المحتوى الرئيسى

رفعة الرأس والوطن (منبر الجمعة)

04/10 11:31

إعداد: عكاشة عباد الحمد لله رب العالمين الذي أذل الجبابرة وكسر رقاب الأكاسرة فنقلهم من القصور إلى القبور، ومن الملك، والعزة إلى المهانة والذلة، وجعل لنفسه سبحانه دوام البقاء والملك والعزة.   الحمد لله الذي شرف بلدنا العزيز مصر بالذكر خمس مرات في القرآن الكريم، ومنها قوله تعالى: ﴿ادْخُلُواْ مِصْرَ إِن شَاء اللّهُ آمِنِينَ﴾ (يوسف: من الآية 99).   الحمد لله الذي جعل مصر وشعبها أمنًا وأمانًا ونصيرًا للطائعين، وجعل مصر وشعبها سخطًا وغضبًا وإذلالاً للعاصين والمتجبرين.   وأشهد ألا إله إلا الله وحده، الذي نصر عبده، وأعزَّ جنده، وهزم الأحزاب وحده في كل زمان، وجعل الجبارين والمتكبرين والمخربين للبلاد والمذلين للعباد آية للعالمين قال تعالى: ﴿فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ (92)﴾ (يونس).   * قال ابن أحد الحكام الظالمين الفارين من بلادهم لأبيه: يا أبتِ، ماذا حدث لنا، من بعد العز ذل، ومن بعد الأمن خوف، ومن بعد سعة العيش ضيق، يا أبتِ ذهب عنَّا السلطان وتنكَّر لنا الأحباب وسبَّنا مَن حكمناهم سنين، يا أبتِ ماذا حدث لنا؟. قال الأب: يا بني لعلها دعوة مظلوم غفلنا عنها ولم يغفل عنها الله.   وأشهد أن محمدًا رسول الله- صلى الله عليه وسلم- الذي جاهد في الله حق جهاده حتى أتاه اليقين، وهو القائل: "سيد الشهداء حمزة بن عبد المطلب ورجل قام إلى إمام جائر فأمره ونهاه فقتله" (1).   فاللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمدٍ وعلى أصحابه وأهل بيته الطاهرين، وعلى مَن سار على نهجه إلى يوم الدين، أما بعد..     عكاشة عبادأيها المصريون، لقد مرت مصر بحدث عظيم، وهو ثورة الخامس والعشرين من يناير عام ألفين وأحد عشر، هذا الحدث كان أحد شعاراته (ارفع راسك أنت مصري).   ولكن لماذا رفع هذا الشعار؟ وهل هذا الشعار حقيقة أم ادعاء؟   لماذا رفع هذا الشعار؟، لأن المفسدين من أهل هذه البلد، وهم وللأسف من جلدتنا أذلونا وحطموا فينا الوطنية والنخوة، ونهبوا وخربوا مصر، حتى هان المصري في أعين الآخرين، وأصبح دم المصري أرخص دماء الدنيا. فكان لهذه الثورة هدف من أهدافها أن يعتز المصري بمصريته.   * (ارفع راسك أنت مصري)، هل هذا الشعار حقيقة أم أدعاء؟   نعم لا أحد ينكر ما قاله القرآن الكريم عنَّا وعن حكامنا، فأما الحكام الطاغون المتجبرون المفسدون فهذه نسخة تكررت، وكان قائدهم فهذا هو فرعون الذي خاطب أتباعه قائلاً: ﴿وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِن تَحْتِي أَفَلاَ تُبْصِرُونَ (51)﴾ (الزخرف).   فلما سكت الشعب عن ظلمه حشرهم وجمعهم أمام قصره وقال لهم: ﴿فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى (24)﴾ (النازعات).   فلما استمرَّ الشعب في سكوته وتقبل مذلته واحتقار عقوله حشرهم مرةً ثانيةً أمام قصره وقال: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾ (القصص: من الآية 38).   هنا استحقَّ الشعب أن يوصف بضلال العقول، واضمحلال التفكير والفسق في العقيدة قال تعالى: ﴿فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ (54)﴾ (الزخرف).   * يقول ابن كثير قال تعالى: "﴿فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ﴾، أي استخف عقولهم فدعاهم إلى الضلالة فاستجابوا له" (2).   فلما جاء مَن يدعو إلى عبادة الله، وإلى الهدى والتقى غضب فرعون وخاطب قومه قائلاً: ﴿ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخَافُ أَن يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَن يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ﴾ (غافر: من الآية 26).   فما كان من الشعب إلا السكوت، ومن الملأ إلا الإقرار والتحفيز فقالوا لفرعون: ﴿وَقَالَ الْمَلأُ مِن قَوْمِ فِرْعَونَ أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِسَاءهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ (127)﴾ (الأعراف).   وبسبب هذه السلبية وهذا الضعف والخنوع غضب الله من الشعب فانتقم منهم وجعلهم مثلاً للآخرين قال تعالى: ﴿فَلَمَّا آسَفُونَا انتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ (55) فَجَعَلْنَاهُمْ سَلَفًا وَمَثَلًا لِلْآخِرِينَ (56)﴾ (الزخرف).. قال ابن عباس- رضي الله عنهما- ﴿فَلَمَّا آسَفُونَا﴾: أي: غاظونا وأغضبونا (3).   * (ارفع راسك أنت مصري) نعم (غضب رب العالمين من الشعب، وأوجب في حقهم الانتقام) كل هذا حينما يخضع الشعب للحاكم العاصي، ويسكت عن ظلمه ويعصي ربه، أما حينما يثور الشعب على الحاكم الظالم، يكون لهذا الشعب شأن عظيم وكأن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- يعلم ذلك؛ لذلك اعلم أيها المصري، أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- أوصي بك خيرًا.   فعن أبي ذر- رضي الله عنه- قال، قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: "إنكم ستفتحون أرضًا يذكر فيها القيراط" (3)، "فاستوصوا بأهلها خيرًا، فإن لهم ذمة ورحمًا" (4).   وعن كعب بن مالك- رضي الله عنه- قال، قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: "إذا دخلتم مصر فاستوصوا بالأقباط خيرًا فإن لهم ذمة ورحمًا" (5).   إن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- أكد أنك المصري من خير أجناد الأرض، وإنك ستكون في رباطٍ إلى يوم القيامة؛ فعن عمر بن الخطاب- رضي الله عنه- أنه قال، قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: "إذا فتح الله عليكم مصر فاتخذوا بها جندًا كثيفًا فذلك الجند خير أجناد الأرض". قال أبو بكر: لم يا رسول الله؟ قال: "لأنهم وأزواجهم في رباط إلى يومٍ القيامة" (6).   * (ارفع راسك أنت مصري).. أيها المصري أنت من خير أجناد الأرض وهذا هو الدليل: - عام الرمادة، وما أدراك ما عام الرمادة؟. إنه عام جدب وقحط، نتجت منه مجاعة ضربت أرض الحجاز، واستمرت لمدة تسعة أشهر يقول عبد الرحمن بن كعب بن مالك- رضي الله عنه- قال: "كانت الرمادة جوعًا شديدًا أصاب الناس بالمدينة وما حولها، حتى جعلت الوحوش تأوي إلى الإنس، وحتى جعل الرجل يذبح الشاة فيعافها من قُبحها، وإنه لمقفر" (7).   وقال الحافظ ابن كثير: إن عمر بن الخطاب- رضي الله عنه- عسَّ المدينة ذات ليلة عام الرمادة، فلم يجد أحدًا يضحك، ولا يتحدث الناس في منازلهم على العادة، ولم يرَ سائلاً يسأل، فسأل عن سبب ذلك. فقيل له: يا أمير المؤمنين، إن السُّؤَّال سألوا فلم يُعطوا، فقطعوا السؤال، والناس في هَمٍّ وضيقٍ فهم لا يتحدثون ولا يضحكون.   هنا تذكر عمر بن الخطاب- رضي الله عنه- "فكتب عمر إلى عمرو بن العاص بمصر: يا غوثاه لأمة محمد. (8).   فقام عمرو بن العاص- رضي الله عنه- وقُرَّاء رسالته في المسجد- مسجد عمرو بن العاص الآن- وسمع أهل مصر الرسالة. فردَّ عمرو بن العاص- رضي الله عنه- حين شاهد الكرم المصري برسالةٍ إلى عمر بن الخطاب- رضي الله عنه- وقال: من عمرو بن العاص إلى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب لقد أرسل إليك أهل مصر قافلةً من الطعام، قافلةً أولها عندك وآخرها عندي. فأرسل إليه عمرو بن العاص- رضي الله عنه- بألف بعير تحمل الدقيق، وبعث في البحر بعشرين سفينة تحمل الدهن، وبعث إليه بخمسةِ آلاف كِساء، (9).   - الصليبيون احتلوا بلاد الشام ومدينة القدس- بيت المقدس- سنوات طويلة حوالي 200 سنة، ولكن مَن أخرجهم من البلاد الإسلامية وحرر بيت المقدس، إنه أنت أيها المصري في موقعة حطين مع القائد العظيم صلاح الدين الأيوبي يوم 27 من رجب 583ﻫ، الموافق 2 من أكتوبر 1187م.   - التتار الذين احتلوا البلاد وقتلوا العباد، بل أبادوا العباد فمثلاً قتل مليون عراقي في أيام قليلة، ونشروا في الأرض الفساد وبلغ الذل والمهانة بالأمة الإسلامية حتى قال قائلهم: "مَن قال إن التتار يهزمون فقد كذب" فمن الذي هزمهم، أنت أيها المصري في عين جالوت مع القائد العظيم سيف الدين قطز.   - إسرائيل تلك الدولة المغتصبة التي تقتل إخواننا في فلسطين، والتي أعدت الجيش الذي لا يقهر، فمن قهرها؟، إنك أنت أيها المصري يوم السبت 10 رمضان 1393 الموافق 6 أكتوبر 1973.   (ارفع راسك أنت مصري). الخطبة الثانية: الحمد لله وكفى، وسلامًا على عباده الذين اصطفى، وأشهد ألا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا رسول الله- صلى الله عليه وسلم-، أما بعد..   * (ارفع راسك أنت مصري).. نعم فمصر منذ أن دخلها الإسلام وأسلم أهلها لرب العالمين، وهي تقدم للإسلام ما لم يقدمه غيرها، وأعظم ما قدمت مصر للإسلام وهو نشر هذا الدين في الدنيا كلها وحفظ تراثه وتعليم أبنائه حتى قال القائل: لا يوجد في العالم بلد ليس فيه فرد تعلَّم الإسلام في مصر، إنه الأزهر الشريف الذي تأسس في 14 رمضان سنة 359هـ/ 970م، والذي تبنَّى المذهب السني بعد سنواتٍ من تأسيسه.   * (ارفع راسك أنت مصري).. فشباب مصر هم الذين فجَّروا ثورة التغيير والإصلاح والبناء والعزة والكرمة يوم الثلاثاء الموافق 21 من شهر صفر عام 1432هـ، الـ25 يناير عام 2011م. فالسؤال الذي يجب أنه يسأله كل مصر لنفسه: ماذا سأقدم لبناء بلدي مصر بعد الثورة؟   أيها المصري، اجلس مع نفسك، ومع زوجتك، وأولادك، وأصحابك، ومعارفك، وأقاربك، وزملائك وأهل بلدك وسألهم هذا السؤال: ماذا سنقدم لبناء بلدنا مصر بعد الثورة؟   غفر الله لنا ولكم وحفظ مصرنا من كل سوء، وولي أمورنا خيارنا، وعافنا مما فعل السفهاء منا. ---------------- * الهوامش 1- تخريج السيوطي، عن جابر بن عبد الله- رضي الله عنه- وقال الألباني حديث حسن، صحيح الجامع. 2- تفسير القرطبي 3- القيراط، كان قبط مصر يسمون أعيادهم وكل مجمع لهم القيراط يقولون نشهد القيراط. 4- رواه مسلم في صحيحه. 5- رواه الطبراني، وذكر في تاريخ مصر لابن يونس واللفظ له. 6- أخرجه ابن عبد الحكم في فتوح مصر، ومن طريقه ابن عساكر في تاريخ دمشق وإسنادُه ضعيف، لأنّ مداره على ابن لهيعة وهو ضعيف. 7- أخرجه الطبري. 8- ابن كثير، البداية والنهاية، السنة الثمانية عشرة. 9- موقع ويكيبيديا، http://ar.wikipedia.org  

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل