المحتوى الرئيسى

إنهم يحتكرون الحق!!

04/10 12:25

من الأمور المهمة والتي تحتاج إلى نوع من التوضيح، هو ما نطلق عليه "الاختلاف"، والذي يوحي في معناه القرآني بشيء من التكامل والتناغم، كما في قوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُّخْتَلِفاً أَلْوَانُهَا وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ} [فاطر:27].فالاختلاف ظاهرة كونية جمالية، وهو لا ينفك عن إرادة الإنسان وتركيبه؛ لذا قال ابن القيم في كتابه إعلام الموقعين: "وقوع الاختلاف بين الناس أمر ضروري لابد منه؛ لتفاوت أغراضهم وأفهامهم وقوى إدراكهم، وهو من رحمة الشريعة الغراء، كي تستمر في العطاء بحسب الظروف والأحوال والبيئات على اعتبار صلاحها لكل زمان ومكان".ومع أن الاختلاف أمر ضروري ومظهر جمالي في الكون والإنسان، ومعلم من معالم الشريعة وسعة لها؛ فإن البغي في الاختلاف يتخذ صورا كثيرة متعددة، أخطرها ما تدور عليه هذه المقالة، وهي مسألة "احتكار الحق"! حيث إنه مرض خطير إن وجد في أمة من الأمم حكمت على نفسها بالتقوقع والهلاك عاجلا أم آجلا، فكيف لو وجد هذا المرض في خير أمة أخرجت للناس، والتي حمّلها الله أمانة هذا الدين وتبليغه للناس كافة؟!ويمكن القول إن احتكار الحق هو: زعم المرء أو الجماعة أو المجتمع أنه يمتلك الحقيقة والصواب في رأيه، دون الطرف الآخر، وممارسة السلوكيات العملية التابعة لهذا الزعم، بما يعمق في فكره أنه على الحق، وغيره مجانب له.واحتكار الحق في عمومه يمنع بناء أي أرضية للحوار أو الرقي لأي فرد أو جماعة أو مجتمع، وإذا وجد هذا النوع من المرض الفكري والنفسي فلا أمل في أي تطوير أو نهضة أو تماسك في بنيان أي أمة من الأمم.إن محتكر الحق لسان حاله ومقاله يقول: رأيي صواب لا يحتمل الخطأ، ورأي غيري خطأ لا يحتمل الصواب، وهذا من البغي الذي ذكره الله تعالى في كتابه: {وَمَا تَفَرَّقُوا إِلَّا مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ} [الشورى:14]، والذي يقود لمزيد من التفرق النفسي والفكري في الأمة، لذا أكد القرآن الكريم على بناء أرضية مشتركة حتى مع الذين يخالفوننا في أصل الدين فقال تعالى: {وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ} [سبأ:24].أما عن أسباب ظهور هذا المرض، فمنها ما يتعلق بالجانب العلمي، ومنها ما يتعلق بالأفراد، ومنها ما يتعلق بالبيئة أو الجماعة أو المجتمع.أسباب تتعلق بالجانب العلمي1. قلة الوعي بفقه الاختلاف في الشريعة الغراء، وحمل الاختلاف الوارد في كتب أهل العلم على أنه كان قبل توفر الدليل على المسائل!2. الأخذ من النصوص مباشرة من قبل حديثي العلم، وترويج بعض المشايخ لهذا الأمر، وعدم الرجوع إلى اجتهادات أهل العلم في المسائل.3. تهميش ضوابط الاجتهاد التي تكلم عنها أهل العلم فيمن يتصدر للاجتهاد، والجرأة على الاجتهاد لكل من هب ودب.4. حصر الإفتاء في المسائل الفرعية في مذهب معين، والزعم أن الدليل معه، وعدم مراعاة اختلاف الأقطار والبيئات وعادات الناس وأحوالهم.5. الترويج لمسألة الأخذ بالدليل -وهذا حق- دون الترويج للتراث الفقهي والفكري الكبير لعلماء الأمة، الأمر الذي حصر المستفيدين من هذا التراث في فئة معينة، وتصدر الآخذين بالدليل بزعمهم للدعوة والإفتاء.وأحسب أن هذه النقاط واضحة، غير أني سأضرب مثلا يؤرقني دائما، وهو الإفتاء في حكم تارك الصلاة تكاسلا؛ فمن المعروف أن هذه المسألة محل اختلاف بين أهل العلم، فمنهم من قال بفسقه ويستتاب، ومنهم من قال بكفره بظاهر النصوص، والذي قال بالقول الأخير ورجحه وروج له لم يتوقف عند هذا الحد، بل ذهب إلى تبعات ما يترتب على هذا الكفر وأفتى بالتفريق بينه وبين زوجته، وأن علاقته بها علاقة زنا، وعدم دفنه في مقابر المسلمين، ولا يرث ولا يورث... وهذا نص الفتوى من أحد مشايخنا رحمهم الله التي يقول فيها: "تارك الصلاة كافر كفرا مخرجا عن الملة، وأنه يحكم عليه بما يحكم على المرتدين عن الإسلام من الأحكام الدنيوية والأخروية، فلا تحل ذبيحته، ولا يحل له أن يدخل مكة ولا حرمها، ولا يحل له أن يتزوج بمسلمة، وينفسخ نكاحه منها إن ترك الصلاة بعد العقد، فتكون زوجته إذا كان لا يصلي حراما عليه، ولا يغسل بعد موته ولا يكفن ولا يصلى عليه ولا يدفن مع المسلمين، ولا يدعى له بالمغفرة والرحمة، ولا يتصدق عنه ولا يكون مع المسلمين يوم القيامة ولا يدخل الجنة معهم نعوذ بالله من ذلك، ولا يحل لأهله الذين يعلمون أنه مات على ترك الصلاة ولم يتب أن يقدموه للمسلمين ليصلوا عليه؛ لأنهم بذلك يكونون قد قدموا كافرا يصلي عليه المسلمون".صحيح أن القول بكفر تارك الصلاة قول موجود في الفقه، وهو في مذهب الإمام أحمد، ولكن الأئمة الثلاثة الآخرين على خلاف ذلك، وقد قال النووي في شرحه لصحيح مسلم أن لفظ الكفر الوارد "على معنى أنه يستحق بترك الصلاة عقوبة الكافر... أو أنه محمول على المستحل أو على أنه قد يئول به إلى الكفر، أو أن فعله كفعل الكفار"، وقد ساق الإمام النووي أدلة من تأولوا الأحاديث التي ظاهرها كفر تارك الصلاة، وهي مسألة قديمة على أي حال، لكن الذي يهمنا في هذا الموضوع، ما هو الأولى بالإفتاء به في عصرنا؟ وما هي المصلحة في أن نطبق تبعات الحكم بكفر تارك الصلاة على المسلمين اليوم؟ وهل سيؤدي ذلك إلى مزيد من تماسك الأمة؟! ومزيد من النهضة والإعمار والبناء؟! ولنا أن نتخيل كم هي أعداد المسلمين اليوم التي ينطبق عليها هذا الكلام في الفتوى؟ وكم من أزواج لا يصليان أو لا يصلي أحدهما وهما باعتبار الفتوى إن كان لهم أولاد فهم أولاد زنا! ولقاؤهم زنا، وكم من كافر -بحكم هذه الفتوى أيضا- قد ورثه مسلم، أو دفن بين ظهراني المسلمين!أسباب تتعلق بالفرد1. نشأة بعض الأفراد على الاعتداد برأيه، وإن غطاه صاحبه بالدليل ونحوه، وهذا يرجع لأصل النشأة والتربية دون النصوص.2. الحدية في الأمور، فلا يعرف إلا الأبيض والأسود من ألوان الحياة، دون بقية الألوان التي ترى والتي لا ترى.3. الحماسة دون الوعي، وهذا غالبا يفسد أكثر مما يصلح، وتأتي نتائج حماسته مدمرة في أحيان كثيرة.4. الإمعة والتقليد، بحيث ينشأ المرء على نمط معين، لا يستطيع الفكاك منه، ويصبغ به شخصيته.5. البساطة في الفهم، وقلة العلم، والتعلق بظواهر الأمور والنصوص دون عمق.لقد عمد أحد هؤلاء إلى جمع كتب ابن حجر ومنها فتح الباري، وكتب النووي ومنها شرح صحيح مسلم، وجمعها في مكان وصب عليها الوقود وأحرقها، بحجة أن الإمامين قد أخذا بمذهب الأشاعرة في بعض المواطن وأوّلا صفات الله عز وجل.ومن نفس التركيبة من سمعته يقول عن سلطان العلماء العز بن عبد السلام بأنه "العنز بن عبد السلام"؛ لكونه ليس على رأيه! والأخطر أن أصبحت هذه الخلطة النفسية العجيبة سببا في نزف الدماء الطاهرة، وترويع الأنفس الزكية، وإهدار الطاقات الكثيرة.أسباب تتعلق بالجماعة والمجتمع1. زراعة العنصرية في الجماعة فكرا وعملا، والزعم أنها هي الأولى بالاتباع، لما تملكه من خصائص، لا تتوافر في غيرها!2. تكوين عقلية أبناء الجماعة على الولاء التام دون قيد أنملة، ومهما كانت الظروف، دون أن يكون الولاء للشرع.3. تضخيم خصائص الجماعة وما تتمتع به، مثل كون المجتمع الفلاني هو مهبط الوحي، أو منارة للعلم وغيرها من الأمور التي تجعل هذه الخصائص هي المحور الأول في عقلية الأفراد والجماعة.4. إشاعة روح التحقير المقصود وغير المقصود للآخرين، وعرض العضلات الذاتية دون أي وعي.5. التعصب لأفراد الجماعة مهما يكن الأمر، دون سند قوي، مع تتبع بعض الأوهام التي زرعها الإعلام الموجه.لقد ذكر الإمام ابن الجوزي رحمه الله في كتابه مناقب الإمام أحمد رضوان الله عليه، قال بسنده: "إن رجلا جاء من بحر الهند يريد الصين، أصيب مركبه، فأتاه راكبان على موجة من أمواج البحر، فقال أحدهما له: أتحب أن يخلصك الله على أن تقرئ أحمد بن حنبل السلام؟ قلت: ومن أحمد؟ ومن أنتما يرحمكما الله؟ قال: أنا إلياس، وهذا الموكل بجزائر البحر، وأحمد بن حنبل في العراق. قلت نعم. فنفضني البحر نفضة فإذا أنا بساحل الأبلة فقد جئت أبلغك السلام". مناقب الإمام أحمد/ 186.إن مثل هذه الأخبار الأسطورية الخرافية هي التي ولدت اليوم مثلها من غير بحر الهند ولا بحر الجزائر، وذلك بتضخيم أفراد وجماعات ودول على غير حقيقتها لمجرد الإبراز، ومثل هذه الأخبار -وهي كثيرة- هي الخميرة التي أنتجت ما نعانيه اليوم، من تضخم للأمور على غير حقيقتها.كيفية علاج هذا المرضلا يمكننا بأي حال علاج مرض احتكار الحق علاجا جذريا، خاصة أنه قد استشرى في الأمة وفي كثير من علمائها، لكن يمكن التوقف عند مجموعة من الحلول الآتية:1. تربية الأفراد والجماعات على قيمة التواضع الحقيقي دون استصغار للنفس أو الحد من طموحها، وعدم ادعاء شيء أكبر من واقعنا الحقيقي.2. التعمق في الدارسات التاريخية والاجتماعية والنفسية؛ للكشف عن سنن الله في الكون وفي الآفاق والأنفس، حتى يمكننا التمييز بين المقدمات والنتائج في حركة الكون والنفس، ونعي مؤثرات كل منها.3. الانفتاح على الرأي الآخر، وعلى مجتمعات أخرى، وبيئات متنوعة، وشخصيات مختلفة، الأمر الذي يثري فينا ظاهرة الاختلاف الكوني، ويبعدنا عن عقلية البعد الواحد.4. التحلي بالعلم المنهجي لدفع الأهواء من النفوس، والجهل من العقول.5. الحوار المستمر، وعدم الظن أننا على الصواب ابتداء؛ لأن ذلك يمثل إغلاقا للعقل في أول أبوابه.6. القدرة على قبول أن نتخلى أو نفقد بعضا مما عندنا في سبيل شيء أهم ومصلحة أعظم.7. العدل في الميزان، والقسط في الأحكام، والتربية على تقوى العقول قبل القلوب.8. ألا يعتقد أحد أن الفرقة الناجية محصورة على من يشاركه في الرأي دون غيره، وإنما مساحتها واسعة رحبة، تجمع كل المتفقين على "أصول" أهل السنة والجماعة؛ لأنه ليس من حقه ولا من حق غيره أن يحتكر الحق والصواب في مسائل الاجتهاد.9. إن مجالات الاجتهاد في الفروع وفي وسائل الدعوة وفي مناهج العمل الإسلامي، لا تعطي الأحقية لأحد أن يدعي احتكارا للحق.لقد طلب أبو جعفر المنصور من الإمام مالك أن يكتب كتاب الموطأ ليحمل الناس عليه لكن الإمام مالك أجاب بأن أصحاب رسول الله تفرقوا في الأمصار، وربما معهم من الحديث والأحكام ما لم يكن قد بلغه، وإن لأهل هذا البلد أي مكة قولا، ولأهل المدينة قولا، ولأهل العراق قولا قد تعدوا فيه طورهم.وعاود نفس الرغبة من بعده هارون الرشيد لكن الإمام مالك كان يرفض دائما أن يحمل الناس على رأيه حملا، كما رفض كذلك طلب هارون الرشيد تعليق الموطأ في الكعبة ليحمل الناس على ما فيه.رحم الله علماء وربانيي هذه الأمة الذين كانوا في قمة العلم، لكنهم كانوا في غاية التواضع؛ لأنهم كانوا يعلمون أن من يحمل الكبر في نفسه يحمل الاحتكار في رأسه.

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل