المحتوى الرئيسى

غزوة الصناديق وما حولها!

04/10 12:25

بداية يمكن القول أن ماذكره الشيخ محمد حسين يعقوب تعقيباً على نتيجة الاستفتاء الأخيرة لم يتم في سياق سري كي نضعه في إطار غير علني،  كما أنه لم يتم في إطار فردي كي يتم عزل الحديث عن العامة! وبما أن الحديث كان أمام الآلاف من أتباع الشيخ ومريديه ونشر في كل أجهزة الإعلام المختلفة المسموعة والمرئية والمكتوبة فإنه لا مجال للتستر على الأمر تحت مسمى تأجيج الصراع ، ولا تحت مسمى أن " لحوم العلماء مسمومة" التي يتعامل معها البعض على إطلاقها فيقدسون غير مقدس ويصمتون على الخطأ فيقعون في ذنب أعظم وأشد ، ومن ثم لايمكن الصمت عن نقد عالم ما إذا أخطأ أو أن تترك أخطاء العالم دون نقد ، تحت مسمى العبارة السابقة ، لأن كل إنسان يؤخذ منه ويرد عليه إلا صاحب المقام صلى الله عليه وسلم، المهم أن لا نتجاوز حدود النصح والنقد ، لأن الإسلام كما كفل حق النقد كفل أيضا حدود هذا النقد.من هذا المنطلق أرى أنه لزاماً علي أن أضع بعض الأمور التي أحسبها هامة ويمكن أن تكون حاسمة في الفصل بين الخطاب الذي صدر عن الشيخ يعقوب وماحوله من بعض الأطراف المسيحية الأخرى التي لا تختلف كثيرا عن نفس الخطاب،  وإن لم أحلل نوعية خطاب هذه الأطراف بقدر ماأردت تحليل خطاب الشيخ يعقوب بناء على بعض الثوابت الهامة التي يمكن أن تتعلق بكليهما معاً وهي كالتالي :1-   الأصل أنه ليس عند الإسلام ولا عند أهله ما يجلب الخوف الى قلوب أحد من البشر كانوا مسلمين أو غير مسلمين.2- إذا وضعنا حديث الشيخ في إطار ديني فهو ليس من الدين في شيء، وإن وضعناه في إطار سياسي فلا علاقة له بالسياسة وأشباهها.3-  إذا كان الشيخ يقصد الغزوة بمعنى الغزوة فهو كلام في غير محله ؛ لأن الغزوة هي التي حضرها النبي صلى الله عليه وسلم،  وهي استحضار لشخص النبي صلى الله عليه وسلم في سياق غير لائق.4- مفهوم الغزوة في الفقه الإسلامي لا يمكن بأي حال أن ينطبق علي الاستفتاء‏، وهو من قبيل تسطيح الألفاظ واستعمال الألفاظ الفقهية في غير محلها.5-  إذا كان الشيخ يقصد لفظ الغزوة من قبيل الاستدعاء بمعنى النصرة فهو استدعاء في غير محله ، وإن قصد اللفظ من قبيل القياس على الحدث فهو قياس على غير أصله.6-  إذا كان لفظ الغزوة قد جاء على سبيل الخطأ وعدم القصد وهو ما أرجحه فهو خطأ غير مقصود لكنه يستوجب المراجعة والتوضيح والاعتذار.7- مسألة النصرة والغلبة التي وصف بها الاستفتاء وكأنها كانت حرب بين فريقين أو قتال بين غريمين أمر غير مقبول، ويختزل الإسلام في صورة لا تليق به.8- المرحلة الجديدة تتطلب منا أن نتحمل الأخطاء التي تقع من البعض حتي نمارس الديمقراطية بآلياتها وألفاظها وشكلها السليم‏، ويمكن تلمس العذر للشيخ على طريقته في عرض الموضوع إن أخذنا في الاعتبارأنها المرة الأولى التي يدخل فيها مجال السياسة ويمارسها وهو بالتالي كغيره عرضة  لافتقاد أدوات الممارسة السياسية  .9- ليس من الحقيقية في شيء أن الاستفتاء كان دينياً وأنه يخص المادة الثانية من الدستور ولو كان كذلك لخرج غالب الشعب للاستفتاء ولخرج ‏40‏ مليون مصري وليس‏18‏ مليونا فقط‏!، لكن الحقيقة أن مصر كانت تبحث عن دستور جديد ولم تكن بصدد اختبار إسلاميتها أو علمانيتها.10- أن الاستفتاء ماكان حول الصواب والخطأ‏,‏ وإنما كان حول الصواب والأصوب‏، كما أنه ليس هناك من فائز أو مهزوم ومصيب‏‏ ومخطئ بل كان كل الشعب فائز ومصيب‏,‏ فالذين قالوا نعم والذين قالوا لا كان هدفهم واحد,‏ وهو وضع دستور جديد حرصا علي مصلحة البلاد‏,‏ وكان الاختلاف فقط حول الوسيلة‏ والأنسب,‏ وهل يتم ذلك بشكل مباشر أم بعد استقرار الأوضاع‏.‏‏11-  لا يمكن قبول  تقسيم الناس إلي فسطاطين‏,‏ فسطاط "دين"  فيه أهل الدين والمشايخ الذين قالوا " نعم" وفسطاط من قالوا "لا " لأن هذا تقسيم في غير زمانه ولا مكانه فضلاً عن كونه تقسيم لا يمت للشرع بصله. ولا يمكن أن قبول أن تتحول الخيارات الديمقراطية إلى صراع بين الخير والشر، أو الإيمان والكفر.12- أخشى أن يتحول الأمر إلى نكسة غير مسبوقة إذا تحول الموضوع إلى حرب شعواء بين المسلمين والمسيحيين أو بين المسلمين والمسلمين فتقوض الثورة بأيدي بعض من يقومون على الدين من الطرفين الإسلامي أوالمسيحي.13- بغض النظر عن ما قاله الشيخ محمد حسين يعقوب فإن الأصل الشرعي هو أن يترك للجميع ( مسلمين ومسيحين) حرية الاختيار وأن لا تفرض الوصاية على الناس باسم الله أوالدين.14- لايمكن قبول المتاجرة بالدين بسيطرة الكيانات الإسلامية أوالمسيحية (الرسمية وغير الرسمية) على عقول الناس ، وإن حدث هذا فأقل مايقال عليه أنه ضلال وتضليل واستغلال لإرادة الناس وهو لا يقل في إثمه وذنبه عن الغش والتزوير في الانتخابات التي ابتلينا بها عبر سنوات.15- تعبير "غزوة الصناديق" مصطلح يحمل في ظاهره دلالة الرحمة الدينية، لكن في باطنه يؤثر سلباً على كل مشروع ممكن للديمقراطية والحرية التي هدف إليها الإسلام.16- لا يمكن من الناحية الشرعية قياس التكبير في الأعياد أو في غزوة الأحزاب وإسقاطه على التكبير بعد النجاح في الاستفتاء لأنه قياس في غير محله وضرره أكثر من نفعه كما أنه يشوه أكثر مما يصف الصورة الحقيقية للإسلام.17- ليس من دور العلماء التشكيك في من قال: لا, سواء كان مسلما أو مسيحيا ولا يقبل من عالم أن يملي على الناس مايفعلوه  سواء بنعم او لا , لكن دور العلماء ( كل عالم في تخصصه) أن ينقل للناس مفردات هذا العلم وللناس حق الاختيار .18- استخدام تعبيرات من نوعية أن الجنة مصحوبة بـ"نعم"، وأن النار مصحوبة بـ "لا" هو استدعاء في غير محله واختزال نحاسب عليه قبل أن نثاب عليه، وهو  انشقاق خطير يكرس للمذهبية أو  الطائفية على حد سواء.19- لا يمكن أن ترتبط الموافقة على استفتاء التعديلات الدستورية بمناهضة الآخر أياً كان مذهبه أو اعتقاده، وإذا كان هناك من قمع لحق الأقلية أو الأغلبية في الحياة والتعبير، فعن أي إسلام نتحدث؟!!.20- ثمة أمر خطير يتعلق بفقه المآلات في الخطاب الديني الذي يمكن أن يفهم من سياقه .. أن الدولة الدينية قادمة ومن لا ينطوي تحت لواءها، فعليه الرحيل، وهي صيغة تتسق مع العصور الوسطى وليس مع إسلام يرى عكس ذلك.21- لا أتمنى أن يكون كلام الشيخ معبراً عن نوعية  تفكير أغلب المجتمع، التي ما زالت تتعامل مع الديمقراطية بوصفها سيطرة الجموع ونفي الآخر، وعدم الاعتراف بحقوق الأقليات، مما يعطينا مؤشر عدم القدرة على التغير أو قبول الاختلاف.22- لا يمكن قبول أن يتحول الصراع على تقرير القانون ودولته، إلى غزوة للحصول على الجنة وتجنب النار، أو أن نؤصل للثنائية البديهية التي يعتمد عليها بعض أصحاب الفكر الديني من الطرفين .23- الأرض أرض الله وعباد الله على أرضه ولا يحق لعالم ولا بشر من قبل أن يقصي الآخر من أرض الله، ولا يمكن قبول استعمال مفردات إقصاء الآخر تحت مسمى ديني أو تخيير الغير بين البقاء تحت سطوة أحد أو أن يهاجر في أرض الله الواسعة!!.24- إذا كان بعض المسلمين الغاضبين قد صنعوا العدو بأنفسهم ليرهبوا به كل مسلم ومسيحي يختلف معهم في الاستفتاء ، فإن بعض المسيحيين الغاضبين صنعوا شبح الخوف من "نعم " لتخويف أنفسهم فتحول عرس الحرية إلى انقسام للشعب بين مسلم ومسيحي ومع هؤلاء وأمثالهم تحولت النعم إلى نقم والمكاسب إلى خسائر !.25- ليس عيبا ولا حراماً أن تكون مساهمه أي مصري في الاستفتاء واجب شرعي قبل أن  يكون ذلك واجب وطني ، ولكن العيب والحرام أن يتم تحديد الواجب الشرعي واختزاله في "نعم " أو" لا " .26- كل من استعمل الدين ( من الطرفين) للتأثير على الناس وتحقيق أهدافه بمعزل عن مصلحة الدولة التي ينتمي إليها؛ من شأنه  أن يهدم أي مظاهر نشعر فيها معه بحسن النيه والقصد في أداء هذا الدور المشبوه الذي يفرق ولا يجمع، ويدمر ولا يبني،  ويقضي على الأخضر واليابس في مرحلة نحن أحوج فيها إلى الدين الصحيح الذي أراده الله دون بعض البشر. 

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل