المحتوى الرئيسى

لا تفلح البحر

04/09 14:47

زيَّــان قيل لجحا يوماً إن حريقاً كبيراً شبَّ في حوشكم، فهرع الناس صوبكم مولولين، فقال: ما دام الحريق بعيدا من حيِّنا، فما خصَّني منه. فقيل له انه في حيِّكم، فقال: اذا لم يبلغ دارنا فلا حاجة بي للاهتمام، فقيل له انه في داركم تحديداً، فقال: ما دمت خارجها فليعالج النار من وصلت اليهم ألسنتها... عُرفَ عن اللبنانيين انهم كل من يا رب نفسي. كما عُرفَ عنهم انهم ما زالوا يعتقدون أن أميركا لا ينام رئيسها ومعاونوه إلا متى أطمأنوا الى استقرار سويسرا الشرق وازدهار مواسم الكبة النيَّة والتبُّولة. ولا يقفل قصر الإليزيه أبوابه ويطفئ أنواره الداخليَّة إلا بعد اطلاع الرئيس الفرنسي على آخر تقرير عن أوضاع الوطن الرسالة. فمهما نبَّههم العقلاء والذين كواهم حليب الوعود الغربيَّة والشرقيّة على حدّ سواء، يظلُّ بينهم مَنْ يقنعهم أن لبنان ليس متروكاً... وما من قوة على وجه الأرض تستطيع أن ترشقه بوردة. كما عُرفَ عن هؤلاء اللبنانيين أيضا وأيضاً أنهم لا يتعظون، ولا يحفظون درساً، ولا يتعلمون من تجاربهم المريرة. فبعد ثلاثة أربعة عقود من الحروب والدمار والخراب والتشرد، لا يزال معظمهم يعزف على الوتر ذاته. ولا يزال المفروضون في مناصب القيادة والفيترينا يتصرَّفون وكأن البلد يخصُّ كل واحد منهم دون الآخرين ودون سائر الناس واللبنانيين والبشر. النصيحة كانت بجمل. اليوم تنهال النصائح على المتزعمين والمتعنترين والمتغطرسين بضرورة الاسراع في تأليف حكومة متماسكة، تستطيع أن تسارع الى اتخاذ الاجراءات والاحتياطات التي تبعد كأس التجربة ثانية عن هذا البلد المعتَّر. ولكن، على من تقرأ زبورك؟ يقولون لهؤلاء الذين تصاعد البخار بغزارة وكثافة الى رؤوسهم، إن الدنيا قائمة قاعدة من حولكم وحواليكم، فما بالكم توغلون في زرع التعقيدات والأسافين والالغام؟ فيجيبونهم وهم يرسمون على وجوههم هاتيك الابتسامة البلهاء، أن الوضع في لبنان مختلف من كل جوانبه، وأميركا متنبِّهة. وفرنسا متابعة. وبريطانيا ساهرة. والفاتيكان لا ينام. وروسيا مستنفرة كل أجهزتها، والصين شغلتها وعملتها لبنان. لا تفلح البحر. فاللبناني لا يتَّعظ، ولا يتعلَّم، ولا يصدِّق إلا نفسه. وهو مقتنع انه أفهم وأعلم من كل الناس... حين اقتطع ياسر عرفات جزءاً من اقليم التفاح وأسّس عنده المنطلق لـ"فتح لاند"، دبَّ العميد ريمون إده الصوت على الرؤساء والوزراء والنواب والزعماء السياسيين والروحيين، مناشداً اتخاذ الاجراءات الحاسمة والحازمة والجازمة التي توقف عرفات عند حدوده. فجاءه الجواب ان إقليم التفاح بعيد من بيروت. وعرفات لن يتقدَّم خطوة بالزائد، فالغرب كله سنكي طق. وصل عرفات الى عيون السيمان، ووصلت اسرائيل الى جونيه، ووصل اللبنانيون الى قبرص وأميركا وكندا واوستراليا. لا تفلح البحر. *نقلاً عن "النهار" اللبنانية

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل