المحتوى الرئيسى

فى مديح أبناء الطوارئ

04/10 08:21

عندما تطول مدة القلق، ويستمر مسلسل الثورة المضادة السخيف، ننقسم إلى فريقين: أحدهما ينعى أن «الثورة اتسرقت خلاص» والآخر يتمسك بأهداب الأمل مؤكدا أنه متفائل وأن الثورة مصيرها النجاح. وإن سُئل هذا المتفائل عن أسباب تفاؤله، تلعثم وتخبط وحاول أن يجد دليلا دامغا للتفاؤل بالرجوع إلى ما تحقق من إنجازات. وسواء أقنع من يحدثه أم لا فالقلق يتسلل إليه فى عتمة الأحداث الآنية. ولهذا المتفائل القلق أوجه حديثى اليوم فى محاولة لدعم تفاؤله. وما أريد الحديث عنه هو «جيل الطوارئ» الذى- من باب المفارقة- دعا إلى 25 يناير وأصر قبلها، رغما عن إحباط الأجيال السابقة له، على المقاومة. جيل الطوارئ هم من ولدوا فى العصر غير المبارك لحالة الطوارئ التى فرضها مبارك منذ عام 1981 وحتى الآن، وقد تعرض هذا الجيل إلى عوامل تعرية إنسانية كان هدفها تكسير الزرع قبل أن يشب عوده وتسميم التربة والهواء والماء التى سينمو فيها هذا الجيل. لقد شهدت الثمانينيات وما بعدها انهيارا غير مسبوق فى مستوى التعليم الذى عمل جاهداً على تخريب الطاقات الإبداعية للطفل وتسميم القيم العليا. إنه التعليم الذى دس أطنانا من السم فى عقول هذا الجيل دون عسل يذكر فكرس لقيم التفرقة بين الجنسين وأسس للطائفية وزور التاريخ، ومن مطرقة التعليم الفاسد المفسد عمدا إلى سندان الإعلام الفاسد المفسد عمداً. فبعد أن كان الإعلام فى عصر ما بعد ثورة 1952 يضطلع بدور تنويرى وتثقيفى وهو على يقين أنه إحدى دعائم المجتمع القوى، أصبح إعلام السادات هو منبر شيوخ الفضائيات الذين لم يرحلوا من أمام الشاشة حتى اليوم. ولم تكن هالة النجومية حول الخطاب الدينى إلا مقدمة ضرورية لاستخدام هؤلاء لقتل اليسار والدعاية لرئيس «مؤمن» وتخويف الشعب والمعارضة. لكن جيل ما بعد 1981، الذى كبر فى خواء مسمم، طور بشكل عفوى وحتمى من آليات مقاومته لهذه السموم المتسربة من بين صفحات الكتب وهواء الفضائيات وأركان المجتمع، ولأنه لم يشم رائحة الصدق فى الجو العام فقد دفعته الفطرة السليمة للبحث عنها. لم يكن أحد المدونين الذين كتبوا مدوناتهم منذ أوائل الألفية يسمى التدوين فعل مقاومة. لقد كان يبحث عن نفسه وسط ركام حكم الطوارئ المفسدة. لكن الناقد عندما يحلل ظاهرة التدوين، التى سرعان ما تطورت إلى أشكال عدة بدخول التدوين البصرى والصوتى، يتبين له حالة مقاومة لا تختلف فى جوهرها عن مقاومة المصرى للاحتلال الأجنبي. لقد استخدم هذا الجيل ما منحه له العالم الافتراضى للإنترنت كى يبنى هوية غير افتراضية بالمرة. ورغم رفضى لتوصيف «ثورة الشباب»، إلا أننى أعرف يقينا أن أبناء الطوارئ هؤلاء هم من ظلوا على تمسكهم بحلم الحرية حتى مع القبض والتعذيب والقتل، إنهم من ظلوا يطلقون شرارات الاحتجاج المتتالية إلى أن وقعت إحداها فى المكان والوقت الصحيحين وأشعلت الثورة. فيا أيها المتفائلون اعرفوا أن أبناء الطوارئ باقون فى المقدمة ونحن وراءهم. كلنا ثقة فى حلمهم الذى هو أكبر وأجمل من صراع الديوك الذين حاولوا اختزال الثورة فيمن مع، ومن ضد الله؟!. إن من استطاع بناء هوية رغما عن حكم الطوارئ بإمكانه أن يعيد بناء وطن رغماً عن الثورة المضادة.

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل