المحتوى الرئيسى

القرضاوي الفقيه الثائر على ظلم الحكام والطغاة

04/10 13:54

بزغ فجر عام 2011 من ميلاد المسيح عيسى بن مريم عليه السلام وبزغت معه ثورات فاعلة في العديد من دول عالمنا العربي والإسلامي، وكان القرضاوي فيها ثائرا منتفضا، ومسلما غيورا، وإماما موجها.وظن البعض أن القرضاوي في هذا الثورات يمتطي موجها العالي ليتبوأ مكانة بين الشعوب، ورماه البعض بأنه طالما سكت عن ظلم الظالمين وبغي الباغين، وما درى هؤلاء أن القرضاوي عاش طيلة حياته ثائرا على الظلم والطغيان، حتى ناله من سياط البغي ما ترك آثارا في بدنه ما زالت تؤلمه حتى يومنا هذا.والحق أن القرضاوي في هذه الثورات كان إماما في جرأته كما كان إماما في كلمته، لم يكتف بتأصيل الفتاوى وتقريز البيانات، وإنما كان في ميدان المعركة من وراء الشاشات جاهرا بكلمة الحق، مدافعا عن المظلومين، راميا الظالم بما يراه من حكم الشرع، فكانت كلماته بردا وسلاما على الشباب في ميادين الثورة، وبلسما شافيا لمن أصابته حيرة أو تردد، بسبب فتوى جاءت من عالم آثر السلامة لنفسه، أو خاف على كرسي وهبه له سيده.ولئن كان من العلماء من آثر السلامة لنفسه فسكت عن الجهر بالحق، ومنهم من ساير الحكام رغبة أو رهبة، ومنهم من اعتزل الحياة السياسية متأثراً بالنزعات الصوفية, فإن نشأة القرضاوي الإخوانية جعلته لا يسكت عن قول الحق، ولا يفتأ أن يبصر الناس بما لهم من حقوق عند الحكام، وما على الحكام من واجبات للمحكومين.وكان وجود القرضاوي وإخوانه، والغيورين على الوطن نسمة عليلة من نسمات الرجاء التي هبت على قلوب اليائسين، وومضة من ومضات النور التي أضاءت دياجير الظلام، وسوطاً من سياط الحق سلطه الله على ظهور الطغاة الظالمين.وقد كلف الصدع بالحق القرضاوي وإخوانه البلاء الكثير، والحق أن هذا البلاء كان ولا بد؛ فإن طريق الدعوات ليس مفروشاً بالورود؛ ولكنه محفوف بالمخاطر والمخاوف، وقد سجل الشيخ شعراً يناطح فيه الطغاة من الحكام؛ فيقول في قصيدة تحت عنوان " هجمة الجند ":قل للطغاة الحاكمين بأمـــرهم                      إمهال ربي ليس بالإهمــالإن كان يومكمو صحت أجـواؤه                       فمآلكم والله شر مـــــآلسترون من غضب السموات العلا                       حتمـاً، ويؤذن ظلمكم بزوال وتزلزل الأرض التي دانت لكــم                               يوماً، وما أعتاه من زلـزال !البغي في الدنيا قصير عمـــره                       وإن احتمى بالجند والأمـواليا جند فرعون الذين تميـــزوا                      ببذيء أقوال، وسوء فعــاللا تحسبوا التعذيب يخمد جذوتي                         ما ازددت غير تمسك بحبالي [1]          وفي هذه الكلمات سأبين موقف القرضاوي من الحكام ليس في أيام الثورات، وإنما من قبل الثورات، حتى يتضح للجميع موقف القرضاوي الثابت، الذي جعلني أصفه بأنه الشيخ الثائر.من هو الحاكم في نظر القرضاوي؟يرى القرضاوي بأن الحاكم هو الخليفة الذي يحكم الأمة نيابة عن رسول الله e في إقامته الدين وسياسة الدنيا، فهو الرئيس الأعلى للدولة الإسلامية الواحدة. [2]كما أن الشيخ يعتبر كل رئيس دولة إسلامية إقليمية في عصرنا بمثابة الإمام فيما يخصه من أحكام بالنسبة للبلد الذي يسوسه ويحكمه. [3] صفات الحاكم في نظر القرضاوي:  يرى القرضاوي أن الحاكم بصفته ولياً للأمر ينبغي أن تكون له صفات تصل به إلى ما يصبو إليه الشعب وما تبغيه الأمة، ومن ثم فإن الحاكم في نظره هو: الذي يجعل أكبر همه، وشغل فكره وقلبه؛ هو نصرة الإسلام، وتحرير أرضه واسترداد كرامته، ورفع رايته في الآفاق، إنه القائد الذي يجند طاقات الأمة كلها للجهاد: المادية والبشرية، ويكون هو بخلقه وسلوكه قدوة لأمته في الزهد والتواضع، والتقوى والإخلاص لله، وإيثار الآخرة والإعراض عن زخارف الدنيا.إنه الحاكم الذي لا يضيع درهماً من مال، ولا ساعة من زمن، ولا قليلاً من طاقة في غير خدمة المعركة المقدسة، وما تتطلبه من تعبئة وإعداد، إنه لا ينفق الجهود والأموال في الدعاية لشخصه، ولا في التجسس على شعبه، ولا في تصفية معارضيه، والغدر بكل من يراه خطراً عليه، ولو كان أقرب الناس إليه.إنه الحاكم الذي يوالي من والى المسلمين، ويعادي من عادى المسلمين، ولا يواد من حاد الله ورسوله. ولو كان أباه أو ابنه أو أخاه.إنه ليس بطلاً وطنياً ولا قومياً؛ ولكنه بطل إسلامي، لا ينتمي إلا إلى الإسلام وأمة الإسلام.[4] ويؤكد القرضاوي بأن الحاكم في الإسلام ليس متسلطاً ولكنه أجير فيقول: إن الحاكم في نظر الإسلام وكيل عن الأمة أو أجير عندها، ومن حق الأصيل  أن يحاسب الوكيل، أو يسحب منه الوكالة إن شاء، وخصوصاً إذا أخل بموجباتها. [5]كما أن الحاكم بشر ولذا فهو يصيب ويخطأ ومن حق الأمة أن تصوب له خطأه، يقول الشيخ: فليس الحاكم في الإسلام سلطة معصومة، بل هو بشر يصيب ويخطأ، ويعدل ويجور، ومن حق عامة المسلمين أن يسددوه إذا أخطأ، ويقوموه إذا اعوج. [6]الحكام المعاصرون في نظر القرضاوي:ويرى الشيخ القرضاوي أن الحكام الذين تسلطوا على رقاب الأمة اليوم فاقوا كل الطغاة على مر التاريخ؛ ولئن كان الحجاج بن يوسف الثقفي قد ضرب المثل الأعلى في طغيان الحكام؛ فإن حكام العصر فاقوا الحجاج بل الحجاج كما يقول الشيخ: أشرف من هؤلاء خصومة، وأنبل سيرة بيقين.  [7]ولهذا فإن هؤلاء الحكام في نظر الشيخ  ليسوا على وتيرة واحدة بل على أنواع:النوع الأول: الحكام المرتدون: ويصف الشيخ حكمهم بأنه الحكم العلماني المتطرف الذي يجاهر بالعداوة لشريعة الإسلام ويسخر منها، ويعتبرها مناقضة للحضارة والتقدم، فهو يرفض الشريعة رفضاً، فهو أشبه بإبليس الذي رفض أمر الله بالسجود لآدم. [8]كما يصف الشيخ هؤلاء الحكام بأنهم انسلخوا من أمتهم كما تنسلخ الشاة من جلدها, ومرقوا من الدين كما يمرق السهم من الرمية. [9]النوع الثاني: الحكام المنافقون: وهؤلاء في نظر الشيخ: الذين يظهرون بوجهين، ويتكلمون بلسانين، ويرقصون على الحبلين، ويؤيدون الفريقين المتنازعين، فهم كما قال الشاعر:يوماً يمان إذا ما كنت ذا يمن                   وإن لقيت معدياً فعدناني ‍هؤلاء يدعون الإسلام، ويعلنون أنهم مسلمون، وقد تراهم في المسجد مصلين، أو في رمضان صائمين، أو في مكة حجاجاً أو معتمرين. ولكن مشكلتهم الجوهرية مع الشريعة وأحكامها، أنهم يقبلون الإسلام عقيدة؛ ولا يرضونه شريعة، يؤمنون به دعوة؛ ولا يؤمنون به دولة، يريدونه علاقة بين المرء وربه؛ لا علاقة بين الإنسان والإنسان، فرداً أو جماعة. أعني: أنهم يريدون حبسه في ضمير صاحبه، فإن كان لا بد من أن يخرج من حنايا صدره؛ فإلى المسجد لا إلى الحياة. فلا علاقة للدين عندهم بالسياسة ولا بالاقتصاد ولا بالثقافة ولا بالاجتماع؛ فماذا بقى للدين إذن؟[10]ويتحدث الشيخ عن بغي هؤلاء الحكام السافر؛ فاضحاً أفعالهم، ساخراً من طغيانهم وجبروتهم فيقول: ولقد بلغ تحدي الحكام في أكثر البلاد الإسلامية لضمائر المسلمين حداً لا يحتمل.فمنهم من يرفض الإسلام جهرة منادياً بالتبعية للشرق أو الغرب، ولا يقبل أن يبقى للإسلام مجرد زاوية يعبر فيها عن نفسه، حتى المسجد أصبح الدين فيه موجهاً لتأييد النظام الحاكم، ومن اجترأ على المخالفة فيا ويله ثم يا ويله !!ومنهم من يدعي الإسلام، ولكن إسلامه من صنع عقله هو، ومن إيحاء هواه، ومن تزيين شيطانه، يأخذ من الإسلام ما يروقه، ويدع منه ما لا يعجبه، فما قاله عن الإسلام فهو الحق، وما أنكره فهو الضلال، لا يعترف بالسابقين ولا اللاحقين ولا المعاصرين، ولا يبالي أن يخالف الأمة كلها سلفاً وخلفاً، من الصحابة ومن بعدهم، ولا حاجة به لأن يرجع لأئمة الفقه وعلماء الأصول، ومفسري القرآن وشراح الحديث؛ فهو الفقيه والأصولي والمفسر والمحدث والمتكلم والفيلسوف، كما قال الشاعر قديماً:ليس على الله بمستنكر                 أن يجمع العالم في واحدوهو هذا الواحد ولا ثاني له !! حتى رسول الله e، ليس في حاجة إلى أن يأخذ عنه، ويتتلمذ عليه، لأنه استغنى ـ في زعمه ـ بالقرآن عنه ! ونسي أنه هو المبين للقرآن، وأن القرآن نفسه يقول: ] مَّنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللّهَ [ النساء:80.ومنهم من استورد الأفكار والقوانين، ولكنه ترك للإسلام ركناً صغيراً على الرغم منه، مثل الأحوال الشخصية في القوانين، والحديث الديني في الإذاعة والتلفاز, والصفحة الدينية يوم الجمعة في الجريدة.. ونحوها.[11]النوع الثالث: الحكام الذين يعترفون بالإسلام ديناً للدولة وبالشريعة مصدراً للقوانين, ولكنه مفرط في تطبيق الشريعة في بعض الجوانب[12]. ويرى الشيخ أن مما يندى له الجبين وتذهب عليه النفس حسرات وتتقطع له القلوب زفرات: أن نرى هؤلاء الحكام الذين يلبسون لبوس الوطنية، أو يزهون برداء القومية؛ ينفذون حرفياً ما أوصى به أعداء الأمة. [13]وأن كثيراً من الحكام اليوم كان ينبغي أن يكونوا في قفص الاتهام؛ لأنهم أحلوا ما حرم الله، وحرموا ما أحل الله، وأسقطوا ما فرض الله، وشرعوا للناس ما لم يأذن به الله. [14]وأنه لو كان هناك قضاء عادل يمثل أمامه هؤلاء الحكام، لتحاكمهم شعوبهم، لكان أول تهمة توجه إليهم: أنهم خانوا شريعة الأمة وعطلوها عمداً، ومشوا في ركاب المستعمر. [15]وأعجب ما في هؤلاء الذين ابتليت بهم الأمة أنهم قد حولوا هذه الجمهوريات إلى ملكية وراثية بالفعل، وعلى مرأى ومسمع فكل رئيس يعد ابنه ليكون ولي عهده، ووارث ملكه من بعده، " فابن الوز عوام "، " ومن شابه أباه فما ظلم "، وهكذا عادت كسروية أو قيصرية، لها من القيصر جبروته وسرفه، وليس لها منه جلاله وشرفه. [16]ما المطلوب  من هؤلاء الحكام؟ إن أعظم ما ابتليت به الأمة هو هؤلاء الحكام الذين انشغلوا بكراسيهم عن شريعة الله؛ فنتج عن ذلك كما يقول الشيخ: انفصال الحكام عن الشعوب  في البلاد العربية. فقد أصبح الحكام في واد والشعوب العربية المسلمة في واد، فالحكام يؤمنون بمذاهب وضعية, وفلسفات علمانية، ويحكمون بقوانين أجنبية عن شريعة الله وهي شريعة الأمة، أما جماهير الشعوب فلا زالت مؤمنة بربها ودينها وقرآنها ومحمدها. وترى أن كل خير في إتباع هدى الله والعمل بشريعة الله، وأن كل شر وخسران في الانجراف عن صراط الله، وعن هدي رسول الله. والحكام مشغولون بتوطيد سلطانهم، وتثبيت كراسي حكمهم، باضطهاد كل فرد أو جماعة أو حركة تعارضهم، أو تحاسبهم، أو تقول لهم: لم وكيف ؟ فضلاً عن أن تقول: لا، ومن تجرأ وقال:"لا" فمآله السجن أو النفي أو حبل المشنقة. والشعوب مشغولة بهم لقمة العيش، وطلب الحرية والأمن، فإن الأنظمة التي تحكمهم لم تطعمهم من جوع، ولم تؤمنهم من خوف.[17]وهؤلاء الحكام مطالبون فيما يطالبون به؛ بل أول ما يطالبون به هو إقامة شرع الله؛ يقول الشيخ: إن تطبيق الشريعة ليس عمل الحكام وحدهم؛ وإن كانوا هم أول من يطالب بها؛ باعتبار ما في أيديهم من سلطات تمكنهم من عمل الكثير من الأشياء التي لا يقدر عليها غيرهم. [18]والشيخ لا يحمل الحكام وحدهم عبء تطبيق الشريعة، بل يشرك الشعوب معهم وكل حسب ما يملك يقول الشيخ: ولا ريب أن الحكام يحملون قسطاً كبيراً، وربما القسط الأكبر مما نحن فيه، ولكن من المؤكد أيضاً أن الحكام في الغالب أشبه بشعوبهم، وهم إفراز مجتمعاتهم، حتى الحكام الذين يفرضون على شعوبهم، إنما يستمر حكمهم بممالاتهم لهم، أو على الأقل سكوتهم عنهم وقد ورد "كما تكونوا يول عليكم[19]" [20].القرضاوي وتكفير الحكاملا يستطيع غيور أن ينكر الأوضاع التي مني بها العالم الإسلامي سواء في الناحية السياسية، أو الاقتصادية، أو الاجتماعية، إن المسلم كما يقول الشيخ القرضاوي يرى:المنكر يستعلن، والفساد يستشري، والباطل يتبجح، والعلمانية تتحدث بملء فيها، والماركسية تدعو إلى نفسها بلا خجل, والصليبية تخطط وتعمل بلا وجل، وأجهزة الإعلام تشيع بالفاحشة، وتنشر السوء. يرى النساء كاسيات عاريات، مائلات مميلات، ويرى الخمر تشرب جهاراً، وأندية الفساد تجعل الليل نهاراً. يرى المتاجرة بالغرائز على أشدها، من أدب مكشوف، وأغان خليعة، وصور فاجرة، وأفلام داعرة، وتمثيليات ومسرحيات ووو... كلها تصب في نهر الإغراء بالفسوق والعصيان، والتعويق عن الإسلام والإيمان. يرى المسلم هذا في ديار الإسلام، ويرى معها التشريع الذي يجب أن يعبر عن عقائد الأمة وقيمها في صورة قوانين تحرس معنويات الأمة، وتعاقب من يجترئ على حماها.. هذا التشريع للأسف يبارك المنكر، ويؤيد الفساد، لأنه لم ينبع مما أنزل الله، بل مما وضع الناس، فلا عجب أن يحل ما حرم الله، ويحرم ما أحل الله، ويسقط فرائض الله، ويعطل حدود الله.ثم يرى الحكام الذين حملهم الله المسؤولية عن شعوبهم المسلمة يسيرون في واد غير واد الإسلام، يوالون من عادى الله، ويعادون من والى الله، ويقربون إليهم من بعد  الله، ويبعدون من قرب الله، ويقدمون من أخر الإسلام، ويؤخرون من قدمه، ولا يذكرون الإسلام إلا في الأعياد والمناسبات، تمويهاً على شعوبهم، وضحكاً على حالهم!ومن ناحية أخرى، يرى الظلم الاجتماعي البين، والتفاوت الطبقي الفاحش، أفراد يلعبون بالملايين وجماهير لا يجدون الملاليم، قصور تشاد، وتنفق عليها عشرات الملايين، وربما لا تسكن في السنة إلا أياماً معدودات، على حين يموت ملايين في العراء، لا يجدون ما يحميهم من حر الصيف ولا برد الشتاء؛ أناس تموج خزائنهم بالذهب كما يموج التنور باللهب، وأرصدتهم في البنوك الأجنبية بأرقامها السرية، لا يعلم مقدارها إلا الله والكرام الكاتبون، والخواجات الحاسبون؛ وسواد الناس ليس لهم خزائن إلا الجيوب التي كثيراً ما تشكو الإفلاس والخواء.. فهي قانعة بالقليل ولكنها لا تجده، منشده قول أبي العتاهية:حسبك مما تبتغيه القوت    ما أكثر القوت لمن يموت‍ومع هذا لا تجد ما تشتري به القوت ليسد جوعة الأطفال يصرخون، أو الكبار يتألمون، ولو تبرع وجيه أو ثري من أثرياء النفط، أو أثرياء الانفتاح، أو وسطاء الشركات العالمية ‍بما كسبه في صفقة، أو يخسره في ليلة على المائدة الخضراء، أو ينفقه تحت أقدام شقراء، لأغنى الكثير من الفقراء، وأشبع الكثير من الجياع، وكسا الكثير من العراة.[21] كل هذا وغيره جعل كثيراً من الشباب المسلم الغيور يرمي الحكام بالفسق فضلاً عن رميهم بالكفر والإلحاد، ولكن الشيخ يرى أن قضية التكفير ينبغي التريث فيها، وعدم الإسراع خصوصاً وأن الحكم في هذه القضية إنما هو حكم على فرد أو مجموعة بالخروج من الدين، وخطورة التكفير إنما تكون فيما يترتب عليه من أثار، وفي الرسالة التي أعدها الشيخ بعنوان " ظاهرة الغلو في التكفير" يعدد الشيخ هذه الآثار فيقول: أنه لا يحل لزوجته البقاء معه، ويجب أن يفرق بينهما. أن أولاده لا يجوز أن يبقوا تحت سلطانه. أنه فقد حق الولاية والنصرة على المجتمع الإسلامي. أنه يجب أن ينفذ فيه حكم المرتد. أنه إذا مات لا تجري عليه أحكام الإسلام. أنه إذا مات على حاله يستوجب اللعنة من الله والطرد من رحمته. [22]ويرجع الشيخ أن ظاهرة التكفير إنما ترجع إلى أسباب أهمها: انتشار الكفر والردة الحقيقية جهرة في مجتمعاتنا واستطالة أصحابها. تساهل بعض العلماء في شأن الكفرة الحقيقيين. اضطهاد حملة الفكر الإسلامي والتضييق عليهم. قلة بضاعة هؤلاء الشباب الغيورين من فقه الإسلام وأصوله. [23] ويرى الشيخ القرضاوي أن حكام العالم الإسلامي من التكفير على نوعين:النوع الأول: هو الذي يعترف بالإسلام ديناً للدولة وبالشريعة الإسلامية مصدراً للقوانين ولكنه مفرط في تطبيق الشريعة في بعض الجوانب، فهذا أشبه بالمسلم الذي يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، ويلتزم بأحكام الإسلام عامة ولكنه يرتكب بعض الكبائر. [24] وهذا في نظر الشيخ القرضاوي ليس كافراً لكنه مسلم عاص غير خارج من الملة ما لم يستحل ذلك، أو ينكر معلوماً من الدين بالضرورة. [25]النوع الثاني: هو العلماني المتطرف الذي يجاهر بالعداوة لشريعة الإسلام ويسخر منها ويعتبرها مناقضة للحضارة والتقدم. [26]ويرى الشيخ بأن هذا النوع من الحكام العلمانيين، ورجال أحزابهم الذين يرفضون جهرة شرع الله، وينادون بأن الدولة يجب أن تنفصل من الدين وإذا دعوا إلى حكم الله، أبوا وامتنعوا، هؤلاء يعدهم الشيخ في الكفرة الذين يجب أن يدمغوا في الكفر دون مواربة ولا استخفاء. [27]والسبب في ذلك في نظر الشيخ: أنهم أصبحوا في واد وأمتهم في واد، فهزأوا بالعقيدة، وسخروا من الشريعة، واستخفوا بالقيم، ولم يرضوا بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد صلى الله عليه وسلم رسولاً، وبالقرآن منهجاً، فكفروا كفراً بواحاً، وارتدوا ردة صراحاً. [28]فضلاً عن أن كل واحد من هؤلاء كما يقول الشيخ: أصم أذنيه عن الآيات القرآنية, وتلقى شرائعه وقوانينه، ونظمه وتقاليده، وقيمه وموازينه، ومفاهيمه وتصوراته عن غير طريق رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورضي بأن يحكم في هذه الأمور الخطيرة فلاسفة من الشرق أو الغرب، أو علماء، أو حكماء، أو مشرعين ـ سمهم كما تشاء ـ فقد ضاد الله فيما شرع، وناصب الله ورسوله العداء، ومرق من الدين كما يمرق السهم من الرمية. [29]وكعادة الشيخ لم يترك المسألة عامة دون أن يخصصها، أو مطلقة دون أن يقيدها, فيستغلها من شاء وقتما شاء، ومن هنا فإن الشيخ أكد ما قرره المحققون من العلماء؛ من وجوب التفريق بين الشخص والنوع في مثل قضية التكفير.يقول الشيخ: ومعنى هذا أن نقول مثلاً الحكام العلمانيون الرافضون لحكم الشرع كفار، أو من قال: كذا، أو دعا إلى كذا فهو كافر، فهذا حكم على النوع، فإذا تعلق الأمر بشخص معين، ينتسب إلى هؤلاء وأولئك، وجب التوقف للتحقق والتثبت من حقيقة موقفه، بسؤاله ومناقشته. [30]ويقصد الشيخ من وراء هذا التحقق والتثبت أن: تقوم عليه الحجة. تنتفي عنه الشبهة. تنقطع لديه المعاذير. [31] والشيخ في هذا إنما يؤكد ما قاله شيخ الإسلام ابن تيميه من قبل يوم أن قال: إن القول قد يكون كفراً، فيطلق القول بتكفير صاحبه، ويقال: من قال هذا فهو كافر؛ لكن الشخص المعين الذي قاله لا يحكم بكفره، حتى تقوم عليه الحجة التي يكفر تاركها. [32] ويجعل الشيخ كفر الحكام على نوعين: (1) كفر أصغر: لا يخرج من الملة؛ يقول الشيخ عن هذا النوع: " فمن حكم بغير ما أنزل الله، وهو يعتقد أنه عاص لله، مخالف لأمره، دفعه إلى ذلك الضعف، واتباع الهوى، وهو يرجو التوبة والمغفرة، فكفره كفر أصغر. [33] (2) كفر أكبر: يخرج من الملة؛ يقول الشيخ عن هذا النوع: " ومن حكم بغير ما أنزل الله مستحلاً لذلك، أو مستخفاً بحكم الله، فقد دخل في الكفر الأكبر والعياذ بالله، وخصوصاً إذا اعتقد أن ما أنزل الله، يمثل الجمود والتخلف والرجعية ! وما شرع الناس هو التطور والتقدم الذي يصلح به المجتمع وترتقي به الحياة ! [34]الشيخ والخروج على الحكاموإذا كان الشيخ من الذين يطالبون حكام المسلمين بأن يطبقوا شرع الله في خلق الله  دون نقصان؛ وهو في مطالبته هذه يؤكد بأن وضع الحكم في معظم الأقطار الإسلامية وضع لا يرضى عنه الله ورسوله والمؤمنون، إلا أن الشيخ مع هذا كله يرفض رفضاً تاماً فكرة الخروج على الحاكم بالقوة، كما أنه يعارض من يسميهم بجماعات العنف. [35] أسباب رفض الشيخ للخروج على الحاكم بالقوة: ناقش الشيخ أصحاب هذا الرأي القائلين باستخدام القوة وكان رفضه للأسباب الآتية: 1 ـ أن النجاح في الاستيلاء على السلطة بالقوة لا يعني النجاح في تطبيق المبادئ التي قام الانقلاب من أجلها. 2 ـ أن تغيير المنكر باليد هو في الأصل واجب كل ذي سلطان، ولا يشرع لكل أحد دون قيد. 3 ـ أن إعداد أي قوة شعبية عسكرية له أضرار منها: الخروج على القانون الذي يحرم وضع السلاح؛ وهذا يؤدي عاجلاً أو آجلاً إلى الاصطدام بالسلطة، وتعريض الحركة لأخطار غير مأمونة العواقب. اللجوء إلى السرية وهذه السرية تؤدي إلى جماعة داخل الجماعة مما يؤدي إلى الثنائية والازدواج والتناقض. الاستعجال قبل النضوج وهذه آفة التفكير العسكري غالباً. أن أية قوة عسكرية شعبية، لم تعد تكفي في عصرنا لمواجهة قوات الدولة المسلحة، لبعد المسافة بين قدرة كل من الطرفين ومدى إمكاناته.[36]متى يجيز الشيخ الخروج على الحاكم ؟وإن كان الشيخ يشدد النكير على الخروج بهذه الصورة؛ فإنه يرى الخروج جائز ولكن بشروط: أن يظهر من الحاكم الكفر البواح؛ لا لمجرد انحرافات جزئية، أو منكرات عادية. أن تسد كل الطرق الأخرى غير الخروج؛ ويكون هذا من باب الضرورة التي تقدر بقدرها. أن يهيأ الرأي العام لتقبل هذه الخطوة ومناصرتها. استكمال كل عناصر القوة الأخرى من روحية، وأخلاقية، وتنظيمية، وشعبية. [37] ألا يكون الخروج سبباً لفتنة تسفك فيها دماء الأبرياء، وتنتهك الحرمات، وتنتهب الأموال؛ وتكون العاقبة أن يزداد المنكر تمكناً، ويزداد المتجبرون تجبراً. [38]الحوار مع الحكام كما أن الشيخ لا يرى غضاضة من الحوار مع الحكام، ولكن مع العقلاء منهم، الذين لا يقفون من الإسلام موقفاً عقائدياً، فإن هذا النوع لا خير فيهم، فهم لا يرضون إلا بزوال الإسلام. أما النوع الآخر فيقول عنه الشيخ: ولكن هناك نوع من الحكام لا يكره الإسلام، بل يخافه، وكثيراً ما يكون هذا الخوف ناشئاً من الجهل بحقائق الإسلام، وأحكام شريعته, وخصائص دعوته، وكثير منهم معذورون إلى حد ما في هذا الجهل، فلم يتح له أن يعرف الإسلام من مصادره النقية، ولا أن يأخذه من علمائه الثقات. ككثير من المثقفين الذين تحدثنا عنهم، فاضطربت في ذهنه المفاهيم، واختلت الحقائق بالأباطيل، والأصيل بالدخيل.[39] وإذا كان الشيخ يرجع تخوف الحكام من الإسلام إلى جهلهم له، فإنه يتمنى أن يشرح الإسلام لهؤلاء الحكام من خلال الحوار فيقول: ولو هيأ الله لهؤلاء من يشرح لهم الإسلام الحق متكاملاً بلا تجزئة، مصفى بلا ابتداع، ميسراً بلا تعسير، وبين لهم ما وراء الإسلام من خير وصلاح للفرد، وللأسرة, وللمجتمع، ومن حمايته من الشرور والرذائل والمفاسد المدمرة لمعنويات الأمة ومادياتها. لو هيأ الله لهم ذلك، وانشرحت له صدورهم، لتغيروا، وتغيرت مواقفهم ـ كلياً أو جزئياً ـ من الإسلام ودعوته، فما الحكام إلا بشر مثلنا، يمكن أن يتغيروا وأن يتأثروا ويقتنعوا، ويعدلوا من أفكارهم. وفي التاريخ أمثلة لحكام تغيروا بتأثير بعض العلماء والدعاة المصلحين. وكثير من الحكام يكون خوفه من الإسلام ودعوته من وساوس بطانة السوء في الداخل، أو من كيد الأبالسة في الخارج. وهؤلاء يمكن التسلل إليهم عن طريق ما بقي من خير في أعماقهم، ومخاطبة الدم الإسلامي في عروقهم، من ناحية، وطمأنتهم على كراسيهم وسلطانهم في المرحلة الراهنة على الأقل، في مقابل ترك الحرية لدعم الإسلام، حتى تقوم بمهمتها في تربية الشباب على معاني الحق والخير والطهر، وتحميهم من سموم المسكرات والمخدرات وتجار الرقيق، وتقاوم المبادئ الهدامة التي ستكون وبالاً على الحاكمين والمحكومين على السواء.[40] كما أن الشيخ لا يرى مانعاً من إنشاء هدنة أو اتفاقية مع الحكام؛ شريطة عدم الرضا منه بما يخالف الشرع. لا مانع من عقد مثل هذه الهدنة أو هذه الاتفاقية مع الحكام، وإن كانت الحركة لا ترضى عن وجهتهم ولا سلوكهم، ولكن في ضوء فقه الموازنات، رأت أن هذا الموقف أولى من المقاطعة الصارمة أو المعاداة الدائمة.[41] لكن الشيخ يحذر الحركة الإسلامية في حوارها مع الحكام من الممالاة للحكام، أو مدحهم بما لا يستحقونه، موضحاً لهم أن فرقاً كبيراً بين المهادنة والمداهنة، يقول الشيخ:على أن ما يجب التحذير منه هو أن يؤدي ذلك إلى الممالأة لهؤلاء الحكام، وكيل المدائح لهم، ففرق كبير بين أن تهادنهم وأن تداهنهم.[42]محاكمة الحكاموالشيخ إذا كان يحذر من الخروج المسلح على الحكام – لأضراره – ويرى كذلك ضرورة الحوار- وخصوصا – مع العقلاء المعتدلين منهم؛ فهو كذلك يرى أن كثيرا من الحكام - إن لم يكن كلهم في حاجة إلى محاكمة - ولكن هذه المحاكمة ينبغي أن تكون من الشعوب التي ذاقت المُرّ، وتجرعت الحنظل من حكامها. ولهذا لما اعترض الشيخ على محاكمة صدام؛ إنما كان اعتراضه لأن المحكمة لم تكن محكمة وطنية، وإنما كانت أداة في يد الأمريكان، نعم. لأن الأمريكان كانوا يحضرونها ويخططون لها، وقد قال الشيخ في خطبة الجمعة التالية إعدام صدام: أنا لست من الذين يقولون بعصمة الحكام، الحكام ليسوا معصومين، وخصوصا الحكام الذين اتهموا بمظالم، هؤلاء يجب أن يحاكموا، أنا لا أمانع أن يحاكم صدام، ولا أمانع من محاكمة الحكام؛ بل أطالب بمحاكمة حكامنا جميعا، ولكن الذين يحاكمونهم شعوبهم، يجب أن تحاكمهم شعوبهم[43]. من كلمات الشيخ إلى الحكاموللشيخ كلمات قوية وجهها إلى الحكام ترى متناثرة في كتاباته وخطبه، في شعره ونثره، من هذه الكلمات: 1 ـ يجب أن يؤمن حكامنا بأنهم يعيشون في أوطان الإسلام، ويحكمون أناساً مسلمين، ومن حق كل قوم أن يحكموا وفقاً لعقيدتهم، وأن تأتي دساتيرهم وقوانينهم معبرة عن معتقداتهم وقيمهم وتقاليدهم، وأن تصاغ مناهج التربية والتعليم وفقاً لها، وأن تسير أجهزة الإعلام والثقافة في اتجاه حمايتها وتثبيتها ونشرها، وأن توضع السياسات الاقتصادية والاجتماعية والداخلية والخارجية في إطارها، وفي خدمة أهدافها.أما أن يَدَعوا الإسلام ويرفضوا حكمه، ويعرضوا عن قرآنه وسنة نبيه، ويتنكروا لشعائره وشرائعه، فهذا ما لا يقبله عقل، ولا يرضاه دين.[44] 2 ـ ويقول واصفاً العسكريين منهم: إن الانقلابات كثيراً ما تقذف إلى سدة الحكم بأناس ليس لهم " هوية " تعرف، ولا سوابق تذكر، ولا تاريخ يعلم. يقفزون فجأة من الظلام إلى الأضواء، وعلى الشعوب أن تسلم لهؤلاء " المجهولين " قياد حياتها، والتصرف في أخطر شئونها، والبت في قضايا مصيرها.[45] 3 ـ في مقابلة صحفية أجرتها جريدة الوطن السعودية مع الشيخ وجهت إليه سؤالاً: لديكم (4) رسائل هامة فلمن تريد توجيهها ؟ فذكر الشيخ رسالة إلى الحكام: إلى حكام المسلمين الذين ولاهم الله المسؤولية ينبغي عليهم أن يشعروا بمسؤوليتهم تجاه رعيتهم، وأن يتقوا الله فيهم، وأن يتخذوا شريعته مصدر تشريعهم. [46] 4ـ وفي أحداث الانتفاضة وجه الشيخ أيضاً إلى حكام العرب كلمات قوية في خطبة الجمعة جاء فيها: هؤلاء الحكام هل لهم أذان تسمع ؟ وإذا كانت لهم آذان فهل لهم قلوب تتوجع ؟ وإذا كانت لهم قلوب فهل عندهم عزائم تتشجع ؟ وإذا كانت لهم عزائم فهل  عندهم سيوف سوف تشهر.[47] 5ـ وفي إحدى اجتماعات القمة العربية وجه الشيخ رسالة إلى القادة المجتمعين قال فيها: لماذا لا تستردون ثقتكم بأنفسكم، ألا تعيدون إلى الجامعة حيويتها، لماذا لا يقف حكام العرب وقفة الرجال الأبطال كما تنتظر منهم شعوبهم وكما نحسه من نبض الشارع العربي. [48] 6ـ وفي خطبة نارية ألقاها الشيخ بتاريخ 7 / 3 / 2003 م خاطب الشيخ قادة العرب بعد اجتماع طارئ للجامعة العربية، وآخر لمنظمة المؤتمر الإسلامي جاء فيها:كنا نريد من القادة العرب أن يقولوا لأمريكا: لا، لا نستطيع أن نقدم لكم أي تسهيلات ولا أن نفتح لكم بحرنا ولا برنا ولا جونا، لأن ديننا يحرم علينا تحريماً قاطعاً أن نعينكم على إخواننا، ديننا يوجب علينا أن نكون معهم لنحاربكم، فإذا عجزنا عن ذلك فأقل ما يجب علينا ألا نقدم تسهيلات لغزوهم، كان عليهم أن يقولوا هذا، أن يقولوا: لا، حيا الله البرلمان التركي الذي خالف حكومته وعارض أن تكون أرض تركيا مجالاً لانطلاق الجيوش والطائرات، ودل هذا على جذورهم الإسلامية حقاً وإن كنت الآن أخشى عليهم أن هناك من يقول لهم: أتريدون أن تكونوا عرباً أكثر من العرب؟ ملكيين أكثر من الملك؟ إذا كان العرب فتحوا أرضهم وأجواءهم وبرهم وبحرهم فلماذا تقفون؟ لماذا تخسرون هذه المليارات؟ الأتراك كانوا سيكسبون من هذه الحرب مليارات، والعرب يقدمون هذه الأشياء مجاناً لوجه الله ولسواد عين أمريكا؛ بل ربما أخشى أن يساهم بعضهم في دفع فاتورة الحساب، حيا الله الأتراك وأرجو أن يثبت الله أقدامهم ولا يقلدوا العرب فتقليد العرب حرام في هذه الحالة، كنت أريد من قادة العرب أن يقولوا لأمريكا:لا، لا نستطيع ذلك لأن عروبتنا وديننا وإسلامنا لا يجيز لنا ذلك، ونخشى أن نفتضح أمام شعوبنا، أن تنكشف سوءاتنا، أن يبصق الناس في وجوهنا أن يلعننا التاريخ ونكون سبة لأولادنا وأحفادنا حين يقولون: هؤلاء الذين ساندوا الأمريكان في ضرب إخوانهم، إنها لعنة التاريخ، كنت أود من قادة العرب أن يقفوا هذا الموقف ولكن قادة العرب – إلا من رحم ربك، وقليل ما هم – إذا تكلموا مع الأمريكان اصطكت أسنانهم وارتعدت فرائصهم وارتعشت أجسامهم ولم يستطيعوا أن يقولوا شيئاً، لم يستطيعوا أن يقولوا لا. كنا نود أن يقول العرب المسلمون أبناء الأمة القرآنية أبناء خالد وصلاح الدين وطارق بن زياد، كنا نود أن يقول هؤلاء لا، كما قال سيدنا عمر: يعجبني الرجل إذا سيم الخسف أن يقول بملء فيه (لا)، كنت أحب أن يتذكروا قول الله تعالى: ] وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ [ آل عمران:139.  وأن يذكروا قول الله تعالى: ]وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ [المنافقون: 8، وأن يذكروا قول النبي e:"من أعطى الذلة من نفسه طائعاً غير مكره فليس منا"[49]، كنت أود من العرب أن يتذكروا قول شاعرهم القديم:وكنت إذا قوم غزوني غزوتهـم        فهل أنا في ذا يا لهمذان ظالـممتى تحمل القلب الذكي وصارما        وأنفا حميا تجتنبك المداهــم ولكن يبدو أن قادة العرب ما عادوا يحملون قلوباً ذكية ولا أنوفاً حمية، ولا عزائم أبية، ولا سيوفاً عربية، أصبح حكام العرب كما قال المثل (ترى الفتيان كالنخل وما يدريك ما الدخل)، ] كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ[ المنافقون:4.كنت أريد هذا من العرب، أن يقفوا ضد الأمريكان ومعهم الحق، والحق يقويهم ويرفع رؤوسهم ولكن القادة لم يفعلوا ذلك.7 ـ وفي خطبة الجمعة التي ألقاها بتاريخ  21 مايو 2004 بعد مجازر شارون في رفح وغيرها من قرى و مدن فلسطين وجه كلاماً إلى حكام العرب الذين سيجتمعون غداً في تونس وكان مما قاله:هل نجد أحداً يتحمس ويغار ؟ هل نجد من يقول أدافع عن هؤلاء؟ ومن؟ العرب؟ زعماء العرب؟ قادة العرب؟ حكام العرب الذين سيجتمعون غداً في تونس؟ هل هؤلاء الذين سيحمون فلسطين ويحمون رفح؟ إننا لم نر أحداً احتج بقوة ؟ لم نجد من صرخ في وجه إسرائيل، بل رأينا الصمت، رأينا الشياطين الخرس، رأيناهم في صمت القبور، هذا ما رأيناه عند العرب للأسف ولا ندري ماذا سيفعلون غداً في قمتهم؟ هل ستكون مثل القمم الأخرى؟ أم سيقولون شيئاً جديداً؟ أغلب الظن أن العهد بهم هو هو، هل يحيون من موات؟ هل يجتمعون من شتات؟ هل يستيقظون من سبات؟ هيهات هيهات.!8 ـ ومن شعر الشيخ في ذلك: يا مصر حظك مثل حظي عاثـر           كم قد نكبت بغاشم وخئــون ‍قلنا: انقضى عهد الظلام وأقبلت            مصـر على عهد أغر مكيـنيمضي بأمتنا علـى سنن الهـدى             ويردهـا لتراثهـا الميمــونويعيد عهـد الراشدين يمــده             عز الرشيد ونهضـة المأمـونأمل أضاء ـ كلمحةـ في ثورة                   كنا لها في الروع خير معيـنفإذ الذي ثرنــا عليـه تعيـده            كالثور حين يدور في الطاحونثرنا على ملك، فجاءوا عشـرة           كل يريد الملك غير رزيــنوإذا رئيسهمو يرى في نفسـه                  ملك الملوك ووارث الفرعونيا ثورة كنا حمــاة ظهورهـا                صرنا وقود وطيسها المجنونقالوا: مباركة.. وما كانت سوى               حمى على الأحرار أو طاعون ‍يا هـرة أكلت بنيهـا غــدرة           قبحت أماً كنت غيـر حنـونأفهكـذا يجزى الجميل بضـده                 أين الوفاء وأهله.. دلونـي؟ [50] 

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل