المحتوى الرئيسى

المساجد مصانع الرجال

04/10 11:31

بقلم: د. حمدي فتوح والي لا نستطيع ونحن نبحث لأمتنا عن موضع قدم بين أمم الأرض في سباق الحضارات المحموم أن نتصور نهضةً إسلاميةً شاملةً تستهدف أفراد الأمة جميعًا دون أن يكون المسجد هو منطلقها وركيزتها، وباعث نهضتها ومجدد عزيمتها.   وإذا كان المطلوب من الأمة أن تستعيد ذاكرتها، وتصل ما انقطع من تيار الوحي المتدفق على القلوب ليرويها، وعلى العقول لمدها بالجديد النافع في جميع ميادين الحياة، فإن المسجد كان- وما يزال- هو المنطلق لذلك كله.   ومن هنا نستطيع أن نفهم سرَّ التوجيه الإلهي لرسول الله صلى الله عليه وسلم منذ أول يوم بدأ فيه تأسيس الدولة بقوله: ﴿لَّمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَن تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ المُطَّهِّرِينَ﴾ (التوبة: من الآية 108).   ومَن يتأمل الآية الكريمة يجد التركيز على صفة الطهر والتطهر واضحًا؛ لندرك يقينًا أن تطهير القلب من كلِّ مظاهر الشرك، وتنقية النفوس من كلِّ لوثات الهوى، وتخليص العقول من اختلال التصور واضطراب الفهم، كلُّ ذلك كان يمثل الأساس المكين الذي يعين النفس على بداية العمل لصناعة القواعد التي قامت عليها دولة الإسلام، وأنه لا سبيل إلى مخاطبة الأمم من حولنا قبل أن نبدأ ببناء أنفسنا، فنتخلص من كدر الحس، واضطراب الفهم، وقسوة القلب، وتلبط النفس في وحل اللذات والشهوات.   إنها- إذن- مرحلة صقل روحي، وتطهير قلبي، وتهذيب نفسي، تهيئ جميع أجهزة الاستقبال في الكيان الإنساني لمهمته الأولى، وهي التلقي عن الله، ليبدأ من بعدها تكوين العقل والقلب والوجدان والشعور.   وعندما يتم للنفس ذلك، يكون النبع قد صفا، والمورد قد عذب، وعندها سيكثر الزحام على هذا النموذج الفريد والمورد العذب كثير الزحام.   إن المسجد في خطابنا الدعوي ليس مجرد مكان للعبادة أو مواضع للسجود، فالعبادة في الإسلام لا تقتصر على أداء الشعائر، كما يظن كثير من الناس، وإنما العبادة تتسع لتشمل كلَّ نشاط يصدر عن الإنسان قاصدًا به إرضاء الخالق سبحانه وتعالى في كلِّ ما يتعلق بشئون الحياة؛ حتى الأمور التي يجد المرء فيها لذته من التمتع بالمأكل والمشرب والملبس وامتلاك المال والإفضاء بشهوته إلى زوجته، كل ذلك يصير نوعًا من العبادة إذا قصد بذلك كله عمارة الحياة وتسخيرها لله، وهكذا يتسع مفهوم العبادة ليشمل أمور السياسة والإعلام والتعليم وممارسة التجارة والصناعة والزراعة، ما دامت النية تتجه في ذلك كله إلى التمكين للإسلام في الأرض، والتقدم به إلى العالمين، وكما يتسع مفهوم العبادة ليشمل جميع مناشط الحياة، فإن مفهوم المسجد يتسع ليتحول في الإسلام إلى كلِّ ما يشير إلى منظومة القيم الإيمانية التي جاء بها الوحي وتلقاها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبلغها للناس على سبيل التكليف والإلزام، وليس مجرد مكان للسجود، فرسولنا صلى الله عليه وسلم هو القائل: "وجعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا"، فكلُّ مكان طاهر في الأرض هو مكان صالح لأداء وصناعة الرجال.   نجد ذلك في أكثر من موضع في كتاب الله، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ (36) رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالأَبْصَارُ (37)﴾ (النور).   ومَن يتأمل في الآية الكريمة يدرك أن الله تبارك وتعالى ربط بين المساجد والرجولة، والرجولة هنا لا تعني الذكورة، وإنما تعني الشدة والكمال، كما ورد في لسان العرب، ولذا جاء في الحديث: كانت السيدة عائشة رضي الله عنها رَجُلَة الرأي.(1) ومَن يتعقب كلمة "رجل" و"رجال" في كتاب الله يلاحظ ربطًا وثيقًا بين وصف الرجولة والإيجابية والمروءة والمواقف النبيلة، وهي كلها أوصاف تحتاج إليها الأمم عند إعادة البناء، كما يُلاحظ أن غالب تلك المواقف ارتبطت بالمسجد، ففي سورة التوبة: ﴿لَّمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَن تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ المُطَّهِّرِينَ﴾ (التوبة: من الآية 108).   وقد أشرنا إلى دلالة ذلك في أول المقال، وفي آية الأحزاب جاء وصف الرجال بالصدق عند اللقاء والصبر عند ملاقاة الأعداء: ﴿مِنْ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا (23)﴾ (الأحزاب).   وفي سورة النور جاء وصف الرجال بعمق الإيمان وصدق اليقين ودوام المعية، وتصديهم لمعالي الأمور، وترفعهم عن سفاسفها: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ (36) رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالأَبْصَارُ (37)﴾ (النور).   إن مهام الرجولة التي صنعها المسجد لم تعمد إلى تعديد مواقف البطولة والثبات، ولا إلى ذكر نماذج من المروءة والوفاء، وإنما عمدت الآية إلى رصد المظهر الذي يحدد سمات هؤلاء الرجال، وهذا المظهر يدل على خصائص هذه الفئة، فهم رجال تصنع أفكارهم وعقائدهم وتنضج مشاعرهم ومبادئهم في منازل الوحي ومطابع النور، يعرِّضون أنفسهم لشحن يومي دائم بالغدو والآصال، إنها الصلوات الخمس التي يؤديها الرجال بين يدي خالقهم سبحانه فيتلقون منه الود والحب، ويستمدون منه الثقة والقرب، ويشهدونه على قلوبهم، وقد مُلئت إيمانًا وصدقًا، وعلى مشاعرهم وقد شحنت يقينًا وحبًّا، أما ما يشغلهم ويستولي على كيانهم ويستغرق همتهم ويملأ وجدانهم فهو ذكر الله، ويا لشدة حسرتي ومرارتي وأسفي لمفهوم الذكر عند غالب المسلمين اليوم، فهو عند عوامهم تطوح وتمايل وترنح وتواجد وارتفاع وانخفاض، يصاحب تلك الحالة حادٍ خبير بما يحمس القوم من إيقاع بالدف وعزف على الناي وانقباض وانبساط، حتى إذا اشتد بالقوم التعب وأخذتهم حالة من الدوار والإغماء فسقط كالذي يتخبطه الشيطان من المسِّ لا يدري بِمَن حوله ولا يفقه ما يقول يُعدُّ في نظر أقرانه من العوام وليًّا أدركته العناية وأخذته الجلالة، وكم باسم الجهل والبدع ترتكب الخطايا وتقع الموبقات؟.   فإذا تركنا العوام وما يفهمونه عن الذكر لننظر إلى فهم العقلاء والمثقفين رأينا الذكر عندهم ترديد لجملة سبحان الله أو الحمد لله.. دون وعي بمضمونها أو إدراك لمغزاها مع استغراق في كثير من الأحيان بالتفكير في أودية الدنيا.   أما الذكر الذي ينتج هذا النوع من الرجال فهو الذكر الذي يثمر معية دائمة والتزامًا كاملاً، ومعايشة حميمة لهموم هذا الدين والعمل له، لا ينشغلون عنه بهموم شخصية أو بمآرب دنيوية، أو التحصيل لحظوظ النفس من الأموال والأولاد والرياش والمتاع.   وإنك لتلاحظ معي في وصفهم بالانصراف عن الاستغراق في هموم البيع والتجارة أنه انصراف عن شيء مباح، وأن هذا النوع من الانشغال لا يقدح في دين المرء ولا أمانته، لكنهم مع هذا ليسوا من هذا الصنف العادي الذي يرضى من الدنيا بمتاعها الفاني، وتقف همته عن حظوظ نفسه، وإمتاع جسده، وتنعيم أهله، والعيش في قوافل الآكلين والشاربين، المنصرفين عن هموم الأمة وتأكيد وجودها، والجهاد من أجل إعادة كيانها ومجدها، وإنما هم طراز من البشر همتهم عالية، ونفوسهم سامية، وحياتهم غالية لا ينفقونها إلا في معالي الأمور: ﴿لاَّ تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلاَ بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ﴾(النور: من الآية 37)، وذكر الله- كما ينبغي أن يكون- هو حالة من الحضور الدائم مع الله تجعل القلب في وجل، والروح في نشوة، والنفس في انشراح، والضمير في أمان واستقرار.   وهذه الحالة من المعية الدائمة مع الله، هي التي تحفز للجهاد في سبيله، والتضحية بالنفس والمال والولد رغبةً في الوصول إلى رضاه سبحانه وتعالى.   إنها الحالة التي جعلت رجلاً مثل "عدي بن زيد" يقول وهو يساوم على الموت أو الردة عن هذا الدين:   ولست أبالي حين أقتل مسلمًا   على أي جنب كان في الله مصرعي وذلك في ذات الله وإن يشأ   يبارك على أشلاء شلو ممزع وجعلت رجلاً مثل صهيب بن سنان الرومي، ينزل عن ماله وأهله وولده، عندما رأى أن ذلك هو الثمن لهجرته إلى الله، وفيه نزل قوله تعالى: ﴿وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ (207)﴾ (البقرة).   وجعلت امرأة مثل "أم سلمة" تخرج كل يوم فتقعد على فم الطريق الموصلة إلى المدينة، وهي تبكي شوقًا إلى الهجرة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعندما رقَّ لها بعض أهل مكة وسعى في إخراجها، ساوموها على أن تترك ولدها لهم فتركته، وخرجت تقطع الرمضاء إلى مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد عامٍ كاملٍ من البكاء والحنين.   إن الرجال الذين لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله، هم صنف فريد من البشر، يمثلهم لنا الصحابي الجليل الزبرقان بن بدر؛ ففي أخبار الأدب المشهورة: أن الحطيئة الشاعر هجا الزبرقان بن بدر رضي الله عنه فقال:   دع المكارم لا ترحل لبغيتها واقعد فإنك أنت الطاعم الكاسي فهاج الزبرقان وماج، وأرغى وأزبد، وشكا الأمر إلى أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه، فسأل عمر حسان بن ثابت شاعر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يبين له ما في قول الحطيئة من هجاء، ولم يكن ذلك عن جهل من أمير المؤمنين بمرامي الكلام، فأجاب حسان بما عناه: أن الأمر أفحش من الهجاء، وأن أقذع الهجاء لأهون من هذا بكثير، إنه لدنس صبّه الحطيئة على الزبرقان لا تقوم به كرامة؛ فقضى عمر بحبس الشاعر في سجن مظلم، فجعل الحطيئة يستعطف أمير المؤمنين ويعتذر للزبرقان، ويذرف دموع الندم قائلاً يشكو حاله وبؤس أطفاله يخاطب أمير المؤمنين بقوله:   ماذا تقول لأفراخ بذي فرخ   زغب الحواصل لا ماء ولا ثمر ألقيت كاسيهم في قعر مظلمة   فاغفر عليك سلام الله يا عمر فعفا عنه عمر، بعد أن استوثق منه أنه لا يعود إلى مثلها وإلا قطع لسانه. إنني على يقين أنك ستعجب لانفعال الزبرقان وغضبه الشديد، وربما لا توافق حسان بن ثابت الرأي فيما قاله عن الحطيئة، وأنك ستعجب أكثر للحكم الذي أصدره أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه؛ لأنك لا ترى أن الأمر على هذا القدر من الخطورة والإضرار، لكنك لو استشعرت مدى الفارق بين إنسان يعيش لنفسه، ويجعل غايته همته فيما ما لا يبقى من طعام يفنى وثوب يبلى، وإنسان لا يجد سعادته ولا يشعر بوجوده إلا بأن يربط الناس بربهم، ويدلهم على حقيقة وجودهم ويطمئن إلى وضوح معالم الحق في أعينهم، وإلى سلامة الطريق التي يسلكونها إلى خالقه؛ فيسعد لسعادتهم، ويشقى لشقائهم، إنه الفارق بين القلب المعلق بربه، الآنس بخالقه العامل لآخرته، المطمئن إلى مولاه، ومَن يعيش محجوبًا عن ربه، مسجونًا في شهواته، متخبطًا في حياته، متلبطًا في وحله، وذلك أن تتصور أمة مجموع أفرادها من هذا الصنف الأخير غاية همتهم توفير المآكل والمشارب، وتأمين المساكن والمراكب، فإذا بلغوا غايتهم من ذلك شعروا بالرضا وأظهروا الارتياح، ماذا سيكون حال القيم والمبادئ والأخلاق والأفكار؟، وإذا كانت همتهم قد انتهت عند تلك الشهوات الدينية فَمَن للحق ينصره؟، ومَن للدين ينشره؟ ومَن للأخلاق يعليها؟ ومَن للفضائل والعقائد يحرسها ويحميها؟.   لقد أدرك الأستاذ البهي الخولي في هذه القصة معنيين بارزين: الأول: أن الحطيئة كان خبيرًا بالحياة، وأنها ذات وجهان أو غايتان، غاية خسيسة يعيش عليها الأدنياء، وغاية شريفة يحيا لها الفضلاء، فالأولون يرون سعادتهم لذة المطعم والملبس وكفى، والآخرون يجدّون لتحصيل زادهم من الفضيلة، ومتاع نفوسهم من الخير والحق، وهذا هو ما كانت تقوم عليه الحياة فعلاً في ذلك العهد العمري الزاهر.   أما المعنى الثاني الذي يبرز في هذه القصة، فهو أن شعور الرأي العام كان شديد الحساسية بالفارق العظيم بين الغايتين، فكان أحدهم يسمو بهمته أن تنضمر في مطالب المعدة وترف البدن، ويفزع أن يوصم بين الناس بهذه الوصمة القاصمة؛ وإلى مكان هذا الفزع سدد الحطيئة ضربته القاسية إلى غريمه، أو صبَّ عليه دنسًا لا تقوم به الكرامة على معنى ما قال حسان رضي الله عنه.(2)   ومن هنا ندرك المعنى الإيماني العظيم لقول ربنا سبحانه يصف الرجال بأنهم ﴿ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالأَبْصَارُ (37)﴾(النور)، بينما يصف طائفة أخرى من البشر، أخطئوا الطريق إلى هذا المعنى العظيم، بأنهم: ﴿يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ﴾ (محمد: من الآية 12).وتدرك الفارق أيضًا بين الأمة العالمة العاملة، والأمة الجاهلة الخاملة.   ------------------ الحواشي: (1) لسان العرب، مادة: رجل، ص1596، ج3. (2) تذكرة الدعاة، البهي الخولي، ص22.

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل