه الإستراتيجية قد رفعها الغرب في الحقبة الماضية، وحاول فرضها وخاصة بعد أحداث سبتمبر 2001م، على العالم الإسلامي، فإن النظم الحاكمة قد تفانت في تطبيقها بكل حرص وإخلاص، لدرجة أننا لم نعد نجد خطيبًا واحدًا في مصر تُشدُّ إليه الرحال كما كان الحال في جيلنا مع عشرات، مثل الشيخ الغزالي، والشيخ كشك، وغيرهما، ناهيك عن تحول الإعلام، والفن عمومًا إلى الهجوم على الفكرة الإسلامية والقيمية، وحتى التاريخية الوطنية؛ بحجة محاربة الإرهاب!!   الخلاصة أن حصاد هذه السياسة الماكرة هو هذا الجيل المجني عليه، فإذا تضافر مع ذلك شدة انشغال الكبار الذين يقع عليهم عبء التوجيه، والتربية تحت وطأة الظروف المعيشية والحياتية المنهكة، فإن الصورة النهائية سوف تكون في غاية الإزعاج والخطورة، ويحتاج من حكمائنا الكبار إلى وقفة حقيقية خاصة بعد ثورة 25 يناير المباركة، والتي كسرت الكثير من الأغلال، وقضت على الكثير من الحواجز والتهديدات، وأتاحت العديد من الفرص التي يجب أن نحسن الاستفادة منها لبناء مستقبل أمتنا، متمثلاً في أجيالنا الناشئة على أسس سليمة تحقق أمننا القومي في هذا الصدد، بدلاً من أن نظل سائرين في نفس الحفرة التي حُفرت لنا لتحقق مصالح الآخرين، وتدفن مستقبلنا وتواريه التراب.   ولن يتأتى ذلك- باختصار شديد- إلا إذا تصدينا بشكل حاسم لمثل هذه الإستراتيجيات المدمرة واستبدلناها بالعكس تمامًا.   المربي.. والدور الفعَّال المفقود لعل القارئ يتساءل: وماذا عن دور المربي الآن لمواجهة هذه العوائق وتلك المشكلات الصعبة؟!   ومثل هذا السؤال يقودنا إلى تفكير منطقي يقوم على محورين أساسيين؛ الأول في المدى البعيد والمتوسط، ويتبنى المنهج المتكامل للتربية منذ نعومة أظفار الشباب، والثاني في المدى القصير، ويواجه المشكلة بعدة حلول عملية وممكنة، وهدفها الإنقاذ السريع لما يمكن إنقاذه.. وهنا يمكنني أن أسوق مجموعة من المقترحات لتكون بمثابة نقطة انطلاق لمزيد من الأفكار التي يجب أن تتضافر بعد ذلك لترجمتها إلى واقع.   لنتفق بداية على أن الحلول العاجلة سوف تتوجه إلى الشباب في نهاية المرحلة الثانوية، ومنذ بداية المرحلة الجامعية، وتتصاعد بشكل مدروس حتى نهايتها، باعتبار أن هذه المرحلة هي أخطر مرحلة قبيل مواجهة أعباء الحياة المهنية والزوجية للشاب، والتي يكتمل فيها نضجه العقلي والعاطفي.   وبرغم أهمية هذه المرحلة إلا أن المشاهد أنها تفتقد- حتى هذه اللحظة- من يسد فجوة استكمال هذا النضج العقلي والعاطفي من المربين لدى الشباب، حتى إن المربين المتطوعين، بخلاف المدرسة، أو الجامعة، يفتقدون خبرة ومعرفة التعامل الفعال مع هذا السن، وما يتطلبه من أساليب مختلفة.   فالكثير من المربين، ومنهم المتطوعين، بوعي منهم أو بدون وعي، يفترضون نموذجًا خياليًّا للشخصية المعتبرة من وجهة نظرهم في هذه السن، وهي الشخصية المهذبة المطيعة، التي تكون في يد المربي كالميت في يد المغسل، يفعل بها ما يشاء، ويوجهها كيف يشاء، فيستجيبون ويطيعون، خاصة أن هذا المربي يقوم بغرس ما يراه من القيم السامية والأخلاق الفاضلة التي لا يختلف أحد على أهميتها وضرورتها.   لكن رد الفعل في الغالب، والذي عاينته شخصيًّا في كثير من الحالات، هو الرفض لهذا الأسلوب والمنهج، بل والسخرية منه، وفي أحسن الحالات مجاراة الشباب له وهم مضطرون، وغير راضين ولا مقتنعين، ومن ثم انعدام درجة التأثر بهذه الفئة من المربين.   لقد اشتكى لي بعض الشباب القريبين مني في الجامعة والحي الذي أسكن به منذ خمس سنوات، من سوء معاملة هؤلاء المربين لهم، وكيف أنهم طردوا من حظيرة هذه التربية التطوعية بحجة أنهم مهرجون، ويفسدون على غيرهم عملهم، بالرغم من أن شخصية هؤلاء الشباب كانت ناضجة، ولها صفات قيادية نادرة، وهم الذين تفاعلوا وجاءوا يريدون مني التدخل.   حينها أدركت أن المربين ليسوا على مستوى النضج الكافي، وقد تيقنت من ذلك عمليًّا لمّا قررت القيام بتجربة احتضان هؤلاء الشباب وتوجيههم فترة من الزمن، من خلال إتاحة وقت دوري لهم، تعمدت فيه إعطاءهم زادًا متكاملاً؛ نفسيًّا وروحيًّا وعقليًّا وحياتيًّا، وبأسلوب سهل بسيط، يحترم عقولهم ويعاملهم كأشخاص ناضجين ومسئولين، ومن خلال مشاركتهم في مناقشة قضاياهم ومشكلاتهم الاجتماعية والدراسية، وكيف يمكن تحقيق شخصية ناجحة ومتوازنة.. وكانت النتيجة سريعة ومذهلة.   فرغم التباعد الكبير بيني وبينهم في السن، إلا أن حجم التأثير والتغيير في عاداتهم وسلوكياتهم، ومهاراتهم وعلاقاتهم بمن حولهم، وخاصة الأهل، قد تحولت بشكل ملموس وملحوظ إلى الأفضل، وظهر ذلك جليًا في تعليقات آبائهم لي، وقد لمسوا هم بأنفسهم هذا التغيير، حتى أنهم باتوا يحرصون ويلحون على انتظام هذا العمل وذاك الرباط.   ولعل أبرز ما حدث لأحدهم أنه كان قد التحق بكلية الهندسة، ولسبب أو آخر رسب في أول سنة، وابتعد عن الالتزام، حتى بالصلاة في المسجد، ورفض بشدة أي توجيه أبوي، وقاوم أي نصيحة سواء من الأسرة أو المحيطين.. ونتيجة للاحتواء الذي ذكرته، وبتوفيق من الله، ما هي إلا أيام حتى صار حاله يتبدل ويتحول تدريجيًّا من النقيض إلى النقيض، وبشكل إرادي ومتوازن؛ فانتظم في دراسته، وعاد إلى التزامه، وبات أكثر تقديرًا واحترامًا لوالديه ومربيه، ظهرت عليه أمارات المسئولية والجدية في تعاملاته مع من حوله.   إنني بذلك أردت أن أعطي درسًا عمليًّا للمربين، ملخصه أن العيب ليس في هؤلاء الشباب، الذين سرعان ما نتهمهم، ونلقي باللوم عليهم، بينما اللوم كل اللوم إنما يقع على الكبار الذين يجب أن يقوموا بدورهم في التربية والتوجيه والإعداد، بشكل مناسب، وبأسلوب يتوافق وطبيعة المرحلة.   المربي.. وفن التعامل مع الشباب إن أهم ملامح الأسلوب الأمثل لتعامل الكبار مع الشباب، لا يُنظر إليه فقط في مقدار ما سوف يغرسونه فيهم من أخلاق وقيم سامية، وإنما ينظر إليه، وهو الأهم، من ناحية الكيفية التي بها يستطيعون غرس هذه القيم وتلك المبادئ، ويمكنني هنا أن أقدم بعض النصائح المهمة في ذلك، وهي من واقع الخبرة والتجربة:   1- كن صاحبًا وليس مؤدبًا: ولعلنا هنا نقصد ما جاء في الأثر الذي نسبه البعض إلى سفيان الثوري، ونسبه آخرون إلى عبد الملك بن مروان: "لاعِب ابنك سبعًا، وأدِّبه سبعًا، وصاحبه سبعًا، ثم اترك حبله على غاربه".   فرغم سلامة هذا القول، ورغم تأكيد كل نظريات التربية الحديثة، شرقًا وغربًا، عليه، ومحاولاتها الجادة لوضعه موضع التطبيق في وسائلها التربوية والتعليمية المختلفة.. رغم كل ذلك إلا إننا لا زلنا نسير عكسه تمامًا، ولا أريد أن أستفيض في هذه النقطة التي تحتاج إلى أبحاث موسعة، ولكن يكفي أن ننظر إلى مناهجنا منذ الحضانة، وحتى الجامعة، وحال أبنائنا معها.   لكن ما أريد أن أؤكد عليه هنا هو أن أحد أهم مفاتيح التوجيه في مرحلة الشباب يكمن في مصاحبة المربين للشباب؛ فالشاب في هذه المرحلة تزيد عنده الحاجة إلى صاحبٍ يختاره بإرادته، يُفضي إليه ويسمع منه، ويبثّ له همومه وشكاياته، ويبوح له بأسراره ومكنونات نفسه، وهو في ذلك إنما يريد أن يُشبع جانبًا عاطفيًّا واجتماعيًّا مهمًّا في هذه المرحلة، ويريد أيضًا أن يُثبت استقلالية وتفرده بقراراته، فيستطيع أن يبرهن على نضجه واكتمال شخصيته.   فإذا لم يكن هذا الصاحب هو المربي الناصح الأمين، فإن الشاب لن يتردد في أن يملأ هذا الفراغ بمن يجده، حتى وإنا كان صاحبًا فاسدًا ومفسدًا، وقد رأينا كثيرون انزلقوا إلى هذا المستنقع، رغم وجود مربين وموجهين أمناء، وآباء صالحين.. لماذا؟   فقط لأن هؤلاء المربين جميعًا التزموا دور الشرطي المؤدِّب المؤنِّب، ولم يعيشوا (الصحوبية)، أو المصاحبة مع هؤلاء الشباب، فيفتحون صدورهم للشباب، ويفتح الشباب لهم قلوبهم وعقولهم.   2- احترم عقل الشاب وطريقة تفكيره: ذكرنا فيما سبق أن الفجوة بين الأجيال، والتي تجعل كثير من المربين ينظرون للشباب نظرة تدني وتسفيه، لأفكارهم واهتماماتهم.. إلخ، مما يجعل تعاملهم ونظرتهم لهم تنطلق من الاعتراض ابتداءً، ومحاولة إثبات خطئهم، ومخاطبتهم كأطفال غير واعين...!   لكن الحقيقة أن أطفال اليوم لديهم من المعارف أضعاف ما كان يعرفه الرجال في الماضي، ناهيك عن الشباب!   فلماذا لا نبدأ باحترام عقول هؤلاء والتعامل معهم من منطلق أن لديهم شيئًا يمكن أن يناقش، وهذا يقودنا إلى النقطة التالية.   3- حسن الإصغاء والإنصات لهم: وأعني هنا الإنصات الفعَّال وليس مجرد الاستماع، بمعنى أن أعطيهم الفرصة ليتكلموا ويعبروا عن آرائهم ورؤيتهم ومشكلاتهم، ودون خجل أو تردد، وتشجيعهم على ذلك، وإعطائهم الأمان، بل وبناء جسور من الثقة والاحترام، وكل ما من شأنه أن يبعث على الألفة معهم، ويشجعهم على التعبير بحرية وصراحة عن كل ما يجول في نفوسهم.   ومهما حدث من تفاهات أو أخطاء، فعلى المربي أن يكون لديه صبر وقدرة على الإنصات، وفي هذه الحالة يحمد الله تعالى أن الشاب يحكي له وليس لأحد غيره، أو يحكي له ولا يكبت أو يتصرف باجتهاده.   إن مجرد الإنصات الفعال والمتفاعل في حدِّ ذاته كفيل بأن يحلَّ كثيرًا من المشكلات، حتى وإن لم يقم المربي بطرح أي حلول، وتعتبر هذه مجرد فضفضة من الشاب لما يجيش بصدره ويثقل كاهله، أو عما يفرحه أو يحزنه، لشخص يستشعر حبه وحرصه عليه.   ومثل هذا الصنيع يريح الشاب كثيرًا، ويجعله طيِّعًا في يد المربي، غير عصي على أي توجيه أو نصيحة يقدمها له، وقد جربت ذلك ليس فقط مع الشباب بل مع الكبار أيضًا، وكانت النتيجة مذهلة.   لقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم شديد الإنصات والاهتمام لكل من يحدثه، حتى ولو كان طفلاً أو امرأة، لدرجة أنه اتُّهِم- كما ذكر القرآن الكريم- بأنه أذن! ﴿وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيِقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَّكُمْ يُؤْمِنُ بِاللّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَرَحْمَةٌ لِّلَّذِينَ آمَنُواْ مِنكُمْ وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللّهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (61)﴾ (التوبة)، وهؤلاء الذين اتهموا الرسول صلى الله عليه وسلم بهذه الفرية هم قوم من المنافقين، وكانوا يعنون بذلك أنه صلى الله عليه وسلم ذو أذن سامعة، يسمع كل ما قيل له ويقبله ويصدقه، حتى وهم يكذبون عليه، وقد برأه الله عز وجل حين قال بأنه أذن لكنه أذن خير؛ يسمع بتعقل ويعرف الصادق من الكاذب.   ولعل أخطر معوق للالتزام بهذه الصفة المهمة- صفة الإنصات الجيد والفعال- لدى كثير من المربين، ليكمن في ضيق الوقت، ونفاد الصبر، وقلة البصيرة، وسيطرة روح الأبوة والأنا.. وهو ما يجب أن نتخلص منها جميعًا؛ لنستطيع احتواء شبابنا، ونجني منهم ثمارًا طيبةً.   4- إدارة المشاعر: إذا تمكن المربي من حسن الإنصات، وكان لديه من الحكمة والحنكة والخبرة ما يكفي، فإنه حتمًا سوف يتملك مشاعر الشاب، ومن ثم يتمكن من إدارة مشاعره بالشكل الصحيح والفعال؛ لأنه سوف يحكي له كل شيء، وخاصة عواطفه وتجاربه في هذه المرحلة، وطالما اطمأن الشاب للمربي، ووجده ينصت له بحب واهتمام وإخلاص، فبدوره سينصت الشاب هو الآخر لمربيه باحترام وثقة.   ونظرًا لأن المربي الحكيم سوف يتجاوب مع هذه المشاعر دون تسفيه أو تجاهل أو مصادرة، أو تحريم وتجريم، فسوف يتمكن من ترشيد هذه المشاعر وتوجيهها الوجهة الصحيحة، ولعل في رد فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم على ذلك الشاب الذي جاءه يستأذنه في الزنا، لأفضل مثال وأروع نموذج على كيفية إدارة مشاعر الشباب، حتى ولو كانت منحرفة.   فقد روى الإمام أحمد وغيره وصححه الألباني عن أبي أمامة رضي الله عنه قال: إن فتى شابًا أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، ائذن لي بالزنا! فأقبل القوم عليه فزجروه، قالوا: مه مه! فقال: "ادنه"، فدنا منه قريبًا، قال: فجلس، قال: "أتحبه لأمك؟" قال: لا والله جعلني الله فداءك، قال: "ولا الناس يحبونه لأمهاتهم"، قال: "أفتحبه لابنتك"، قال: لا والله يا رسول الله جعلني الله فداءك، قال: "ولا الناس يحبونه لبناتهم"، قال: "أفتحبه لأختك؟" قال: لا والله جعلني الله فداءك، قال: "ولا الناس يحبونه لأخواتهم"، قال: "أفتحبه لعمتك؟" قال: لا والله جعلني الله فداءك، قال: "ولا الناس يحبونه لعماتهم"، قال: "أفتحبه لخالتك؟" قال: لا والله جعلني الله فداءك، قال: "ولا الناس يحبونه لخالاتهم"، قال: فوضع يده عليه وقال: "اللهم اغفر ذنبه، وطهر قلبه، وحصن فرجه"، فلم يكن بعد ذلك الفتى يلتفت إلى شيء.   ولعل هذه النقطة بالذات من أهم مقدمات الإعداد والتأهيل لبناء حياة زوجية وعاطفية سليمة.   5- الحكايات والقصص بدلاً من التوجيه المباشر: لقد ثبت أن التوجيه من خلال حكاية أو قصة حقيقية، أو تاريخية، أو حتى خيالية، من شأنه أن يكون له أبلغ الأثر من مجرد النصح والتوجيه المباشر.   فبالقصة والحكاية يستطيع المربي أن يعطي الشاب الفرصة الكاملة كي يستنتج بنفسه ويصل بعقله وتفكيره إلى الحكم والمرامي التي يريد المربي أن يوصلها إليه، وفي هذا احترام لعقل الشاب وعدم إشعاره بأي تنقيص أو تصغير قد ينتج من خلال التوجيه المباشر.   ولنا في القرآن الكريم المثل الأعلى في قص القصص، حيث بلغ نصيب القصة في القرآن الكريم الثلث تقريبًا، وما ذلك إلا للاستئناس واستخلاص الدروس والعبر.   وقد بدأ هذا الاتجاه يأخذ مسارًا واضحًا حتى في مجال التوجيه الإداري نفسه، حيث ظهرت مداخل للتنمية الإدارية ودعم ثقافة تنظيمية إيجابية من خلال القصص والحكايات.   6- المشاركة: لم يعد أحد الآن في العالم كله شرقه وغربه لا يتكلم عن أهمية المشاركة، سواء في الإدارة والحكم، أو في الحياة عمومًا، والأسرية منها بشكل أخص.   ولعل القرآن وسنة الرسول صلى الله عليه وسلم وسيرته والمنهج الإسلامي بصفة عامة من أكثر ما دعا إلى المشاركة والاستماع للرأي الآخر وتقديره واحترامه.   فقد أمر الله عز وجل الرسول صلى الله عليه وسلم نفسه بذلك في آية سورة آل عمران حين قال له: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ (159)﴾ (آل عمران).   ونأسف لأننا حين نذكر هذه الآية نستشهد فقط بقوله تعالى: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ﴾، وقد تعمدت الإشارة إلى الآية واسم السورة التي وردت فيها؛ لأن كل كلمة فيها مهمة لكل مربٍّ وموجه، كقائد مؤثر في نفسية من يقوم بتربيته وقيادته، وليس كرئيس أو مدير يلقي بالأوامر والتعليمات..   ولننظر بتأني إلى كل كلمة في الآية؛ يقول الله تعالى يخاطب نبيه صلى الله عليه وسلم: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ (159)﴾؛ فأي روعة وأي جمال في هذا التوجيه الرباني للمربي الأول الذي هو أسوتنا وقدوتنا جميعًا!   ولنحاول استخلاص العبر من ذلك: 6-1 وأولها أن المشاركة أو الشورى يجب أن تحاط بسياج فضفاض من الرحمة واللين للمربي، ولا يعني اللين ضعفًا وليس هو عكس القوة؛ وإنما اللين عكس القسوة والصلابة، ومن ثم فاللين منتهى القوة... لماذا؟   لأن الصلب يسهل كسره، واللين كالحبل يستحيل كسره، بل تجده أكثر مرونة معك ومطواعًا لك؛ وهو أقدر على التكيف مع الوضع المناسب بالشكل المناسب دون صلابة على موقف واحد، وهذا هو عين المطلوب للتعامل مع الشباب والمراهقين، ناهيك عن عموم الناس.   6-2 البعد عن الفظاظة والغلظة: إن كل مناهج التربية تحذر وتنفر من استخدام القسوة المفرطة في التربية؛ لأنها تورث التبلد أو التمرد، ولا تأتي بخير، ولقد ألمح ابن خلدون في مقدمته عن الأضرار الجسيمة للتعامل الفظ من المربين مع الغلمان في مراحل التربية المختلفة.   والفظ أكثر ارتباطًا بسلاطة اللسان، والغلظة أكثر ارتباطًا بقسوة القلب التي تنعكس عن تجهم وعبوس في الوجه، وكليهما يقتل لدى المتلقي روح المبادرة أو الإقدام أو حتى مجرد التفكير في إبداء رأي..!! ومن ثم تجعلهم ينصرفون عن المربين ويلجئون إلى محاضن أخرى، وما أكثرها في هذا الزمان، وما أخطرها في الآن نفسه!   6-3 العفو والاستغفار: كثيرًا ما يخطئ الشاب أو الفتى في هذه السن، بل وكثيرًا ما يبدي أسفه ثم يعود ويكرر الخطأ نفسه؛ فماذا نفعل معه؟   إن الحكمة والحكمة كل الحكمة، والتي نتمثلها من خلال التوجيه القرآني، تأمرنا أن نعفو عنه حتى وإن كرر الذنب أو الخطأ؛ وذلك لنشجعه على تكرار الاستغفار، بتكرارنا نحن معه العفو، ونفتح له باب الرجوع واسعًا، ولا نغلق أمامه أبدًا باب الرحمة والتوبة والرجوع، بل ونستغفر له في سجودنا وصلاتنا، ولا نكون عونًا للشياطين على الشباب.   وعلينا أن نتذكر قصة الرجل الذي قتل تسعة وتسعين نفسًا وأراد التوبة، فذهب لعابد فسأله: هل لي من توبة؟ فلما علم ما فعله أجاب بالنفي؛ فقتله وأكمل به المائة، ثم ذهب لعالم فقال له: ولم لا؟ فقط عليك أن تعمل وتثبت أنك تريد بحق التوبة، ووجهه للذهاب لمكان كذا... إلى آخر القصة التي نأخذ منها أن على المربي أن يكون حكيمًا، ولا ييأس أبدًا في الشاب، ولا يُيئسه من رحمة الله الواسعة.   إن أحد أهم مداخل الشيطان للشباب في هذه المرحلة، وخاصة من يريد أن يبدأ طريق التوبة منهم، هو أنه يدخل له من مدخل النقص وعدم الكمال.   ولقد كنت أخطب جمعة في أحد المساجد، وجاءني بعد الصلاة شاب في بداية مرحلة الجامعة وسألني عدة أسئلة توضح أنه بعيد كل البعد في حياته عن منهج الإسلام الذي أتحدث عنه، وأنه يريد أن يكون مسلمًا بحق، فكيف يفعل ذلك؟ وهل له فرصة إن أراد أن يقبله الله؟   أوضحت له كيف أن باب التوبة والرحمة مفتوح، وما عليه إلا أن يقدم، فانتظم الشاب لبضعة أيام في الصلاة، ثم انقطع فجأة؛ وبعد عدة أيام قابلته قدرًا فسألته لماذا لم تعد تنتظم معنا في الصلاة؟ فكانت إجابته عجيبة ومدهشة... وهي أنه يخجل من أن يقف يصلي بينما هو لا يستطيع مثلاً أن يغض بصره، أو وهو يأتي ببعض الذنوب!   حينئذٍ علمت أن الشيطان قد استدرجه إلى فخ عدم الكمال، ومن ثم الدفع إلى مستنقع اليأس والاستسلام، بمنطق أنه لا يليق أن يقف يصلي بين يدي الله عز وجل، فناقشته وأوضحت له ذلك، وكيف أن الشيطان يستدرجه، فبدلاً من أن يترك الخطأ الذي فعله كإنسان ويستغفر الله، أقنعه أن يترك الشيء الصحيح وهو الصلاة ويستمر في الخطأ...   وبدأت ودون ترتيب أتلو عليه قول الله تعالى: ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُم بِالْفَحْشَاء وَاللّهُ يَعِدُكُم مَّغْفِرَةً مِّنْهُ وَفَضْلاً وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (268) يُؤتِي الْحِكْمَةَ مَن يَشَاء وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ الأَلْبَابِ (269)﴾ (البقرة).   حينئذٍ أدركت لأول مرة معاني في الآية لم أكن أدركها من قبل، مثل: أن الفقر الذي يعده الشيطان للإنسان ليس فقط فقر المال؛ وإنما أيضًا فقر الضيق واليأس من رحمة الله.   والأمر الثاني هو ذكره بعد ذلك مباشرة: ﴿يُؤتِي الْحِكْمَةَ مَن يَشَاء﴾، وهنا أدركت أن أعظم مظاهر الحكمة هي في التعامل مع النفوس البشرية بوعي وبصيرة تعينهم على أنفسهم وعلى شياطينهم..   6-4 الشورى: جاءت بعد ذلك كلمة ﴿وَشَاوِرْهُمْ﴾ في صيغة الأمر، وهي كل ما نتذكره في هذه الآية الكريمة، ودون ربطها بما قبلها ولا ما بعدها، وهذا فيه خلل تربوي كبير كما أوضحنا في هذه العجالة، وفي مقالة سابقة عن الرسول صلى الله عليه وسلم والنمط القيادي. (انظر المقالة على موقع الدكتور محمد المحمدي).   لكن ما أود الإشارة إليه هنا في هذه العجالة أن تكون مشاركة الشباب لنا ومشاركتنا لهم شورى حقيقية، تستوفي كل أركانها ومتطلباتها، وحينئذٍ نكون قد رسخنا لديهم بالفعل وليس بمجرد الكلام أعظم الصفات والأخلاق التي تؤهلهم لقيادة حياة زوجية وحياتية موفقة وسعيدة، ابتداءً من اختيار زوجة مناسبة، ومرورًا بإدارة حياة زوجية سعيدة، وانتهاء بتربية أبناء صالحين على نفس النهج التربوي الناضج والصحيح.   6- 5 العزيمة والتوكل: علينا كمربين أن نغرس في نفس من نربيه قوة الإرادة وشدة العزيمة، وخاصة بعد أن يستوفي الأسباب الصحيحة لاتخاذ قرار في أي شأن في شئون الحياة، وخاصة ركني الاستشارة والاستخارة.   والعزيمة هنا تعني شدة المضاء لتنفيذ الفعل المؤدي إلى تحويل القرار الذي تم اتخاذه على أساس الشورى إلى واقع، وقبل العزيمة الإرادة، والإرادة هي الأخذ بكل الأسباب التي تؤدي إلى تحقيق المراد لقوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَرَادُواْ الْخُرُوجَ لأَعَدُّواْ لَهُ عُدَّةً﴾ (التوبة: من الآية 46).   وهنا يكون للتوكل معنى ومكان وليس قبل ذلك؛ لأن الإنسان الذي استوفى كل الأركان السابقة لاتخاذ قرار ما، كالزواج مثلاً، فعليه بعد ذلك أن يتوكل على الله، ويسلم أمره لله، ويكون لديه يقين كامل وثقة في أنه معه ولن يخذله.   ولقد رأينا انحرافات كثيرة لدى الشباب نتيجة لعجز في حكمة المربين في انحراف الإرادة والعزيمة وغياب التوكل، ورأينا شبابًا لديهم عزيمة قوية ورأي صلب لا يتزعزع أبدًا عن موقفه، ولكن في الطريق الخطأ، والاختيار غير المستوفي الأسباب، وحينئذٍ نلقي باللوم والتهم على الشاب، ولا يكون أمامنا إلا أن نقهره أو يقهرنا، وفي كلتا الحالتين النتيجة مؤسفة.   لقد كان في إمكاننا تجنب كل ذلك بالمنهج الحكيم والأسلوب القويم الذي وجهنا إليه القرآن الكريم، ولكن في وقته وبالكيفية الحكيمة المناسبة.   7- الرجوع للأصول والمنابع: كثيرًا ما ننظر للشباب على أن ثقافتهم سطحية وتفكيرهم تافه ولا يمكنهم التعامل مع أشياء جادة وأصيلة، كالقرآن الكريم والسنة والسيرة النبوية المطهرة مثلاً..   لقد وجدت ذلك لدى طائفتين من الناس؛ واحدة تؤمن بالفكرة السابقة، ومن ثم تبتعد بالشباب عن ربطه بهذه الجذور وتجنيبه لها، والثانية تتطرف في دفع الشباب بأسلوب قد يكون منفرًا للأخذ بها، وكلا الأسلوبين يشوبهما الخلل والخطأ.   ولقد جربت بنفسي مع بعض الشباب الذين ذكرت حكايتهم سابقًا؛ فكنت في بدايات لقائي معهم في المسجد أتلو معهم فقط ربعًا من القرآن الكريم، ثم أطلب منهم أن نتفكر ونتدبر فيما قرأناه، وماذا يريد منا.. وكان مقدار ما نخرج به من دروس حية وتوجيهات مباشرة نتوصل إليها معًا مفاجأة كبيرة لي، إضافة إلى ما كنت أراه من مقدار التفاعل والسعادة والشعور بالإنجاز لديهم، من أنهم قد اكتشفوا معاني جديدة، وتوصلوا إلى دروس قد تكون مبتكرة، وكيف لا وهو كتاب الله عز وجل الذي قال عنه في أكثر من مرة: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ (17)﴾ (القمر)، ونفس الأمر كان مع أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم وسيرته العطرة.   لقد كان لذلك كله أثره الكبير في نفوس هؤلاء الشباب، ساعدهم على تغيير سلوكهم واتجاهاتهم بسهولة ودون عنت.   وكل ذلك في إطار يلفه روحانية ودرجة عالية من العاطفة والربانية، هي أقرب إلى نفوس وطبيعة الشباب، على عكس ما قد يعتقده البعض.   وبعد فهذه جولة سريعة ومبادرة مخلصة أرجو من ورائها أن تكون بداية لتضافر كل الجهود الجادة المخلصة من أجل استثمار جميع طاقات أبناء الوطن الاستثمار الأمثل.   ------------ * أستاذ إدارة الإستراتيجية- كلية التجارة جامعة القاهرة

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل