المحتوى الرئيسى

هاني شكري يكتب: كده.. طب بس أروح أتحزب وأجيلِك

04/09 18:16

ملعون الزمن الذي جعل استفان روستي يطلب الرقص من "مدااام" فردوس محمد وترفضه، ومثله الزمن الذي يقبض على الوطن من رقبته وينظر لك قائلاً: "هتتحزب ولا ندبحهولك؟  الواقع يقول أن حكامنا الأشاوس في الستين عاماً الأخيرة تركوا لنا دولة هشة خالية من أدنى مظاهر الحياة السياسية المحترمة، وأن الجميع يتخبط ويتمنى بشكل من الأشكال أن نكتشف فجأة أن الشعب الحكيم لن ينخدع لا بالحزب القديم ولا بالداعية اللئيم ولا حتى بمجلس العسكر المهاب العظيم، وأن مصر – سواء شاركنا أو لم نشارك – يحميها ملاك حارس من كل شر، وأنها دولة مؤسسات لا تنهار برحيل رئيس، وأننا يمكن أن ننام مستريحين واثقين أنها لن تقع مرة أخرى في أيدي الفاسدين وأنها لن تظلم يوماً أياً من أبنائها أياً كانت معتقداته الدينية أو مرجعيته الثقافية أو طبقته الاجتماعية...الجميع يتمنى حيناً ثم يدرك الواقع... والواقع أننا لا نملك – في هذه اللحظة – أي شيء إلا الرجاء بأن كل إنسان في هذا الوطن سيدرك أن مشاركته الإيجابية في بناء المرحلة القادمة ليس نوعاً من الترف، بل أنه ليس اختيارياً على الأقل بالنسبة لهؤلاء الذين يريدون أن يتركوا لأبناءهم وطناً حراً وليس مجرد ذكرى في كتاب التاريخ لثورة لم تزل بعد عشرين عاماً تحاول أن تحقق أهدافها. والمطلوب؟ طبعاً كل عمل إيجابي خير، فمن ينتج ومن يقدم خدمة ومن يعلم ومن يهتم بأحوال بيته وأولاده يعمل صالحاً، ومن يقوم بعمل تنموي فوق هذه الأشياء فهو يعمل عملاً عظيماً، لكن في اعتقادي أن الكثيرين جداً بحاجة أن يتحزبوا (والمقصود هنا أن يعلنوا انضمامهم إلى حزب وأن يحاولوا بحسب امكانيتهم أن يكونوا نشطاء في هذا الحزب). فالحياة الحزبية في مصر قبل الثورة اقتصرت على حزب واحد كان يدعي أن لديه ثلاثة ملايين عضو، ومجموعة أحزاب إما كرتونية ومخترقة وإما ضعيفة وبطيئة، وجماعة دعوية سياسية أفترض أن لديها نحو مليون عضو معظمهم من الناشطين، ومجموعات أخرى من الأتباع المخلصين لبعض الدعاة الذين لم يتحدثوا في السياسة قبل الثورة إلا لإثناء الناس عن مقاومة الحاكم أياً كانت مظالمه. في هذا المشهد، كم من النشطاء الجدد تعتقد أننا نحتاج لنبني حياة سياسية حرة ومتوازنة؟ مليون، ثلاثة ملايين، خمسة ملايين؟ ما الذي يمنعنا من التحزب؟أول مشكلاتي أنني كائن لا يُحب أن يُصَنَف، لا أجد في التصنيف معنى، فبمنتهى الصراحة، لا يوجد في العالم فكرة واحدة ولا مبدأ واحد يعبر عني بكل خصوصيتي، ولا يوجد شيء يمنعني – على مستوى شخصي – من العمل مع عشرات الاتجاهات المتعارضة إذا رأيت في هذا العمل خيراً لمصر. لكنني أؤمن أيضاً أن رفض التصنيف هو في حد ذاته اقتصاص من الحرية، وأن المواطن العالمي يمارس عالميته من خلال العمل في بيئته المحلية، وأن من يرفض الانتماء لمشروع فكري أو إيماني معين، على الأقل في مرحلة من حياته، لا يمكن أن يدعي قبولاً حقيقياً لكل الآخرين المختلفين عنه. قليل من التصنيف يؤكد الحرية، ولهذا أتحزب ثاني المشكلات هي في طبيعة العمل السياسي وأهدافه. فالكثيرون يقولون بأن الصراع على مقاعد البرلمان، وطبيعة العمل الحزبي من ائتلافات ميكافيلية وتجميل اعلامي وخلافه لا يتفق مع أهدافهم وطبيعة شخصيتهم. بالنسبة لي، هذا في حد ذاته سبب كافي جداً للتحزب. فإذا كان حلمي لمصر هو حلم تنموي لا علاقة له بالسلطة، فوجودي داخل حزب سيدفع بهذا الحزب قليلاً في اتجاه التنمية، بينما خروجي منه سيترك فراغاً في هذا الاتجاه قد لا يملئه أحد إذا انسحب كل التنمويون من الأحزاب. هكذا الأمر بالنسبة لمن يضعون على رأس أولوياتهم التعليم أو الفقر أو المرأة أو أي أهداف أخرى، وإذا كنت أنتمي لشريحة معينة من المجتمع، فكيف لأي حزب أن يدافع عن مصالح شريحتي إذا رفضت أنا وكل من حولي الانضمام بدعوى أن من في الحزب يختلفون عني؟ إن الأحزاب تحدد توجهاتها بحسب توجهات أعضاءها، وليست كيانات ثابتة لا تتغير. نفس الكلام ينطبق على أخلاق العمل السياسي. فما معنى أن أتهم الأحزاب بالانتهازية السياسية وأنا لدي فرصة أن أغير قراراتها بمجرد وجودي فيها. هذا الكلام بالطبع غير مطلق فبعض الكيانات لا أمل في تغييرها، لكن هذا لا ينطبق في اعتقادي على الحالة السياسية في مصر الآن، ولذلك أظنها فرصة لا تتكرر لنصنع شكلاً سياسياً جديداً لا يقوده عتاة السياسيين، بل مصريون يحبون الوطن بلا تعقيدات ثالث المشكلات، عند الكثيرين، هي الخوف من تفريق الأصوات في أحزاب والدعوة لتوحيد كل الجهود تحت راية واحدة. رأيي الشخصي أن هذه الوحدة مثالية ومستحيلة، وأنه من العبث انتظارها. نعم سوف يكون هناك الكثير من التحالفات، وعلينا أن نؤيد ذلك بوجودنا داخل أحزاب منفتحة على بعضها البعض. لكن – كما قال أينشتين عن الطاقة النووية – "الطاقة المطلوبة لعمل هذا الاندماج أكبر من الطاقة التي ستنتج عنه". جدير بالذكر طبعاً أن أينشتين كان مخطئاً فقد ثبت بعدها بسنوات أن توليد الطاقة النووية ممكن بقليل من المجهود وكثير من الدقة. على كل حال، أعتقد أن ما يحدث الآن من ظهور أحزاب متعددة هو شيء طبيعي يساهم في تكوين كوادر حزبية واختبار قدرات لكل الحالمين بمستقبل أفضل. أظن أنه إذا لم تستطع معادلات أينشتين أن تدمجنا، فستتمكن قوانين داروين من تصفية الأصلح منا ودفعه للأمام ليقود كل الآخرين. رابع المشكلات وآخرها، وأظننا سنتفق عليها كثيراً، هي الوقت. على المستوى الشخصي أكتب هذه السطور وأنا مرتبط مبدئياً بعشر ساعات عمل يومياً ورسالة دكتوراة و نشاط تكويني وحياة شخصية مليئة بالغنى. ما معنى الالتزام بتخصيص وقت لنوع من العمل العام ربما لا يأتي بثمار قبل عشر سنوات واحتمالات فشله أكبر من احتمالات نجاحه. أليس من الأفضل أن أضع هذه الساعات في تعليم أو عمل اضافي يخفف قسوة الأوضاع الاقتصادية؟ أو أن أقضي الوقت في مرح مع عائلتي أو أصدقائي، وكفانا ما عانيناه في الشهور الماضية؟الحق أنني لا أملك أن أطلب من أحد أن يضحي براحته أو سعادته من أجل أي شيء، ولكني أتصور أن ممارسة العمل السياسي في هذه الظروف يحمل في طياته خبرة افتقدناها طوال عمرنا، وهي أنني أملك حق التغيير، وأن مشاركتي في قيادة ودعم أي توجه هي حق من حقوقي الإنسانية التي حرمت منها. وفي تصوري أن السعادة والخبرة النابعة من هذا العمل يمكنها أن تمنح الكثيرين مورداً لمزيد من النجاح في أعمالهم ومزيد من السعادة في حياتهم الخاصة، وأخيراً ... وطناً أفضل جداً من الوطن الذي يمكن أن ينتج عن عدم المشاركةولكل ما تقدم، فقد اتخذت قراراً أرجو أن تعينوني على تنفيذه لقد دقت طبول التغيير في كل ربوع الوطن ... وأنا قررت أن أتحزبو أن أدعوكم جميعاً لهذه الرقصة

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل