المحتوى الرئيسى

سوريا بين المواجهة والحريات الديمقراطية

04/10 04:15

علي جرادات القمع الدموي المرعب لبدايات الحراك الشعبي السوري، ووصمه بالمؤامرة الأمريكية الصهيونية، أمر مثير للدهشة والاستغراب، خاصة أن مطالبه لم تتجاوز تنفيذ إصلاحات سياسية واجتماعية واقتصادية، أقرّ النظام بمشروعيتها، وكان قد وعد بتحقيقها منذ زمن طويل، علماً بأنها حق للشعب السوري، وليس مِنّةً يمنحها النظام أو تنازلاً يقدمه . فمطالب إلغاء قانون الطوارئ، وإنهاء هيمنة “الحزب الواحد القائد للمجتمع والدولة”، وسن قانون عصري يتيح تشكيل الأحزاب وتنافسها الديمقراطي، وإطلاق حريات الصحافة والتنظيم والتظاهر السلمي، ومحاربة الفساد والبطالة والفقر والثراء الفاحش، هي مجرد الحد الأدنى من متطلبات النظم الديمقراطية، وبات حرمان الشعوب منها من مخلفات ماضٍ تجاوزها التاريخ والعصر . بل إن خصوصية سوريا المتمثلة في استمرار المواجهة مع الكيان الصهيوني وتدخلاته المسنودة أمريكياً، تقتضي التسريع في تطبيق هذه الإصلاحات، لا القفز عليها أو التسويف بشأنها والتحايل عليها، أو تقنينها وإعطاؤها بالقطارة، ذلك للأسباب التالية: 1- مع الإقرار بأن التآمر الصهيوني الأمريكي على سوريا ما زال قائماً، بل، وملموساً، خاصة من خلال العبث في خاصرتها اللبنانية، إلا أن اتهام بدايات الحراك الشعبي السوري بالتآمر الخارجي، يعد تجنياً لتبرير المعالجات الأمنية القمعية القاصرة، فضلاً عن أنه بات اتهاماً عتيقاً، ولم يعد ينطلي على كل من له عقل يستخدمه، أو على كل من له عينين يشاهد بهما صوراً تبثها شاشات الفضائيات ومواقع النشر الإلكتروني العصرية السريعة والعصية على التحكم، هذا ناهيك عن أن بدايات الحراك الشعبي السوري تأتي في سياق حراك شعبي عربي واسع، أخطأ النظام السوري في الاعتقاد أنه استثناء على هذا الصعيد . 2- إن تحقيق الإصلاحات الديمقراطية في سوريا كما في غيرها من الأقطار العربية، هو السلاح الأمضى لتعرية التدخلات الأمريكية بذريعة نشر الديمقراطية والحريات، فيما الهدف تعميق التبعية ونهب المقدرات وتدمير الدول وضمان تفوق الكيان الصهيوني على ما عداه من قوى المنطقة ودولها . وهنالك درس كبير في استخدام تغييب صدام للحريات الديمقراطية في العراق ذريعة لتدميره كدولة، لا كنظام وسلطة فقط . وللأسف أن تسير ليبيا الدولة هذه الأيام نحو المصير ذاته، بفعل شن القذافي للحرب على شعبه، الذي صبر على ويلات غرائب نظام حكمه وعجائبه أربعة عقود ويزيد . 3- في أقله، فإن الشعب السوري ككل الشعوب، ليس أقل وطنية وقومية من نظامه، ومن شأن حصوله على حقه الطبيعي في الحريات الديمقراطية أن يعمق انتماءه المعهود للوطن والأمة واستعداده للذود عنهما في وجه التهديدات والمؤامرات الخارجية، القائم منها أو القادم . وحجة باطلة، وافتراض مفتعل، القول إن الشعوب لا تتشبث بقضاياها الوطنية والقومية إلا إذا كانت مقموعة وخاضعة وجائعة، فإن العكس هو الصحيح وفقاً لشواهد التاريخ . 4- إن إطلاق عنان الحريات الديمقراطية للشعب السوري من شأنه أن يعزز منعة الدولة السورية في مواجهة الكيان الصهيوني وتحالفه الأمريكي الاستراتيجي، ذلك أن حصر قياس منعة الدول بما تمتلكه أنظمتها من عوامل قوة عسكرية وأمنية، هو قياس ميكانيكي لا يعي، أو لا يريد أن يعي، أن القياس الأعمق والأدق والأشمل لمنعة الدول يشتمل أيضاً على ما تمتلكه من عوامل قوة سياسية واجتماعية واقتصادية وعلمية، كعوامل لا يحققها إلا إطلاق الحريات الديمقراطية للشعوب . وهنا تحضرني مطالعة كان قدمها المرحوم الدكتور جورج حبش في أواسط ثمانينيات القرن المنصرم، وتم نشرها في كراس تحت عنوان “نحو فهم أعمق وأدق للكيان الصهيوني”، أكد من خلالها عدم دقة قياس عوامل قوة هذا الكيان الغاصب بما يمتلكه من عوامل قوة عسكرية وأمنية وحسب، وأشار إلى ضرورة احتساب ما يمتلكه من عوامل قوة أخرى، تتيح له تفجير كامل طاقاته، وتسخيرها في صراعه الخارجي، بدءاً بإشراك المرأة في المواجهة وعدم حبسها في البيت والمطبخ، مروراً بإعلاء شأن البحث العلمي ودعمه بموازنات خيالية، وتحويل إنتاجه النظري إلى تطبيقات عملية في كافة المجالات العسكرية والأمنية والصناعية والزراعية إلخ . . . وعرج على تجنيد حريات الصحافة والتنظيم والمعتقد والتفكير والتنوع والتعدد في معارك المواجهة الخارجية، وصولاً إلى استعمال الديمقراطية السياسية الليبرالية والتداول السلمي للسلطة، كوسيلة لمنع تفجر تناقضاته الداخلية، وما أكثرها، بل وتحويلها من عامل ضعف كامن إلى عامل قوة في ما قام عليه من تطهير عرقي قل نظيره، وفيما شنه، ولا يزال، من حروب لتكريس كيانه الاستعماري الاستيطاني الاقتلاعي الابتلاعي . قصارى القول، إن على النظام السوري أخذ ما تقدم في الاعتبار، ذلك لأن إطلاق الحريات الديمقراطية لا يتعارض مع الموقف الوطني، بل يعد شرطاً لازماً لتعزيزه ودعمه، وهذا لا يتيحه إلا أن يكون الشعب هو من يعطي السلطة ويراقبها وينزعها بشكل دوري، بعيداً عن صيغ “الحزب الواحد” و”القائد الأوحد”، وما تفضي إليه من تعفن واحتقانات تلد كل أشكال التفتيت السياسي والطائفي والمذهبي والإثني، وتشكل تربة خصبة للاستثمار الخارجي وتدخلاته، فمن داخلها تُقتحم القلاع . وبالملموس على حصان غياب الشرط الديمقراطي الداخلي ركبت بدعة الفوضى الأمريكية “الخلاقة” لكل أشكال الفتن السياسية والطائفية والمذهبية والإثنية في الوطن العربي، وهو ما لا نتمناه، كما لا يتمناه أي مواطن عربي لسوريا . ففي نهاية المطاف تبقى سوريا الدولة أهم وأبقى من تبدلات نظامها وسلطتها وأحزابها ورئيسها، إذ في أقله قيل “لا حرب من دون مصر”، و”لا سلام من دون سوريا” . وبكلمات نقول “عمار يا سوريا يا درة الشام” . * نقلا عن "الخليج" الإماراتية

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل