المحتوى الرئيسى

اختلاف العقيدة والثقافة وأساليب التنشئة وراء انهيار زيجات العرب بأجانب

04/10 12:49

موسكو – مازن عباس غالباً ما تنشأ عن الزيجات المختلطة العديد من مشاكل الاستقرار والتأقلم، خاصة بين مجتمعات تتسم بالاختلاف الثقافي والاجتماعي الواضحين، وعلى سبيل المثال، في روسيا وفي بداية الصيف الماضي اتفقت إيرنيا مع زوجها على إرسال ابنتهما ماشا إلى تركيا مع الأب لتقضي أسبوعين على شاطئ البحر، وانتهت شهور الصيف ولم تعد ماشا. تلقت إيرنيا اتصالاً هاتفياً من طهران موطن زوجها أبلغها فيه، أن عليها الاختيار بين أن تأتي لتقيم مع أسرتها في إيران أو أن تنسى ابنتها. رفض الزواج بالعرب ناتاليا، نموذج آخر أيضاً، فقد تزوجت مواطناً سورياً جاء إلى موسكو بحثاً عن الرزق، وبعد شهور عندما علم الزوج أن زوجته ناتاليا حامل طالبها بإسقاط الجنين، لكنها رفضت وأنجبت طفلة وهو ما دفع الزوج السوري بالتعجيل في العودة إلى وطنه، وهناك اكتشفت ناتاليا أن والد طفلتها متزوج ولديه ثلاثة أطفال، وبدأت رحلتها مع الإهانات والاعتداء بالضرب من قبل زوجها، إلى أن تمكنت من الهرب والعودة إلى روسيا، وما زالت تهديدات زوجها بخطف الطفلة تلاحقها. ولا ندري إذا كانت هذه الحالات أو أي خلفيات أخرى قد دفعت بنحو 63 بالمئة لمعارضة زواج بناتهم أو أقاربهم من العرب، فيما عارض أكثر من 65 بالمئة زواج الروسيات من الآسيويين. وقد يكون قرار الرجل العربي بالزواج من أجنبية أسهل بكثير من قرار المرأة العربية الارتباط بأجنبي، لكن هذا القرار على كل الأحوال يتضمن قدراً من المخاطرة، لأنه يعني تأسيس أسرة أو وحدة اجتماعية، الطرفان فيها ينتميان إلى ثقافات وتقاليد مختلفة، وعادة يكون العامل الحاسم في هذه المعادلة مكان الإقامة، حيث يؤدي لسيادة مفاهيم وعادات وثقافة أحد الطرفين. وفي البداية لا ينتبه الطرف العربي إلى أن الطرف الأجنبي لديه منظومة حضارية وثقافية ورؤية، بل وأسلوب في تربية الأطفال، يختلف عن منظومته العربية بصرف النظر عن الصح والخطأ في هاتين المنظومتين، ولا يشعر الرجل بضرورة التفاهم وإيجاد تسوية بين الحضارتين إلا في حالتين: الأولى عندما ينتقل للإقامة في وطنه الأصلي، والثانية عندما ينجب أنثى. وفي حال إنجاب الذكر عادة لا يواجه الطرفان صعوبات تذكر في التفاهم حول تربية الطفل. مشاكل التأقلم فعند الانتقال إلى الوطن يلقي الزوج على عاتق الزوجة مجموعة من الأعباء والمسؤوليات، كان يتقاسمها معها وفق تقاليد مجتمعها، وتحرم الزوجة من جوانب في حياتها الاجتماعية والأسرية. وتجد الزوجة الأجنبية نفسها محرومة من حق المشاركة في اتخاذ القرار في كافة الأمور الحياتية التي تمس أسرتها، بل وحياتها الشخصية، ويحسم الصراع بين الزوجة الأجنبية والزوج العربي عادة بأن تستسلم لقرارات الزوج بحكم أنه الممول، وبتأثير الأجواء الاجتماعية المحيطة، إلا أن هذا لا يعني أنها تعيش حياة سعيدة أو أنها راضية عن حياتها، ولعل نزوع الكثيرات من الزوجات الأجنبيات للعودة إلى أوطانهن دليل على عدم قدرتهم على التكيف مع المنطق السابق ذكره. مارجريت حاصلة على دكتوراة في الهندسة، تقول إنها اكتشفت لدى عودتها مع زوجها إلى وطنه أنه أصبح شخصاً آخر يختلف عن ذلك الذىيأحبته وسعت لبناء أسرة معه، واكتشفت أنها مضطرة لقبول كافة قراراته بدون مناقشة، وأن المطلوب منها ترتيب البيت والغسل والطبخ، والجلوس أمام شاشة التلفاز في انتظار عودة زوجها، واعتبرت (أولغا) أن هذا الأسلوب من الحياة هو قتل بطيء لقدراتها وأحلامها، خاصة بعد أن اكتشفت انعدام فرص العمل لديها بسبب حاجز اللغة. بينما تعاملت السيدة إيرينا مع هذا الواقع الجديد بأسلوب أكثر مرونة، وقد كشفت أنها منذ ارتباطها بزوجها في "كراسنادار" أدركت أنها ستقدم سلسلة تنازلات حتى تستمر حياتها الزوجية دون عواصف، وارتدت أيرنيا الحجاب بصرف النظر عن قناعتها بذلك، كما تقول، ولكنها كانت تريد أن ترضي زوجها. ويبدو أن الأجنبيات اللاتي ترعرعن في بيئة شرقية يتمتعن بمرونة في التعامل مع مفاهيم مجتمعاتنا، أكثر من اللاتي عشن في بيئة أوروبية. بينما تنتهي الزيجات التي تكون بيئة الزوجة فيها أوروبية إلى الطلاق. خلافات عديدة أما الأسر التي تستقر في الخارج وتحديداً في روسيا، فتواجه صعوبات من نوع آخر، تبدأ من أسلوب الحياة المشتركة لتنتهي بأسلوب تربية وتنشئة الأطفال. يقول الدكتور سعيد أن المشكلة ليست في أن زوجتي تعمل أو أنها تزور صديقاتها، وإنما تكمن في أنها تعارض أحياناً قراراتي، وترفض تنفيذها، والمشكلة الأخطر هي أنها لا ترى ضرراً في أن يكون لابنتي (لينا) صديق يتصل بها. ولاشك أن هذه الزوجة التي ما زالت تتمتع باستقلالها الاقتصادي وتعيش في مجتمعها، قادرة على ممارسة حياتها وفق تقاليد هذا المجتمع أكثر من تلك التي انتقلت للإقامة في موطن زوجها. وهو ما اصطدم بعادات وتقاليد المجتمع الذي نشأ فيه الدكتور سعيد. وتتفاقم المشكلة حول أسلوب حياة ابنتهما، فهل ستعيش هذه الطفلة وفق تقاليد وعادات مجتمعنا، أم وفق تقاليد مجتمع الإقامة والأستقرار؟ تجارب الأسر العربية الغير مختلطة (الزوج والزوجة عرب) تكشف أن خلق تركيبة عربية داخل المجتمع الروسي أمر غاية في الصعوبة، فعلى سبيل المثال الدكتور محمد وزوجته عاشا وأنجبا "جمال" في موسكو، ودرس ابنهما في المدارس الروسية والتحق بجامعة موسكو للدراسة. وعندما بلغ "جمال" العشرين من عمره، اضطر والده لمغادرة موسكو والعودة مع أسرته نهائياً إلى الوطن. وبدأت معاناة من نوع غريب، حيث فشل "جمال" في التأقلم مع مجتمعه الجديد، واضطر للعودة إلى موسكو، ثم غادرها إلى بريطانيا للعمل والإقامة بعد أن شعر أنه فاقد الانتماء، فهو ليس روسياً رغم أنه عاش حياته ودرس في موسكو ولم يتمكن أن يصبح عربياً رغم أن والديه عرب وأنه تعلم اللغة العربية وأجادها قراءة وكتابة. نفس المشكلة دفعت"عمرو" إلى مغادرة ألمانيا، حيث يقيم والده العربي ووالدته الرومانية، لأنه لم يتمكن من الانتماء إلى أي من هذه المجتمعات الثلاثة، وإذا كان هذا هو حال الشاب الذي هو ثمرة زواج غير مختلطة، فكيف يمكن أن يكون حال أبناء وبنات الزواج المختلط!؟ وترى د. إيرينا عيدرواس التي تعمل مدرسة أقتصاد دولي في جامعة موسكو، وهي من أصول يمنية أن جوهر المشكلة يكمن في قرار الأسرة بالانتماء لأي المجتمعات، ولا يمكن أن تحقق أسر الزواج المختلط نجاح ما لم تقرر بشكل جماعي مسألة الانتماء والتي سيترتب عليها أسلوب الحياة وتربية الأبناء. وتضيف: فإما الاندماج بمجتمع الأم والإقامة وتراجع الأب عن رغبته في تربية أبنائه وفق تقاليد أسرته، وإما التقوقع في شرنقة داخل المجتمع الأجنبي يكون قانونها عادات وتقاليد مجتمعاتنا! كما تعتقد د. عيداروس أن اختلاف العقيدة يلعب دوراً حاسماً في مصير أسر الزواج المختلط، وغالباً ما يفجر خلافات جوهرية داخل هذه الأسر. إلا أن حسن الذي يعيش ويعمل صحفياً في أوروبا الغربية هو وزوجته العربية، يعتقد أن جوهر أزمة الانتماء يكمن في انعدام الديمقراطية لدى المنطق الشرقي، الذي لا يفكر في أن هذا الطفل الذي ينمو ويترعرع هنا أو هناك، يمتلك حق الاختيار في أن ينتمي لهذه الحضارة أو تلك، أو أن يخلق توازن يناسب شخصيته وطموحاته. ومشاكل الزواج المختلط الذي تكون الزوجة فيه هي الطرف العربي، ليست أقل تعقيداً من سابقه، فبالرغم من استياء المجتمع العربي من المرأة العربية التي تتزوج من أجنبي، والذي لا يقابله استياء من عربي يتزوج روسية يحيط المرأة بعزلة اجتماعية من جانب مواطنيها. إلا أن هذا الوضع لا يلغي انتماء الزوجة الذي يؤدي لأزمة لدى أبناء هذه الزيجات، الذين يعيشون صراعاً داخلياً بين انتماء الأم وتأثرهم به، نتيجة للتماس والتعامل اليومي بين الأم وأطفالها، من جهة، وانتمائهم للمجتمع والأب بحكم قوانين ذكورة المجتمع من جهة أخرى.

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل