المحتوى الرئيسى

التقارب الإخواني القبطي ممكن.. وليس مستحيلاً

04/10 15:31

بقلم: عامر شماخ هل يتقارب الإخوان والأقباط بعد رحيل مبارك؟!.. هذا السؤال طُرح بإلحاحٍ، بعد إرسال فضيلة المرشد الدكتور محمد بديع، رسالةَ تهنئةٍ إلى البابا شنودة؛ بمناسبة عودته سالمًا إلى أرض الوطن، وقد رد البابا على الرسالة بمكالمة هاتفية، وصفها بأنها "كانت ممتلئة بالعواطف".وقبل الإجابة عن هذا السؤال نستعرض- سريعًا- تاريخ العلاقة بين الطرفين اللذين يمثلان رقمًا مهمًّا في الحالة المصرية.   لقد تعامل الإمام حسن البنا، منذ خرجت دعوته إلى الوجود (عام 1928م)، مع الأقباط، من منطلق ما أمر به الكتاب والسنة، فكانوا إخوةَ الوطن، والرحم، والنسب.. ولقد قطع الطريق على مَن يحاولون بث الفرقة بين عنصري الأمة، فكتب في أكثر من مناسبة عن فضل الإسلام في الانتصاف لأهل الذمة وحماية حقوقهم؛ معتبرًا جماعته هي التي يقع على عاتقها مسئولية توفير الأمن، وحرية العقيدة لمواطنيهم الأقباط.   وقد تواصل- رحمه الله- مع رؤساء الكنيسة، فكان يكاتبهم، ويتلقى ردود تلك المكاتبات.. وكان يستعين بالخبراء والمتخصصين من الإخوة الأقباط للدعم الفني في أقسام الجماعة المختلفة.. وفي عهده دافع الإخوان دفاعًا مستميتًا عن المسيحيين في بيت لحم التي كانت تسكنها أغلبية مسيحية، ولم يفرقوا بينهم وبين المسلمين، وقد سقط حول أسوار المدينة عددٌ هائلٌ من الإخوان.   ولأجل هذا احتفى الأقباط بالبنا، ووُجد من بينهم مَن يدافع عن الإخوان ويرد على خصومهم.. فقد رد توفيق غالي على مقالات سلامة موسى الذي اتهم الإخوان بإثارة الفتنة، وكان مكرم عبيد باشا، أشهر الزعماء المسيحيين في مصر في الربع الثاني من القرن العشرين، هو المصري الوحيد الذي شارك في جنازة حسن البنا، وذهب إلى منزل والده للعزاء، وألقى كلمةً ما زالت شاهدةً على وطنية الرجل وسعة أفقه.   علاقة ودودة رغم محاولات الوقيعة: ورغم محاولات الوقيعة بين الإخوان والأقباط في عهد البنا فإن الأقباط- على مستوى مصر كلها- كانوا يشعرون بروح الود والسماحة المتبادلة بينهم وبين الإخوان، خصوصًا في المناسبات الدينية، وقد حرص الإخوان على أن ينشروا في صحفهم أخبار هذه الزيارات.   ثم جاء المرشد الثاني حسن الهضيبي، فسار على درب صاحبه، في علاقته بالأقباط، يقيم العلاقات مع زعمائهم، ويشاطرهم المناسبات، ويتعامل معهم بما أمر به الدين، من لطفٍ وسماحة.. حتى حاول الإنجليز المحتلون الوقيعةَ بين الطرفين، غير أن محاولتهم باءت بالفشل.. وقد قام الهضيبي بزيارة بطريرك الأقباط بعد هذه الوقعة (19/1/1952)، وقد أكد الأخير أنه لم يتهم الإخوان ولم يفكر في ذلك؛ لأنه يعلم مبادئ الإخوان المسلمين ومحافظتهم على حرية الأديان.. وقد أهدى المرشد هديةً، وأوصله إلى الباب، وقد تعانقا على مشهدٍ من جمعٍ كبيرٍ من الأقباط والمسلمين.   وجاء من بعده المرشد الثالث عمر التلمساني، فكان مثالاً رائعًا لسماحة المسلم، ونموذجًا يُحتذى به في علاقة المسلم بغير المسلم.. لقد أطفأ نار الفتنة الطائفية في مصر، واستعانت به الحكومة لتهدئة شباب الطرفين في الزاوية الحمراء، وكان يرى أن هذه الفتنة من أعمال أعداء الأمة، ولو حكم الإسلام العلاقة بين الطرفين لعاشت الأمة في وئامٍ تام لا يُعكِّر صفوها شيء.   وقد صرَّح ذات يوم لإحدى المجلات قائلاً: "لقد كان معي في مستشفى قصر العيني الأب صموئيل، قسيس إحدى كنائس الإسكندرية، أخبرني أن الإذاعات التي كان يسمعها صورتني في صورة وحش تقطر أظافره دمًا، فلما رآني وعاش معي قال لي: "أنا الذي سيتولى الدفاع عنك في كل المواقف".   ولم يرضَ المتربصون بالإخوان والأقباط، عن العلاقة الطيبة بينهم، فأرادوا أن يشعلوا النار ويؤججوا الفتن، فحرفوا عام 1997م، كلامًا على لسان المرشد الخامس مصطفى مشهور بخصوص الجزية، وادَّعوا على الإخوان أمورًا غرضهم منها رمي الإخوان بالتعصب والعنف.. بل قام أحدهم برفع دعوى قضائية على المرشد.. لكن لم يكن الأمر يحتاج إلى دفاع، فقد ردت فتنة المغرضين إليهم، عندما لم يسمع لهم أحد، وعندما حصل مشهور على البراءة في القضية.   ولقد رشَّح الإخوان على قائمة التحالف الإسلامي (عام 1987م)، النائب القبطي جمال أسعد عبد الملاك؛ ليكون أول قبطي يدخل البرلمان بالانتخابات منذ عودة التعددية في مصر.   شركاء الوطن وإخوة الكفاح: أما المرشد السادس المستشار مأمون الهضيبي، فقد أكد- في أكثر من مناسبة- أن الإخوان برآء ممن يتهاون في أحكام الإسلام مع الأقباط.. "فهم شركاء الوطن، وإخوة الكفاح، لهم ما لنا وعليهم ما علينا.. والبر بهم والتعاون معهم على الخير فرائض إسلامية، لا يملك المسلم أن يستخف بها، أو يتهاون في أخذ نفسه بأحكامها، ومَن قال أو فعل غير ذلك فنحن برآء منه، ومما يقول ويفعل".   ولما تولى الأستاذ محمد مهدي عاكف موقعه في الجماعة كمرشدٍ سابع للإخوان، انفتحت الجماعة على الأقباط بصورةٍ غير مسبوقة، فقد اتخذ عاكف أحد الأقباط (د. رفيق حبيب) مستشارًا سياسيًًّا له، كما دأب على إرسال برقيات التهاني للأقباط ولكنيستهم في أعيادهم المختلفة.   وفي عهده طُرح برنامج مشروع حزب الإخوان (2007م)، وقد أكدوا فيه أنهم يدركون أهمية دور الكنيسة عبر مراحل الجهاد الوطني؛ ولذا فقد حددوا لها في برنامج الحزب مهام ومسئوليات من أجل الإصلاح والتغيير المنشودين.   وقال برنامج مشروع الحزب صراحة: إن الأقباط جزء من نسيج المجتمع المصري، لهم حرية الاعتقاد والعبادة، وهم شركاء الوطن والمصير، وأكد البرنامج الوحدة الوطنية وروح الأخوة المصرية التي أظلت أبناء الوطن على مر القرون.   كما كانت هناك تحركات من بعض قيادات ورموز الإخوان نحو الأقباط، تنوعت بين الزيارات، والتهاني، وبث التطمينات، وشجب ما جرى من أحداث عنف بينهم وبين المسلمين.   تطور مهم: إلا أن العلاقة بين الإخوان والأقباط قد أخذت منحًى آخر بعد انتخابات عام 2005م وحصول الإخوان على 88 مقعدًا بالبرلمان، وقد اعتبر كثير من الأقباط هذه النتيجة- وقتها- إيذانًا بوضعٍ جديدٍ تكون الكلمة فيه للإخوان على حساب ما جنته الكنيسة من مكاسب طوال مدة حكم مبارك.   ولقد ألقى نظام مبارك- على مدار ثلاثة عقود- الفزع في قلوب الأقباط، من الإخوان، فكان يخوفهم طول الوقت من وصول الإخوان للحكم، أو حتى مجرد ظهورهم على الساحة.. ومعلوم أن النظام كان يفعل ذلك كي ينفرد بالسلطة، بعد إبعاد أقوى تيار سياسي يمكن أن يحصد أصوات الناخبين في أية انتخاباتٍ نزيهة.   ولم يكن النظام وحده حريصًا على إفساد العلاقة بين الإخوان والأقباط، بل هناك بعض التيارات السياسية الأخرى، ممن يعارضون المشروع الإسلامي.. هذه التيارات تستخدم ورقة الأقباط في حصار التيار الإسلامي وتشويه صورته وتفزيع الأقباط من وجوده على الساحة.. وبهذه الصورة أصبحت المواجهة المصطنعة بين الإخوان والأقباط بابًا لجعل الأقباط سببًا في التصدي للإخوان ولمشروعهم، وإن كان هذا المشروع- وبداخله تطبيق الشريعة- مطلبًا شعبيًّا يوافق عليه أغلبية المسلمين.   لقد دفعت أبواق الإعلام الحكومي والعلماني قطاعًا كبيرًا من الأقباط إلى تصوير جماعة الإخوان على أنها جماعة متورطة في أحداث العنف التي طالت الأقباط في ربع القرن الأخير من القرن العشرين، رغم أن كل المتابعين والمحللين يعلمون أن جماعة الإخوان لم تتورط في أي عمل ضد الأقباط منذ قيامها عام 1928م وحتى اليوم، وأنها كانت- قولاً وفعلاً- ضد ممارسات الجماعة الإسلامية التي طالت عددًا من الأقباط.   هل يتقارب الفريقان: أما الإجابة عن السؤال فهي: نعم.. يمكن أن يتقارب الإخوان والأقباط.. فبعد 25 يناير ليست ثمة ما يمنع التقارب بين الطرفين، وقد تجاور شبابهما جنبًا إلى جنبٍ في ميدان التحرير، فما ظهر خلاف، وما علا صوت، وما قال أحدهم إني إخواني أو قال الآخر إني قبطي.. بل تلاحم الجميع في مشهدٍ وطني رائع، شعر الكل أمامه بالمعاني الحقيقية للأمن والحرية، والمواطنة الفعلية القائمة على المساواة والمشاركة، واحترام خصوصيات الآخرين.   وإذا كانت أيام الثورة وما تلاها قد أجرت اختبارًا جيدًا للعلاقة بين المسلمين والأقباط؛ نجح الطرفان فيه بامتياز، مؤكدين متانة العلاقة التاريخية بينهما.. فمن هذا المنطلق يرى العقلاء إمكانية التقارب والتعاون بين الطرفين، والانطلاق من أرضية واحدة؛ للانتقال بالبلد إلى وضع الاستقرار، ولصياغة مشاريع إصلاحية مشتركة، لحماية الأخلاق من تيارات الإباحية، والانحلال، ومحاربة اللا دينيين، والوقوف في وجه الصهيونية العالمية، والعمل لصالح الإنسانية.   وإذا كانت ثمة تخوفات من جانب الأقباط، بخصوص: تطبيق الشريعة، وشعار الإسلام هو الحل، وولاية القبطي وألفاظ الجزية والمواطنة والردة.. فقد ردَّ عليها الإخوان في أكثر من مناسبة، وهي متاحة لمن أراد الرجوع إليها.. ولا أعتقد أنها تمثل عائقًا آنيًّا أمام التقريب بين هذين الفصيلين الوطنيين اللذين سوف يصب اتفاقهما في مصلحة الوطن، أما اختلافهما- لا قدر الله- فسوف يصبُّ في صالح أعداء البلد والمتربصين بهما.

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل