المحتوى الرئيسى

ثقافة الدولة المدنية

04/10 23:19

أعتقد أن سببا رئيسيا من أسباب الفتن الطائفية الأخيرة‏,‏ ناهيك عن عمليات التديين الخطيرة‏,‏ التي كادت تخرج الاستفتاء الأخير علي التعديلات الدستورية من مجراه‏,‏ وتنزعه من هدفه‏,‏ هو غياب الوعي الكافي  بمعني الدولة المدنية ومبادئها العامة ولوازمها, وقد رأينا, ولا نزال نري, مايترتب علي هذا الغياب, أو التغييب, بسوء أو حسن نية, من كوارث وضحايا من مسلمين ومسيحيين علي السواء, ولذلك لابد من إعادة التوافق علي أن الدولة المدنية هي الدولة التي يحكمها دستور يصوغه المواطنون علي أعينهم, يكون مرجعا لهم في حياتهم الدنيا, تحقيقا لآمالهم, وتجسيدا لمصالحهم, وعونا لهم في الوصول الي تحقيق أحلامهم في غايات التقدم التي تتنافس فيها أقطار الكرة الأرضية كلها. وعندما نقارن بين دساتير العالم المتقدم في الغرب والعالم المتقدم في الشرق, نجد أنه لا خلاف جذريا في جوهر هذا الفهم الذي حرصت, ولا أزال, علي تقديمه للقراء العرب كي يعوا, وللحكومات الاستبدادية كي تتعظ, ومن ثم كان تشجيعي علي ترجمة أهم دساتير العالم الغربي والشرقي, ابتداء من الولايات المتحدة الي الهند, ومن إنجلترا الي تركيا, وغيرها كثير. وقامت بهذه المهمة الشاقة أماني عبد الحميد, بوصفها من كبار المترجمين في الأمم المتحدة, وهي خبيرة بهذه الدساتير بحكم عملها, وقد أعطينا المجلد الأول لصديقنا الدكتور يحيي الجمل بوصفه أستاذا ضليعا في القانون الدستوري, فأعد مقدمة سريعة, لأنه لم يكن قد اطلع, ساعتها, إلا علي الجزء الأول, واستمرت الترجمة سنوات, وأثمرت ستة مجلدات الي الآن, في المركز القومي للترجمة, وعندما يكتمل المشروع كله, يصبح أهم مرجع يمكن ان يعتمد عليه أساتذة القانون الدستوري المقارن, ولكن ماصدر من ستة مجلدات عن المركز القومي للترجمة لابد أن يراجعه كل مهتم بكتابة دستور جديد لبلادنا, فنحن لا نخترع العجلة من العدم, وإنما نتبع خطي دول سبقتنا الي التقدم, وظلت تعاني طويلا من مشكلات الطائفية وكثافة السكان والفقر, والجهالة وثقافة التخلف. ولكنها سبقتنا وقفزت قفزات هائلة في طريق التقدم, وأحالت الكثافة السكانية الي مصدر للقوة, والطائفية الي وحدة وطنية ناهضة, والجهالة الي ثورة علمية لا تتوقف عن التصاعد, وذلك ماحدث في الهند والصين وكوريا وماليزيا وفي تركيا الاسلامية التي يحكمها حزب الرفاه الذي لم يمنعه تمسكه بقيم الاسلام, بل حتي بحجاب المرأة المعاصرة, من أن يؤكد مدنية الدولة, ويصل بتقدم وطنه, صناعيا واقتصاديا, الي أن يصبح قوة تنافس علي عضوية السوق الاوروبية المشتركة, وتقتحم باقتصادها دول الجوار, ابتداء من الخليج, مرورا بنا, وانتهاء بليبيا وبقية الساحل الافريقي الي أعماق القارة وغيرها. وليتنا نتعلم من تجارب هذه الدول, ونبدأ في تأمل دساتيرها التي أعانتها علي دخول عالم الأقوياء بجدارة. وما أريد توصيله من هذه المعلومة قاعدة بالغة الأهمية بالنسبة الي جماعات من الناس الذين أغلقوا مابينهم والعالم المتحول حولنا, فلا يزالون يتوهمون أن الدولة المدنية هي الكفر, وهي إنكار الأديان والعقائد, ولم يتردد بعض هؤلاء في ضمي الي حمأة الضالين, وجاء بعدهم من السلفيين الجدد من اتهم دعاة الدولة المدنية بأنهم أصحاب الأهواء والبدع, وأنهم حزب الشيطان وجند إبليس في الأرض, ولم يدر هؤلاء أنه حتي الدولة المدنية التي تحكمها دساتير بشرية, مثل إنجلترا والولايات المتحدة وفرنسا وإيطاليا وغيرها, برغم أنها تنفي عن نفسها أي مرجعية دينية, لاتزال تحترم كل الديانات والمعتقدات لكل المواطنين, وأنها تسمح لهم ببناء دور عبادة من كل دين, بعيدا عن المذهبية أو إنكار أي دين, ولذلك وجد صنوف الشيعة مراحهم في هذه الأقطار, ووجد المتطرفون المسلمون من منحهم الجنسية وأماكن التعبد في إنجلترا قبل أن يلدغوها كما تفعل الأفاعي والعقارب, وقد هجنا وثرنا في عالمنا العربي المسلم عندما منع أحد البلدان الاوروبية الارتفاع البالغ لمئذنة, ولم نسأل أنفسنا: هل نسمح ببناء دار شيعية للعبادة كما يحدث في إيران؟ أو مسجد للإباضية أو الأزارقة كما في مسقط؟ مع أن الدولة المدنية الغربية اللادينية( تخيل!) تسمح بذلك وتشجع عليه. ولم نسمع عن دولة مدنية ديمقراطية في الغرب أظهرت اضطهادا لدين, أو عدم احترام للعبادات الخاصة بالمواطنة, خصوصا في الزمن المعاصر, فالمواطنة مبدأ مقدس في هذه الدول. وهو مبدأ يؤكد التسوية بين كل من يحمل جواز سفر الدولة, بغض النظر عن العرق, أو الجنس, أو اللون, أو الدين, أو العقيدة الشخصية أيا كانت, ومثال ذلك الدستور الهندي الذي لا أزال أراه من أروع الدساتير التي عرفتها, ولاأزال أحتفظ بالنسخة الفخيمة التي أهدتني إياها رئيسة برلمان الهند في زيارة رسمية الي بلدها. والحق أنني لا أزال لا أفهم لماذا لا يعلن حزب الوسط, بزعامة الصديق أبو العلا ماضي, عن أن نصه في مباديء حزبه علي المرجعية الاسلامية إنما يستهدي بحزب الرفاه الذي وصل بتركيا إلي أولي درجات التقدم ؟ وهل يمكن, حقا, أن تمضي العقلية الإخوانية بحزب الحرية والعدالة الذي تعمل علي تأسسيه جماعة الإخوان المسلمين بتنازلها التام عن معتقد الدولة الدينية الذي أرجو أن تستبدل به, حقا, معتقد الدولة المدنية علي طريقة حزب الرفاه, وتعمل حقا علي تحقيق الحرية التي تعني ـ فيما تعني ـ حرية الاعتقاد, وحق تقرير المصير, فضلا عن حق الاختلاف, وحرية الاجتهاد المفتوحة بلا قيد في العلم البحت والفكر المدني والديني علي السواء جنبا الي جنب العدل الاجتماعي الذي يعني المساواة الكاملة بين المواطنين وعدم التمييز بينهم علي أي أساس, واحترام حقوقهم الإنسانية, وتطلعهم الي ممارسة الحرية الكاملة التي لا تتجزأ, والعيش في ظل عدل بلا تمييز, وفي اتجاه متصاعد من التقدم الذي لا حد له ؟ ولعله قد اتضح, الآن, أنه إذا كانت المواطنة هي المبدأ الأول لأبناء الدولة المدنية, فإن المواطنة تعني عدم التمييز بين المواطنين علي أي أساس كان. ومن ثم احترام أديان طوائف الشعب ومعتقدات الأفراد وعلي كل مستوي, فلا فارق بين كاثوليكي أو بروتستانتي أو إنجيلي أو غير ذلك في المسيحية, ولا بين سني أو شيعي أو أزارقي أو إباضي في الديانة الاسلامية, أو بين متدين أو غير متدين, ماظل الكل سواء أمام القانون في الحقوق والواجبات, والكل يفدي وطنه بحياته, تماما كما حدث في الحروب التي خاضها, وكما اختلط الدم المسلم بالدم المسيحي في ضحايا الشباب والشابات الذي حصدتهم رصاصات زبانية العادلي, وهم الذين دفعوا زملاءهم من شباب الاخوان الي الهتاف معهم هتافات صادرة عن القلب: مدنية مدنية. ولم نسمع هتافا ذا طابع ديني قط, لأن ثورة التحرير كانت ثورة مدنية ديمقراطية من أجل دولة مدنية ديمقراطية, تسقط نظاما استبداديا قديما, كي نستبدل به نظاما جديدا ديمقراطيا, يقوم علي تداول السلطة. ولا أعرف كيف تابع بعض السذج مشايخهم في تديين استفتاء يقوم علي تعديل مواد قديمة في الدستور بمواد حديثة, كل مافيها يؤكد مدنية الدولة, وتداول السلطة, والأخذ في ذلك بالدستور الأمريكي الذي يحدد ولاية الرئيس بأربع سنوات غير قابلة للتجديد إلا مرة واحدة. هل هذا تعديل يوحي بإمكان تديينه ؟ وما دخل الدين في تعديل مواد ليس فيها المادة الثانية من الدستور القديم التي تنص علي أن مباديء الشريعة الاسلامية هي الأصل في التشريع ؟ وهي مادة لم يتم الاستفتاء علي تعديلها. وقد أفتت المحكمة الدستورية العليا أن المقصود بمباديء الشريعة الاسلامية هي المواد قطعية الدلالة والثبوت. وهي مباديء كلية محدودة العدد. المؤكد أن الأمر لم يكن غيرة علي دين, وإنما خوف علي مصالح سياسية, واستخدام الدين بوصفه مجرد قناع لها, وهذا هو أكثر أشكال التديين إسفافا وخطرا. ولكن لنخرج من مباديء المواطنة وعدم التمييز, واحترام الدين والعقائد, ومايستندان عليه من الحرية والمساواة, الي ما لا يقل عنهما أهمية في ثقافة الدولة المدنية, وهو استبدال ثقافة التقدم بثقافة التخلف, وذلك بكل المعاني التي ترتبط بها قيم التقدم, وأولها التفكير العلمي الذي يعني الايمان بأن العلم هو الطريق الي التقدم الذي لا نهاية له, أوحد, وأول شرط له تجنب الوقوع في أسر الخرافات والخزعبلات, والايمان بحق الاختلاف, واختلاف العقول في التفكير العلمي باعتباره درجات للصعود الذي يبني عليه السابق علي اللاحق باختيار ما قاله أو الاضافة إليه بالحوار مع معاصريه. وكل اجتهاد في هذا المجال مثاب عليه حتي في حالة الخطأ. فالخطأ أول الصواب. ولذلك كان لكل مجتهد أجران إذا أصاب وأجر واحد إذا أخطأ. ولهذا نادي طه حسين بما أسماه حق الخطأ في العلم والفكر الإنساني, حيث النسبية هي الأصل, وليس ثم مطلقات, وهو الأمر الذي ينبغي أن ينتقل الي الحوار الفكري القائم علي المساواة والاحترام, فلا فكر أعلي من فكر, ولا فكر يحجر علي فكر. ويتسلل المبدأ الديمقراطي الي هذا الجانب فمن اختلف معك ليس عدوا لك, وليس من حقك اتهامه أو تخوينه, كما يفعل الأصوليون الفكريون من كل نوع, أولئك الذين لا يسمعون سوي صوت أنفسهم, متهمين, دائما, كل من يختلف معهم, ناسين بذلك أن غيرهم له الحق نفسه في التعبير عن فكره, وأن المصادرة عليه, أو محاولة إلغائه بأمور غير عقلانية إنما هي الجهل بعينه. وماأكثر مانري حولنا من نماذج الذين لا يملكون سوي حيل الجهال التي تتخيل أنها تصرف العفاريت بدعوات كالتي يطلقها المشعوذون, فلا يثيرون سوي الضحك والاستهزاء, ولا معني لذلك في حوار العقلاء, فالحوار أداة الأكفاء, وسبيل الوصول إليه, أولا, نوع من التوافق الاجتماعي يحقق المراد. وأعتقد أن الخطأ الوحيد الذي ارتكبه المجلس العسكري الأعلي أنه طرح التعديلات الأخيرة للاستفتاء المباشر, قبل طرحها للحوار علي عقلاء الأمة ومثقفيها, وفي الصدارة منهم الشباب الذين صنعوا الثورة, وأصبحوا يشعرون أن الثورة تسرق منهم. وماذا كان يمكن أن يضير خارطة طريق التغيير لو كنا استبدلنا بالاستفتاء الاستماع الي عقلاء الأمة وممثلين من المثقفين في جلسات محدودة, في أيام معدودة تكون استرشادية, فنفيد من الحوار قبل دخول الاستفتاء, وتحويل المواد المعدلة الي مجموعات منفصلة, يتم التصويت علي كل منها في الورقة نفسها بدل حشو المواد كلها في مجموعة واحدة, تحت ضغط الرغبة في إعادة الاستقرار. وصدقوني لن يعيد الاستقرار, إلا الحوار الذي يوضح الملتبس, ويكشف عن المضمر, ولا يضعنا في أهواء متعارضة, تتصارع لوجه منافعها, وليس وجه الله والوطن الذي ينبغي أن يبقي فوق الجميع, بعيدا عن التديين أو التمييز أو تقليص مبدأ الحوار الذي هو من أهم مباديء الدولة المدنية وثقافتها القائمة علي التفكير العلمي واحترام حقوق كل إنسان ومطالبه, حتي لا نبدو, كما لو كنا نحابي فئة علي فئة, أو تيارا وطنيا علي آخر. إن التوافق الوطني هو الأهم في هذه المرحلة, وهو ناتج الحوار بين كل القوي الوطنية وفئاتها, وعلي رأسها فئة الشباب التي قادت, وألهمت, وضحت بأرواحها. والحق أن المعني المضمر في كل مباديء الثقافة المدنية هو ارتقاء بالانسان, وارتقاء بمشاعره, وإرهاف لحواسه, وتعميق لاحترامه لجمال المظهر والجوهر, والمؤكد أن الذين قاموا بتنظيف ميدان التحرير بعد انتهائهم من إسقاط النظام القديم هم مثال لجمال المظهر والجوهر للثائر الحقيقي الذي يؤمن حقا بالدولة المدنية, تلك التي أكدوا ثقافتها في التعامل مع بعضهم بعضا, خلال ثمانية عشر يوما, أبدعوا فيها بالكلمة واللون واختراع الشعارات والنكت, والتمثيل والغناء, وكانوا, في ذلك كله, مقاتلين أشداء لزبانية النظام, سقط منهم من سقط شهيدا أو جريحا, لكنهم لم يتراجعوا أو يهربوا, وإنما ظلوا علي ما آمنوا به, وماأصروا علي تحقيقه مما كان أعلي من سقف خيال الاصلاحيين أمثالي. هؤلاء كانوا نموذجا لجمال الظاهر والباطن, ومثالا علي احترام حقوق من يخالفهم فكريا, فلم يقابلوا إلا باحترام وتعاون رفاق الميدان من إخوان وماركسيين وليبراليين وناصريين. وكان احترامهم لإنسانية بعضهم الوجه الآخر من احترام الحرية وتقبل الاختلاف بينهم في الميدان, ومع الذين كانوا خارج الميدان. وعندما انتهت الثورة الي النجاح, وتعجل المجلس الأعلي للقوات المسلحة في طرح المواد التي وافقوا علي أكثرها دون أقلها, اكتفوا بالتعبير عن رأيهم سلميا, هم ومن تعاطف معهم, بالطرق المشروعة, موضحين النتائج التي يمكن أن تترتب علي التعجل, وذلك في فعل ديمقراطي, لم يخرج قط عن الشرعية الثورية, في الوقت الذي كان يقوم فيه غيرهم بتديين الاستفتاء لمصالح سياسية ضيقة, مؤكدا أنه لم يتعلم من النموذج الذي ظل متوهجا في ميدان التحرير لثمانية عشر يوما, مقاوما التديين والتسييس وضيق الأفق علي السواء, فظل هؤلاء الشباب نموذجا لثقافة الدولة المدنية, من حيث احترام المواطنة وعدم التمييز, والالتزام بالديمقراطية واحترام حقوق الانسان, والاعلاء من شأن الديانات بلا تمييز بين مسلم ومسيحي, أو بين إخواني وماركسي, مقدمين المثل علي تكامل الجوهر والمخبر, مؤكدين قيمة الإنسان بوصفه صانع القيم الذي يصوغ الدولة المدنية علي عينه, كي يحقق أحلام بني وطنه التي ستحقق بإذن الله, وبفضل يقظة الشباب الذي أصبح ضمير الأمة الحي, حتي وإن كره الكارهون. المزيد من مقالات جابر عصفور

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل